صورة الانفجار في بيروت... الرعب وبيروقراطيّة الذنب والدفاع عن النفس

السبت 8 أغسطس 202005:33 م

200 متر قطر دائرة الانفجار، 40 متراً عمقها، ارتفاع السحابة عدة مئات من الأمتار في الهواء، ضغط هائل، ثم رجع الانفجار على مدى كيلومترات. هذه الخصائص التدميريّة لمسها وسجّلها الغافلون في بيروت، أولئك المنهمكون في نجاتهم في ظل الوباء وغياب المال. أولئك الذين وجدوا أنفسهم وراء عدسة الكاميرا يسجلون احتمالات موتهم.

محاولات الكتابة عن هذه اللحظات تبدأ دوماً بالمكان، ثم التجربة الشخصية على اختلاف الترتيب، لنرى أنفسنا أمام عدد لامتناه من الحكايات و"العتبات"، التي يمكن عبرها رصد أثر الانفجار على المستوى الفردي، لكن ما سيبقى أشد رسوخاً في الذاكرة، هو صورة الانفجار، السحابة الفطريّة فوق الميناء وسماء بيروت، تلك السحابة التي نعرف خصائصها وتاريخها جيداً. كل الأسئلة الصحفيّة مجاب عنها: "من، متى، لماذا، أين وكيف؟"، كلها تحضر في الصورة، إلا أن سرد الحادث يتطلب مكونات حكائية وأفعالاً فردية نتقمص بها صوت أحدهم لنكتب عن لحظة الانفجار. لكن، كيف يمكن الكتابة عن "الكّل" بمواجهة حدث واحد؟

صورة الانفجار بفحشها ووضوحها حدّ الرعب، تتطابق مع فساد السلطة، إن وجدت، هي لحظة الحسم بين منظومة الفساد التي أدّت إلى الانفجار وبين الأفراد في حياتهم اليومية. "لا نظام" الحوادث يصلح كمفهوم سردي وسياسي، لكنه يتطابق مع "صورة الانفجار" الذي زعزع مكونات "العالم" وأعاد تكوينه خراباً، خصوصاً أن عنفاً كهذا لا يظهر إلّا في ظل السياق السياسي، هذا القدر المحسوب بدقة لمركز الانفجار وأثره لا يظهر في الطبيعة، بل نتاج جهد سلطوي وبيروقراطي ينسف "الفضاء" بأكمله.

دعاء الآلهة واستعطاف القوى الخفية غير قادرين على تبرير ما حصل، لأن لا دور لها فيه إن وجدت، حتى الإيمان العميق بنظام المصادفات والحوادث العبثية لا يكفي، لأننا قادرون على تتبع دليل ورقي ورسمي متفق عليه، يرسم بدقة سير الحادث

دعاء الآلهة واستعطاف القوى الخفية غير قادرين على تبرير ما حصل، لأن لا دور لها فيه إن وجدت، حتى الإيمان العميق بنظام المصادفات والحوادث العبثية لا يكفي، لأننا قادرون على تتبع دليل ورقي ورسمي متفق عليه، يرسم بدقة سير الحادث. سؤالي: "كيف ولماذا"، مُجاب عنهما، بل ويمكن حسابهما رياضياً، وهذا من المفترض أن نراه لاحقاً أثناء التحقيق، لكن أشد أشكال العنف السياسي تظهر وراء صور الرسائل الرسمية والتقارير التي تشير إلى خطر السفينة التي كانت في الميناء، أي أن "النظام" واع بأن هناك حيوات مهددة، لكنه لا يستثنيها أو ينفيها، بل يتجاهل وجودها كلياً.

لا يمكن القول إنها لا تستحق الحياة، بل هي غير حيّة أصلاً من وجهة نظر السلطة، هي مهددة بالتلاشي دون أي ذنب، وهنا يظهر الرعب، صور الانفجار تعكس هشاشة الجسد الإنساني، مجانيته وغياب أهميّة حكاياته بأعين السلطة أو السلطات، خصوصاً أن العنف الذي أنتج الحادث مُطبق على البشر والأرض، كذلك الزمن، فالانفجار يهدد المستقبل وينفي احتمالات الحياة التي كان يختزنها، يسمم الهواء ويحرق القمح، ليهيمن العنف السياسي على كل الأماكن والحيوات، نافياً وظيفتها ودورها ومحولاً إياها إلى حطام وحكايات وصور متفرقة لا يمكن الإحاطة بها "كلّها"، وهنا المفارقة: الانفجار يمكن رصده رياضياً بدقة، وتكميم نتائجه الماديّة.

ماكينة الحكايات وبيروقراطية الذنب

لا يختلف أحد على مصدر الكارثة الطبيعية أو سببها (زلزال، تسونامي، إعصار) إلا في بعض الحالات، إذ يسلّم عادة بأنها من فعل "الطبيعة"، بالتالي لا يمكن لوم أحد بصورة مباشرة على كارثة طبيعية مدمرة. بعكس الحوادث البشرية الكبرى الناتجة عن العنف السياسي. هي شديدة التسارع، غير متوقعة، ولا يمكن التنبؤ بآثارها قبل حلولها، والأهم أن هناك اختلافاً دائماً حول سببها. صورة الغيمة الفطرية والانفجار أشبه بماكينة للحكايات، تأويلات عديدة لما حصل "إهمال، صاروخ، سلاح مخزن، مفرقعات..."، كلها أسباب تختلف بحسب الخطاب السياسي، ويتحول الحادث من مأساة إلى مجموعة من الأدلّة القضائية التي ننتظر "شرعنتها"، وهنا يظهر الغضب الموجه بدقّة إلى ما يمكن تسميته بيروقراطية الذنب الذي يحول الانفجار إلى أحجية تتكشف خفاياها تباعاً، ويتحول سؤال "من" إلى قائمة لا متناهية من المتهمين، ويصبح الذنب معاملة بيروقراطية. مع ذلك، الغضب يستهدف سؤال "لماذا"، هذا الذي نعرف إجابته بدقة، لا أحجية وراءه، لماذا؟ لأن النظام السياسي بهذا الشكل، والتواطؤ معه ذنب بدرجات متفاوتة، والأهم أننا نعرف حكايات هذا النظام والفاعلين ضمنه.

ميثولوجيا السلطة المرعبة

إشكالية السيادة -أو غياب السيادة- في لبنان أنها حولت السلطة إلى كائن ميثولوجي، حكايات من الرعب تحيط بها وتحكم أتباعها، ومع الانفجار أصبحت احتمالات العنف مهيمنة على كافة جوانب الحياة اليومية. الأرض نفسها لم تعد صالحة للاستقرار، وكأن لا حياة في ظلّها، بل نجاة فقط، ما يولد الشعور بالعجز أمام ما يحصل. فهالة الرعب المحيطة بالسلطة وعدم القدرة على مواجهتها أو تفادي الدمار الذي تسببه، تستبدل الاستقرار بالهلع، وتظهر الرغبة بالاستمرار عبثيّة أمام موت لا يمكن التنبؤ به. مئات الوثائق والشهادات والاعترافات تتحول إلى معاملات بيروقراطية، تستمرّ إلى اللحظة التي يحدّق بها الموت بأعين المواطنين الذين يسجّلونه كل واحد منهم من مكانه.

طالب ميشيل عون بصور من الفضاء لموقع الانفجار، ماذا تعني هذه الرغبة بالنظر من أعلى؟ ما المعلومات السياسية التي يمكن الحصول عليها من صور الحطام؟ التحديق من أعلى محاولة لنفي المسؤولية عن الأرض، وكأن الضحايا والخراب والحفرة ذاتها غير مقنعين بالنسبة للسلطة التي ترى نفسها "فوق"

طالب ميشيل عون بصور من الفضاء لموقع الانفجار، ماذا تعني هذه الرغبة بالنظر من أعلى؟ ما المعلومات السياسية التي يمكن الحصول عليها من صور الحطام؟ علماً أنها متوفرة للعلن وأمام الجميع. التحديق من أعلى محاولة لنفي المسؤولية عن الأرض، وكأن التحديق من أسفل لا يكفي، الجثث والخراب والحفرة ذاتها غير مقنعين بالنسبة للسلطة التي ترى نفسها "فوق"، ولا نقصد هنا التشكيك بعملية إنتاج الأدلة القضائية، بل تلك الرغبة برصد حدود الخراب، لتوزيع المسؤوليات والاتهامات، وخلق سلاسل الورق البيروقراطي والجدل الإعلامي، وهنا يعود الغضب للظهور مرة أخرى: تدعي السلطة أنها في ذات الموقع مع الأفراد لتهين موتهم، تدّعي أنها لا تعلم ما حصل، فالحادث مُختلف عليه، والضحايا محط النقاش السياسي.

الثأر أم الدفاع عن النفس؟

المواربات السابقة ومحاولة الإحاطة بالحكايات والصور حول الانفجار ليست أسلوباً لضبط الغضب وتجنب السباب والشتائم، لأن العاصمة بيروت انفجرت، والقتلة لم يمسّهم شيء. لا نحاول تدليل الثأر أو الاحتفاء بالأُضحية، لكن بعد الانفجار وما حصل من خراب، تقصير وفساد، ينفي حياة الأفراد وينتهك كرامتهم، من غير المنطقي الدفاع عن أيديولوجيا أو فكرة أو حزب، بل الدفاع عن الحياة، وبصورة أدق، الدفاع عن النفس، الاشتباك مع "النظام" يتطابق مع الدفاع مع الحق بالحياة ودفع الأذى، خصوصاً أن العنف أصبح مباشراً ومهيمناً ويدخل في كل جوانب الحياة الآن ومستقبلاً. "النظام" بمكوناته الرمزيّة والماديّة هو المسؤول عن الخراب الذي لا يتفاوت كالموت، فالانفجار الذي اخترق سماء بيروت حرفياً، هو تهديد للـ"كل". كل التفاوت في الحكايات والاختلاف وقوائم الاتهام والتعريفات القضائيّة، لا تعني شيئاً أمام 2750 طن من نيترات الأمونيوم. الأسئلة لامتناهيّة وإجاباتها متعددة، لكن صورة السحابة واحدة لن تتغير، هي شكل النظام الذي يحدق في أعيننا جميعاً.

صورة المقال من تصوير مصطفى عبد الواحد

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard