بحث عن دور موازٍ للدور التركي… ماذا تريد اليونان من المحور السعودي الإماراتي؟

الأحد 12 يوليو 202012:15 م

كلما توسعت تركيا التي تُعدّ الوريث الشرعي للخلافة العثمانية في سياستها ونفوذها بالمنطقة، تسارع اليونان التي تُعتبر وريثة الإمبراطورية البيزنطية، والخصم التقليدي والتاريخي لتركيا، إلى اتخاذ خطوات مماثلة.

ولعلّ رغبة اليونان في لعب دور موازٍ لتركيا، شكلت حافزاً لدول خليجية كي تعمل على استقطاب أثينا، في تحالفٍ يضمن لها الحصول على دعم عسكري من الأخيرة، والعمل معاً لمواجهة نفوذ أنقرة.

وبرغم ما شهدته العلاقة بين الطرفين من تقارب، يشكك متابعون في نجاحها على المدى البعيد، إذ يرون أنه تقارب مؤقت هدفه مناكفة تركيا، وقد ينتهي في حال حدوث تهدئة مع أنقرة.

التقارب مع الجانب السعودي

تاريخياً، لم تكن اليونان هدفاً استراتيجياً للدول الخليجية عموماً، لعدم وجود خطوط تماس مع مصالحها، خصوصاً لجهة السعودية التي ابتعدت في الماضي عن أي تقارب مع أثينا في سبيل الحفاظ على العلاقات مع تركيا.

وتعد الزيارة الأبرز لملك سعودي إلى اليونان تلك التي قام بها عام 1965 الملك الراحل سعود بن عبد العزيز إلى أثينا حين ذهب لتلقي العلاج، وتوفي هناك. انقطعت الزيارات الملكية بعد ذلك، حتى عام 2006، حين نشر موقع "إيلاف" السعودي أنباء عن اعتزام الملك الراحل عبد الله بن عبد العزيز زيارة اليونان، مشيراً في الوقت ذاته إلى أن "أثينا ليست بذلك التواجد على خارطة العلاقات السياسية للحكومة السعودية".

ولا تبتعد العلاقات بين أبو ظبي وأثينا كثيراً عن مستوى تلك السعودية اليونانية، فلا زيارات رئاسية ولا وزارية حصلت يمكن تسليط الضوء عليها، إلا في الآونة الأخيرة.

عندما بدأت تركيا بالظهور كخصم للسعودية والإمارات، شرعت الأخيرتان في الاتجاه نحو أثينا، في ما بدا أنه استراتيجية جديدة لتوطيد العلاقات مع خصوم أنقرة من أجل خلق تحالف قادر على احتواء نفوذ الأخيرة.

في الثالث من شباط/فبراير الماضي، زار رئيس الوزراء اليوناني كيرياكوس ميتسوتاكيس الرياض، حيث جرى الاتفاق مع ولي العهد محمد بن سلمان الذي يشغل منصب وزير الدفاع في المملكة على إرسال منظومة باتريوت وما يقرب من 150 جندياً، لحماية الأجواء السعودية من الهجمات الصاروخية.

سبق هذا الاتفاق تحركات وزيارات مكثفة لمسؤولين سعوديين إلى اليونان، بدأت بتعيين الرياض أول سفير مقيم في قبرص اليونانية، في أيلول/سبتمبر الماضي، تلاها زيارة هي الأولى من نوعها قام بها وزير الخارجية السابق إبراهيم العساف إلى العاصمة نيقوسيا.

وفي نوفمبر/تشرين الثاني، توجه وزير الدولة للشؤون الخارجية عادل الجبير إلى اليونان، حيث غرّد من أثينا قائلاً: "نتشارك معاً ذات الأهداف لصون الأمن وتعزيز الاستقرار".

كذلك زار وزير الخارجية السعودي الحالي الأمير فيصل بن فرحان أثينا في كانون الثاني/يناير الماضي، وذلك قبل زيارة رئيس الوزراء اليوناني إلى الرياض بأسبوع واحد.

في هذا الإطار، قال المحلل الأمريكي ثيودور كاراسيك، مستشار مركز سياسات الخليج في واشنطن، لرصيف22 إن العلاقات اليونانية تحديداً مع السعودية تشهد تطوراً لا سيما في المجال الدفاعي، مشيراً إلى أن اليونانيين يتطلعون إلى شراكة ودور جديد في مناخات وبيئات مختلفة، وقد اختاروا الشرق الأوسط.

التقارب مع الجانب الإماراتي

كذلك، تُعدّ اليونان نواة مخطط إماراتي يقوم على ضرورة الإسراع في إنشاء خط أنابيب لنقل الغاز من قبرص وإسرائيل عبر أثينا إلى أوروبا دون المرور بتركيا، وهذا يمثل ضربة قوية لخصومها في أنقرة التي تحذر من استبعادها عن أي مشروع في المتوسط، كذلك في قطر إذ من المتوقع أن يقل تصدير الغاز القطري بمقدار النصف إلى أوروبا في حال إنجاز هذا المخطط.

واتفقت اليونان والإمارات في شباط/ فبراير الماضي على الشروع في إجراء مناقشات موسعة بين البلدين من أجل التوقيع على "اتفاقية شراكة استراتيجية شاملة" خلال الفترة المقبلة.

المنطقة تشهد ولادة تحالف جديد يجمع دول خليجية مع اليونان من أجل خلق توازن مع تمركز القوات التركية في قطر. مختصون في الشأن اليوناني يقولون إن أثينا لا تمتلك في يدها شيئاً يمكن للسعودية والإمارات التعويل عليه

ولفت محللون إلى أن اليونان قد تكون بوابة الإمارات لخلق تعاون مع إسرائيل من خلال المناورات العسكرية المشتركة التي تجري في أثينا.

وفي 29 حزيران/يونيو، كتب الصحافي الأمريكي صامويل رماني تغريدة قال فيها: "ناقشت الإمارات واليونان التعاون على المستوى العسكري ضد الوجود التركي المتزايد في منطقة البحر الأبيض المتوسط". وأضاف: "لن يتسبب ذلك في قيام اليونان بتوسيع دورها في ليبيا، لكن قد يسمح للإمارات بالانضمام إلى خطط التعاون البحري اليوناني مع إسرائيل".

وكان سلاح الجوّ الإماراتي قد شارك بالفعل، العام الماضي، في مناورات عسكرية مشتركة مع نظيره الإسرائيلي في اليونان.

وأثار التواصل اليوناني الإماراتي المتكرر انتباه متابعين قطريين سخروا منه واعتبروه محاولة لاستهداف تركيا.

في 25 حزيران/يونيو الماضي، غرّد الصحافي القطري عبدالله العذبة قائلاً: "يخطط مبز (ولي عهد أبو ظبي) -محمد الفتاح- لإعادة فتح القسطنطينية في تركيا مستخدماً اليونان، كقاعدة لانطلاق زحف ‘جنود الإمارات البواسل‘ بقيادته الميمونة لتتوسع الإمبراطورية الظبيانية لحدود أوروبا".

ماذا تريد اليونان من الشرق الأوسط؟

إلى جانب ما سبق، ثمة مصلحة أخرى، تراها اليونان على جانب من الأهمية وتتطلب خلق تحالفات جديدة، وهي مشروع "إيست ميد" الذي يقوم على إنشاء خط غاز من إسرائيل وقبرص إلى أوروبا عبر اليونان بتكلفة 10 مليارات دولار.

وبحسب "مركز الفكر الاستراتيجي"، فإن أثينا تسعى لاستمالة المملكة لتكون أحد داعمي هذا المشروع، نظراً لقدراتها المالية، غير أن تحقيق هذا الهدف يواجه تحدياً حقيقياً يتمثل بعدم وجود مصلحة للسعودية في دعم إنشاء سوق طاقة في منطقة شرق المتوسط؛ لأن ذلك سيضر بمصالحها الاقتصادية. 

في سياق متصل على الجانب الليبي، وصل وزير الخارجية اليوناني نيكوس دندياس إلى بنغازي، شرقي ليبيا، الشهر الماضي، وبحث مع مسؤولين مدعومين من السعودية والإمارات مسألة ترسيم الحدود البحرية، معلناً نية بلاده افتتاح قنصلية في المدينة، بينما لا توجد علاقات دبلوماسية مع حكومة طرابلس بعد توقيع اتفاق لترسيم الحدود مع تركيا.

لكن حين يجري الحديث حول الدور اليوناني الصاعد في منطقة الشرق الأوسط وتقاربها مع السعودية والإمارات، يحدد محللون ثلاثة أهداف لأثينا من ورائها: مواجهة الخطر التركي المتصاعد بالنسبة لليونان، ومكافحة الهجرة غير الشرعية، وجذب استثمارات جديدة.

في حديث مع رصيف22، ينوّه الأكاديمي المصري المختص في الشأن اليوناني سامح اللبودي إلى أن اليونان بدأت بعد عام 2011 الذي شهد ثورات الربيع العربي تتجه نحو كل دول الخليج بدون استثناء، لكن الأمر تغيّر بفعل ما طرأ على خريطة العلاقات في الخليج وحدوث انقسام إلى محاور، يجمع الأول الإمارات والسعودية والبحرين والثاني يقتصر على قطر والثالث محايد يضم الكويت وسلطنة عمان.

ويوضح اللبودي الذي يعمل أستاذاً للغة اليونانية في جامعة الأزهر أن أثينا اختارت أن تلقي بثقلها في المحور السعودي الإماراتي لسببين: الأول أن اليونان تخطو خلف كل من من يقف ضد تركيا، ويزداد استعدادها في أن تكون في تحالف مع أي دولة تكون في المعسكر المناهض لأنقرة في ظل تصاعد النفوذ التركي.

لذلك اختار رئيس الوزراء اليوناني في شباط/فبراير الماضي، بعد توليه السلطة، زيارة الرياض، في خطوة أثارت انتقادات عارمة له في الداخل، بعدما رأى معارضون لميتسوتاكيس في تحركه اصطفافاً مع أحد المحاور في المنطقة.

ويشرح اللبودي أن تيار المحافظين الذي ينتمي له ميتسوتاكيس يرى أن كل من يقف في مواجهة تركيا لا بد أن تكون أثينا حليفة معهم.

أما السبب الثاني، وفقاً للبودي، هو أن اليونان تريد أن تقف مع حلفاء مصر، لأنها ترى في هؤلاء الحلفاء جسراً لها نحو القاهرة من أجل ترسيم الحدود البحرية التي تعد المصدر الأول للنزاع بين أنقرة وأثينا.

ويقول اللبودي: "يأمل المحافظون أن يشجع التقارب مع المحور السعودي الإماراتي القاهرة على الإسراع بترسيم الحدود في البحر المتوسط".

في السنوات الماضية، سعت كل من تركيا واليونان إلى ترسيم الحدود مع مصر، لكن لم تتوصل القاهرة إلى اتفاق مع أي منهما، إذ يحذر محللون وفقاً للخرائط المتداولة من أن ترسيم الحكومة المصرية الحدود مع أثينا سوف يغلق المجال البحري في وجه أنقرة.

بمعنى أن الترسيم الذي تقترحه اليونان لحدودها في البحر المتوسط يفرض سيادة أثينا على المنطقة البحرية كلها ولا يترك لتركيا أي سيادة، وتحتاج اليونان أن تضع هذا الاقتراح في اتفاقية مع دولة مجاورة يتم إقرارها في الأمم المتحدة.

بالمثل، إذا توصلت القاهرة إلى اتفاق مع أنقرة وفقاً للترسيم الذي تم مع حكومة الوفاق الليبية دون توافق مع أثينا فإنه سيتم غلق المجال البحري في البحر المتوسط في وجه اليونان.

اليونان ترسل قوات إلى السعودية وتجري مناقشات لتوقيع اتفاقية شراكة استراتيجية شاملة مع الإمارات، وتتعرض لضغوط أمريكية لإرسال سفن حربية إلى الخليج... لماذا اصطفت أثينا مع الرياض وأبو ظبي؟

بالعودة إلى حديث اللبودي فإن تقارب أثينا مع المحور السعودي من دوافعه أيضاً عدم رغبة الحكومة اليونانية بالتعويل على الاتحاد الأوروبي الذي بات غارقاً في أزمات كثيرة، منها ابتزاز تركيا له بورقة المهاجرين، وعليه يرى المحافظون ضرورة في البحث عن حلفاء جدد.

"في حال لن يأخذ الاتحاد الأوروبي خطوة إلى الأمام ضد تركيا لأنها عضو حلف الناتو فاليونان تقول إن لديها بدائل، لا تحتم عليها أن يتجه غرباً وشمالاً، لكن نحو الجنوب والشرق الذي يساعدها في الضغط على تركيا لوقف انتهاكاتها في البحر المتوسط"، كما يعلق اللبودي متابعاً "تريد أيضاً جذب استثمارات جديدة من دول الخليج التي زادت من حجم استثمارها في أثينا خلال السنوات القليلة الماضية، في ظل الأزمة الاقتصادية التي تعرضت لها البلاد وكانت على وشك الإفلاس".

وعلى سبيل المثال، أعلنت الإمارات عن مشروع استثماري في اليونان عام 2014 يتمثل في تطوير أرض المطار القديم في العاصمة أثينا، بكلفة إجمالية تتجاوز سبعة مليارات يورو لتوفير أكثر من 50 ألف وظيفة عند اكتمال المشروع.

هل يمكن الاعتماد على اليونان؟

بحسب تقرير "مركز الفكر الاستراتيجي"، فإن العلاقة بين السعودية واليونان قد تكون مؤقتة ببعديها الأمني والسياسي، وترتبط بشكل أساسي بحالة المناكفات السياسية بين المملكة وتركيا، وبالتهديدات الأمنية والاقتصادية بين اليونان وتركيا، وعدا هاتين الحالتين فإن لكل من أثينا والرياض اهتماماتهما الأمنية والاقتصادية المتباينة والمتعلقة بنطاق كل منهما الجغرافي.

وتبقى مشكلة المعارضة اليونانية مع مسألة إرسال صواريخ باتريوت أمريكية الصنع إلى السعودية أحد التحديات التي تعرقل هذا التقارب، إذ ترى المعارضة أن هذه الخطوة لا تصب في مصلحة اليونان، وأن لدى الأخيرة ملفات وقضايا جديرة بالاهتمام أكثر من التوسع في نطاقات جغرافية أخرى.

وفي السنوات الماضية، زادت التحديات التي تواجه المحور السعودي الإماراتي، على خلفية تعرض الرياض لهجمات صاروخية مستمرة من قبل الجماعات المدعومة من إيران في اليمن والعراق، بالتزامن مع تقليل واشنطن تواجدها العسكري في المملكة.

في شباط/فبراير الماضي، نقلت وسائل الإعلام اليونانية أن الولايات المتحدة مارست ضغوطاً على أثينا من أجل وجود يوناني في الخليج العربي، مشيرةً إلى أن واشنطن كانت قد طلبت مرتين من اليونان إرسال فرقاطة للانضمام إلى قوة بحرية في المنطقة تحت القيادة الأمريكية، لكن هذه الخطوة لم تنفذ في الماضي.

وحين قررت الولايات المتحدة سحب عدد من قواتها وأنظمتها الدفاعية، في أيار/مايو الماضي، من السعودية، أشار محللون عسكريون أمريكيون إلى تشغيل بطاريات الباتريوت اليونانية في المملكة في تلميح إلى أنها يمكن أن تكون بديلاً مناسباً.

وذهب محللون أمريكيون إلى أن الوجود العسكري اليوناني في السعودية قد يخلق توازناً في المستقبل مع تمركز تركيا في قطر.

من جهته، يرى كاراسيك أن التواجد اليوناني في السعودية بات مثيراً للاهتمام، قائلاً: "من المؤكد أن هذا الأمر يتوقف على خطوات التصعيد في المنطقة، ولا يمكن استبعاد أي نوع من السيناريوهات في الشرق الأوسط". ويلفت إلى أن الأمر قد يقتصر على تبادل للمعلومات بين السعودية واليونان كأحد الخيارات البديلة للتصعيد والمواجهة الأيديولوجية.

بدوره، يستبعد اللبودي أن تكون اليونان قادرة على مواجهة الوجود التركي في قطر، قائلاً: "اليونان ليس في يديها ما تعول عليه دول الخليج؛ العكس هو الصحيح؛ اليونان هي من تعول على قوة الخليج".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard