السعودية تحوّل منزل "لورنس العرب" إلى مزار سياحي... نكاية بتركيا؟

الاثنين 7 سبتمبر 202004:50 م

لم يمر إعلان وزارة السياحة السعودية ترميم المنزل الذي أقام فيه "لورنس العرب" عشية حملته الشهيرة ضد العثمانيين، وتحويله إلى مزار سياحي مرور الكرام، إذ رآى مواطنون أن الخطوة "نكاية بتركيا" الحليف الأبرز للطرف الأخر في النزاع الخليجي الذي تتزعمه المملكة، قطر، فيما استهجنه آخرون باعتباره "تخليداً لرمز استعماري".

وكان الضابط في المخابرات البريطانية، المقدم توماس إدوارد لورانس، الشهير بـ"لورنس العرب"، قد استقر مدة وجيزة في منزل قريب من ميناء محافظة ينبع على البحر الأحمر (غرب البلاد) إبان ما يُعرف بـ"الثورة العربية الكبرى" عام 1916، إذ كان الميناء قاعدة إمداد مهمة للقوات البريطانية والعربية التي تقاتل الإمبراطورية العثمانية خلال الحرب العالمية الأولى.

برغم دعوات المؤرخين إلى الاهتمام بالمكان، ظل المنزل المكون من طابقين خراباً في ظل شائعات محلية بأن الأشباح تسكنه. اليوم، بعد عقود عدة، قال أحمد المحتوت، رئيس بلدية ينبع لصحيفة "التلغراف" البريطانية إن المنزل سيكون جاهزاً لاستقبال السياح أواخر العام الجاري  ضمن حملة أوسع للمملكة لجذب المزيد من الزوار الأجانب.

وأضاف: "انتهينا للتو من المرحلة الأولى من الترميم. يستمد المنزل قيمته من تاريخه. كثير من السياح الأجانب قد يرغبون في الوقوف في منزل ضابط المخابرات البريطاني".

"بينما تُحطم  تماثيل المستعمرين نخلّد نحن ذكراهم"... السعودية تحوّل منزلاً قضى فيه ضابط المخابرات البريطاني "لورنس العرب" بضعة أيام إلى مزار سياحي. "خطوة ربحية بحتة" لجذب السياح؟

انتقادات

عبر مواقع التواصل الاجتماعي، أثار الإعلان السعودي الجدل انطلاقاً من ثلاثة انتقادات رئيسية: الأول أن تكون الخطوة نكاية بتركيا بسبب الخلاف السياسي بين البلدين، والثاني أن تُعد نوعاً من تخليد رمز استعماري ذي مخططات خبيثة، وثالثاً أن تنطوي الخطوة على استفزاز أُسر سعودية فقدت منازلها حديثاً عقب قرارات إزالة رسمية برغم المناشدات.

وفي إشارة إلى اعتبار أن المقصود من التحرك السعودي هو تركيا، كتب الناشط الحقوقي والسياسي السعودي عمر بن عبد العزيز: "اشفيكم حبايبي ترى صح لورنس كان ضد العثمانيين بس تراه جلدكم جلد ما زالت توثقه المراسلات والكتب! البس (القط) يحب خناقه".

وانتقد معلقون ما اعتبروه "احتفاءً بالمستعمر الغربي والجاسوس البريطاني الذي لعب دوراً أساسياً في تشكيل التركيبة السياسية المتصارعة" على جغرافيا المنطقة حالياً، حتى إن بعض هؤلاء وصفوا لورنس بـ"أكبر خدعة تعرض لها العرب".

وكتب الناشط والمدون السعودي سلطان العامر: "خبر غريب من عدة جوانب، ويعكس تعامل وزارة السياحة الإشكالي مع تاريخ جزيرة العرب. كل من له معرفة تاريخية بسيطة يعرف أن الدور المنسوب لضابط الاستعمار لورنس مضخّم ومزوّر ويتضمن نظرة استشراقية واحتقارية للعرب"، مردفاً: "في وقت تُحطم تماثيل الاستعمار في أمريكا وبريطانيا، نحتفي بأسطورة لورنس".

"كان حليفاً لأحد أعداء مؤسس المملكة ويرسل التقارير إلى بريطانيا محذراً منه ويصفه والوهابية بأشنع الصفات"... هل تحتفي السعودية بـ"لورنس العرب" نكاية بالعثمانيين وتتناسى موقفه من مؤسسها؟

كذلك بيّن العامر وجود "تصادم بين الرواية الوطنية السعودية وقصة لورنس. فهو كان حليفاً للملك حسين، أحد أعداء مؤسس المملكة الرئيسي، وكان يرسل الرسائل والتقارير لبريطانيا كي يحذرها من الملك عبد العزيز والوهابية ويصفهما بأشنع الصفات".

واتّهم الوزارة بإتباع "نظرة ربحية بحتة، لا تمانع تزوير التاريخ أو تسطيحه أو حتى الإساءة إليه" في السعي لجلب السياح، متسائلاً: "هل يتم استعراض هذه التقارير والمخاطبات عند إحياء ذكراه؟".

في الأثناء، استهجن سعوديون أن يكون الرد على المناشدات المتكررة لأهالي محافظتي ينبع والعيص عدم هدم منازلهم- التي صدرت قرارات بهدمها بحجة أنها تعدٍّ على أراضٍ حكومية- بترميم منزل لورانس.

ولفت آخرون إلى إهمال ترميم أو إلى هدم آثار نبوية ومنازل الصحابة في مقابل الاهتمام بمنزل "جاسوس بريطاني". 

خلال الثورة العربية، ساعد لورنس رجال القبائل البدوية المحلية في إطاحة حكامهم الأتراك، الذين كانوا متحالفين مع ألمانيا ضد البريطانيين والفرنسيين.

ورد سعوديون على ذلك بالقول إنه "من أكثر الشخصيات التاريخية التي تعرضت للتشويه بسبب دوره في صد ‘الاحتلال العثماني‘ من خلال تدريب العرب على استخدام السلاح". 

"نكاية بتركيا أو تخليداً لرمز استعماري؟ تُهدم بيوت السعوديين وآثار النبوة وتُرمم منازل الجواسيس؟"... نَشِطون عبر مواقع التواصل الاجتماعي ينتقدون تحويل السعودية منزل "لورنس العرب" إلى مزار سياحي ومَعلم تاريخي

سيرة مختلف عليها

يُعدّ لورنس من الشخصيات الجدلية التي تكثر الروايات والتحليلات بشأن دوره في الشرق الأوسط. ثمة باحثون يرونها "مضخمة عمداً" من قبل البريطانيين لا سيما في الثورة العربية ضد تركيا التي "عملت بريطانيا على تشجيعها"، وفق "بي بي سي".

بحسب المصادر البريطانية، فقد زُرع لورنس في المنطقة بهدف "استكشاف كيفية تشجيع القبائل العربية على التمرد ضد الأتراك" ودعم الثورة العربية حتى "حصول العرب على حكم ذاتي" و"إعادة رسم الحدود في المشرق العربي" التي وضع مقترحات بشأنها.

وتزعم المصادر نفسها أنه كان "تكتيكياً مميزاً ومنظراً مؤثراً للغاية في حرب العصابات ضد الأتراك". وهو ما تشير إليه مغامراته في الحجاز، وقيادته مجموعة من المقاتلين العرب وهو متنكر بزي عربي. هذه المعلومات وسواها وردت في سيرته "أعمدة الحكمة السبعة".

لكنّ فريقاً من الأكاديميين والباحثين العرب يرى أن "الجاسوس البريطاني من الشخصيات التي أحاطها الاستعمار بهالة ضخمة من البطولة برغم أنه ما هو سوى عميل، وأن ولاءه المزدوج كان لبريطانيا والصهيونية. لقد خدع العرب وعاش بينهم بهدف إسقاط الدولة العثمانية وزرع الفتنة بين العرب والترك لمصلحة بلاده".
إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard