أزالت السعودية اسمه من أحد شوارعها... السلطان سليمان القانوني والتاريخ المثير للجدل

الاثنين 15 يونيو 202007:00 م

في خطوة وصفتها وسائل إعلام تركية بأنها تسييس للتاريخ، قررت أمانة الرياض إزالة لوحات باسم السلطان العثماني سليمان القانوني من أحد شوارعها، ما أثار جدلاً حاداً بين مؤيدين ومعارضين للقرار.

وتداول مغردون سعوديون، على موقع تويتر، صوراً أظهرت لحظة قيام أمانة الرياض، بإزالة اسم سليمان القانوني من أحد شوارعها وإلقاء اللافتات على الأرض.

وتعد هذه الخطوة ضمن سلسلة من القرارات المتبادلة بين السعودية ومصر وتركيا التي تضمنت إزالة أسماء قادة عثمانيين وشخصيات سياسية معاصرة من شوارع وإطلاقها على أخرى.

المعروف عن سليمان القانوني

كان سليمان خان الأول المعروف باسم سليمان القانوني، عاشر السلاطين العثمانيين، واعتُبر أقواهم لسببين. الأول كونه ظل في الحكم فترة بلغت 46 عاماً، من 6 تشرين الثاني/نوفمبر 1520 حتى وفاته في 7 أيلول/سبتمبر 1566.

أما السبب الثاني، فهو أنه وصل بجيشه إلى قلب أوروبا، وسيطر على أجزاء كبيرة من مملكة المجر، حتى حاصر فيينا عام 1529، وحاول فتح إيطاليا ومالطا، ثم اتجه شرقاً إلى آسيا فدخل بغداد وإيران وأجزاء واسعة من المملكة الصفوية، كما دخل أفريقيا فحكم من مصر إلى الجزائر غرباً وحتى أريتريا وجيبوتي جنوباً.

حصل على لقب "القانوني" لأنه اهتم جيداً بإصلاح القضاء وإصدار القوانين التي تُنظّم عمل الدولة، كما تطورت الفنون والثقافة في عهده لأنه كان معجباً بالحضارة الأوروبية.

عُرف عنه حبه للنساء والجواري، فتزوج الجارية الروسية روكسلانا التي عرفت باسم خُرَّم سلطان، وأحبها الأخير لدرجة جعلته يهجر باقي زوجاته، والامتناع عن الخروج إلى الحرب على رأس جيشه نزولاً عند رغبتها.

ويُحكى كذلك أن السلطان كان تحت تأثير روكسلانا لدرجة أنها أقنعته بقتل أبنه مصطفى، كي يكون عرش زوجها لأحد أبنائها بدلاً من مصطفى.

في عام 1553، أمر سليمان بقتل ابنه الأكبر مصطفى، حينما أبلغه أحد وزرائه بالاتفاق مع زوجته أن نجله يدبر لانقلاب عليه، وهي الحادثة التي يعتبرها المؤرخون نقطة سوداء في سجل القانوني.

وفي عام 1562، تورط القانوني حسب مؤرخين في ثاني أكبر نقطة سوداء في تاريخه حينما طلب من شاه إيران قتل نجله شاهزاده بايزيد من زوجته خرم وأحفاده الذين كانوا مع أبيهم في حماية الملك الصفوي.

كان سليمان القانوني الذي أزالت السعودية اسمه من أحد شوارعها، عاشر السلاطين العثمانيين، وأقواهم لأمرين، فترة حكمه الطويلة وسيطرة قواته على المجر في قلب أوروبا... اتُهم بقتل أفراد من عائلته بإيعاز من زوجته وهو ما أضاء عليه المطالبون بإزالة اسمه من الرياض

واشتهر القانوني في السنوات الأخيرة، بعدما عرضت عدة محطات عربية المسلسل التركي الشهير "حريم السلطان" والذي سلط الضوء على حياته وتعلقه بزوجته وتأثير الأخيرة عليه.

في عهد القانوني، تم نقل أجزاء من الحجر الأسود الملصق بالكعبة في مدينة مكة المكرمة إلى إسطنبول، لذلك يتهمه سعوديون في الوقت الحالي بسرقتها لكن الأتراك قالوا إنه قام بهذا الإجراء من باب الحماية لهذه الأجزاء.

وقالت وكالة الأناضول، في تقرير لها في 14 حزيران/يونيو: "نقل أجزاء صغيرة من الحجر الأسود إلى إسطنبول في عهد سليمان القانوني هي واقعة ثابتة لا يمكن إنكارها، حيث أن المعماري العثماني الشهير سنان (القرن السادس عشر الميلادي) قام بتثبيت أربعة أجزاء منها في جامع صوقوللو محمد باشا في إسطنبول، أما القطعة الخامسة، فهي لا تزال مثبتة في ضريح السلطان سليمان القانوني، بينما توجد القطعة السادسة في مسجد أسكي في مدينة أدرنة".

"تزييف للتاريخ"

دشّن مدونون في المملكة هاشتاغاً وصف القانوني بـ"المجرم" الذي قتل أبناءه، فيما اعتبر معارضون سعوديون أن هذه الخطوة سياسية إثر خلاف الرياض مع أنقرة، بعدما كانت السعودية تمجد السلطان سليمان خان الأول.

وغرّد المدون السعودي منذر آل الشيخ مبارك، قائلاً: "إظهار المجرم سليمان القانوني في غير صورته الحقيقية لم يكن عبثاً بل لأغراض خبيثة... من يتصور أن يظهر مجرم قتل ولده خنقاً وأربعة من أحفاده أمام والدهم الذي هو ابنه، إنه خليفة مسلم! أي فطرة سوية تقبل تمجيد قاتل كهذا".

وأضاف المدوّن في تغريدة أخرى: "إزالة اسم سليمان القانوني من أحد الشوارع يسهم بشكل كبير في نشر الوعي وهو امتداد لمسار تصحيح التاريخ والكتب والمناهج من لوثة الدراما والدعاية الكاذبة والتي حاول من خلالها الأتراك ترسيخ معلومات مغلوطة عن حقيقة سلاطينهم ودولتهم البائدة".

وقال المحلل السياسي السعودي خالد الزعتر: "سليمان القانوني يحاول الأتراك إضفاء هالة القداسة عليه، وهو كان سفاحاً لم يسلم منه أقرب الناس له وهو ابنه حيث أمر بإعدامه خنقاً ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد بل سارعت زوجته روكسلان لخنق طفل ابنه الرضيع".

في المقابل، غرد المعارض السعودي تركي الشلهوب أن الحكومة السعودية لم تكتشف أن سليمان القانوني ‘مجرم‘ إلا بعد أن توترت العلاقات مع الحكومة التركية أما قبل ذلك، فقد كانت تمجِّده، وتُطلق اسمه على أحد شوارع الرياض".

وتابع المعارض السعودي: "بن سلمان يدير الخلافات السياسية وفق استراتيجية ‘كيد النساء‘".

وقال الناشط السعودي المعارض عمر بن عبد العزيز: "الخليفة سليمان القانوني رحمه الله كان يحكم العالم لأربعين سنة، ما ضرّه لوحة في شوارع الرياض".

وقالت المعارضة السعودية علياء أبوتايه الحويطي في تغريدة على حسابها: "تخيلوا لقب القانوني لم يطلقه عليه حلفاؤه، بل أعداؤه، لعدالته ونزاهته وقوته، تاريخه أكبر من تغريدة، ويأتي أطفال البابجي (لعبة) يظنون التاريخ بلايستيشن يغيرونه، هل أنتم هُبل! ضحك العالم من جهلكم، وانتصارتكم الوهمية فقط بالهاشتاغات البذيئة، والكرتون! فضحتونا!".

بين من اعتبر سليمان القانوني "مجرماً" ينبغي نزع هالة القداسة عنه ومن مدح بالسلطان وإنجازاته، اندلع جدلٌ واسع حول إزالة اسم عاشر السلاطين العثمانيين من الرياض، فيما تمت الإضاءة على حروب أسماء الشوارع تبعاً للمتغيرات السياسية في العلاقات بين الدول

وغرّدت قناة "تي آر تي" التركية تقريراً لها دفاعاً القانوني قائلة: "بدأت السعودية تزوير التاريخ العثماني حسب المتغيرات السياسية مع تركيا".

وقالت وكالة "الأناضول" التركية في تغريدة لها: "المؤسف أن تكون صفحات التاريخ ألعوبة في النزاعات السياسية ويكون تقييم الشخصيات التاريخية أمراً نسبياً خاضعاً للمتغيرات السياسية فيغدو من كان بطلاً تاريخياً بالأمس سفاحاً اليوم".

حرب أسماء

في العام الماضي، وافقت بلدية مدينة سيواس، وسط تركيا، على مقترح تغيير اسم شارع الاستقلال، أحد أكبر شوارع المدينة، إلى اسم "شارع الشهيد محمد مرسي" تكريماً للرئيس المصري الراحل.

وفي عام 2018، قررت السلطات المصرية حذف اسم السلطان سليم الأول، والد سليمان القانوني، من أحد شوارع العاصمة القاهرة.

وقال محافظ القاهرة عاطف عبد الحميد إنه لا يصح إطلاق "اسم مستعمر" على أحد الشوارع المصرية، مشيراً إلى أن أساتذة التاريخ المعاصر تحدثوا عن "قتل سليم الأول آلاف المصريين".

في العام ذاته، غيّرت تركيا اسم الشارع الذي تقع فيه سفارة دولة الإمارات العربية المتحدة إلى "فخر الدين باشا"، وهو اسم القائد العثماني الذي حكم المدينة المنورة في الحجاز مطلع القرن الماضي.

ووضعت بلدية العاصمة التركية، أنقرة، لافتة في مدخل الشارع تقول "جادة حامي المدينة، شارع فخر الدين باشا"، بعدما أعاد وزير الخارجية الإماراتي عبد الله بن زايد نشر تغريدة تتهم القائد العثماني بنهب وسرقة المدينة عوضاً عن الدفاع عنها، قائلاً إن هؤلاء هم أسلاف الرئيس التركي رجب طيب أردوغان.

وقالت التغريدة إن "الأتراك سرقوا أغلب مخطوطات المكتبة المحمودية بالمدينة، فهؤلاء أجداد أردوغان".

ووصل التوتر في العلاقات التركية السعودية إلى مرحلة غير مسبوقة عام 2018 عقب مقتل الصحافي السعودي جمال خاشقجي في قنصلية المملكة في إسطنبول.

وطالبت تركيا بإجراء تحقيق دولي في مقتل خاشقجي، واعتبرت الأحكام الصادرة في القضية بأنها "استهزاء بالعالم".

واتهم أردوغان أخيراً السعودية بالصمت حيال الخطة الأمريكية المعروفة إعلامياً بصفقة القرن، والتي عارضتها أنقرة بشدة.

وقال وزير الدولة للشؤون الخارجية السعودي عادل الجبير، في 13 شباط/فبراير الماضي، إن المملكة تعارض توغل تركيا في سوريا، متهماً أنقرة بدعم الميليشيات المتطرفة في ليبيا والصومال.

وقال الجبير: "نحن قلقون من انتقال المقاتلين الأجانب من سوريا إلى ليبيا وستكون هناك تبعات على أوروبا".

وتوترت العلاقات مع القاهرة في أعقاب عزل مرسي عام 2013 حيث سارع الرئيس التركي إلى وصف عملية الإطاحة به بـ"انقلاب عسكري"، رافضاً الاعتراف بالرئيس الحالي عبد الفتاح السيسي حاكماً لمصر.

كما زادت حدة التوتر في المرحلة الماضية مع القاهرة وأبو ظبي على خلفية الصراع المحتدم في دعم طرفي الحرب الأهلية في ليبيا.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard