غزة... خلو العرش قبل المجازفة الأخيرة

الأحد 6 سبتمبر 202010:16 ص

بخطاب ناري، وبلا رغبة في العودة خطوة إلى الوراء لإفساح المجال لإنجاح مساعٍ دبلوماسية ما، قررت حركة حماس، ومعها الفصائل الفلسطينية، الدخول في التصعيد الأخير مع إسرائيل، أملاً في رفع أو تخفيف الحصار الإسرائيلي المفروض على غزة منذ ما يزيد عن 14 عاماً.

لكن في لحظة غير متوقعة، امتلأت سماء حدود غزة بالغيوم الصيفية، بدلاً من دخان البالونات الحارقة والمفخخة، وتراجعت حركة حماس عن موقفها، في خطاب مضطرب، وقبلت بعودة الأوضاع إلى ما كانت عليه في السابق مع تسهيلات جديدة، بعد قرابة شهر من التسخين الميداني.

عرض سريع

منذ الأسبوع الأول من شهر آب/ أغسطس الماضي، شهدت الأوضاع على حدود غزة توتراً متصاعداً. الفصائل وأبرزها حماس، عاودت تفعيل أدواتها الشعبية الخشنة، وفتحت الميدان لوحدات البالونات الحارقة والمفخخة ووحدات الإرباك الليلي على الحدود.

هذه الخطوات، وغالبيتها مدعومة من الفصائل وتابعة لها، تبعتها رسائل مبطنة من الجناح العسكري لحركة حماس، كتائب القسام، عبر إطلاق مجموعة كبيرة من الصواريخ التجريبية صوب البحر.

وبعد يوم واحد من بدء إطلاق البالونات الحارقة والمفخخة صوب المستوطنات القريبة من القطاع، وبالتحديد في السابع من آب/ أغسطس الماضي، بات الجيش الإسرائيلي يرد على الحرائق المفتعلة بقصف شبه يومي لمواقع تابعة للفصائل وأراضٍ زراعية في غزة.

بموازاة القصف، قررت إسرائيل تضييق الحصار أكثر على غزة وأغلقت معبر كرم أبو سالم، وهو المعبر التجاري الرئيسي لغزة، ومنعت إدخال الوقود إلى القطاع، ما أدى إلى وقف عمل شركة الكهرباء الوحيدة في القطاع وتقليص ساعات وصول التيار للمواطنين إلى أربع ساعات يومياً وشلّ عمل قطاعات أخرى بينها البلديات وتوصيل المياه إلى الناس، كما أغلق بحر غزة أمام الصيادين.

تبع القرارات الإسرائيلية انسحاب الوفد الأمني المصري الذي زار غزة، منتصف الشهر الماضي، من المشهد، في 19 آب/ أغسطس، بعد تعثر تفاهمات احتواء التصعيد، وتولّي السفير القطري محمد العمادي الوساطة بين حماس وإسرائيل.

مع تزايد درجة القصف الإسرائيلي رداً على البالونات، وإجراءات تشديد الحصار، ردّت الفصائل المسلحة الفلسطينية بإطلاق قذائف صاروخية صوب المستوطنات، وأصدرت الغرفة المشتركة لفصائل المقاومة في غزة بياناً حذّرت فيه من تداعيات استمرار الحصار، وأكدت أنها سترد على أي قصف. جاء ذلك في وقت كانت رسائل التهديد تصل إلى الطرفين عبر الوسطاء.

لم يخلُ يوم من أيام التوتر الأخير الذي امتد لقرابة الشهر من تصريح شديد اللهجة من حماس والفصائل الأخرى، وهو ما أوحى للناس أن الأوضاع في غزة على بُعد عتبة واحدة من تصعيد عسكري كبير. عزز ذلك البيان الذي أصدره رئيس المكتب السياسي لحركة حماس إسماعيل هنية، منتصف ليلة 30 آب/ أغسطس الماضي، والذي أوضح سقف مطالب الحركة الذي على أساسه اتجهت للتصعيد.

قال هنية إن "قرار حماس وقرار الشعب الفلسطيني هو المضي في إنهاء هذا الحصار بمختلف أشكاله". وسبقت تصريح هنية مجموعة تصريحات من أعضاء في المكتب السياسي للحركة، كلها صبّت في السياق نفسه وأبرزها كان لعضو المكتب السياسي للحركة مشير المصري الذي قال إنه "في حال رفض الاحتلال رفع الحصار، فإن المستوطنين سيعيشون الحصار في الملاجئ".

خلو العرش

أظهر هذا التوتر ضيق خيارات حركة حماس في مواجهة الحصار الإسرائيلي، فهي من جهة تدرك أن الأزمات الإنسانية والمعيشية في غزة تتراكم بشكل مرعب من جراء الحصار، وأن التسكينات المؤقتة كالمنحة القطرية التي يصرف بموجبها 100 دولار شهرياً لأكثر من 100 ألف أسرة فقيرة والمشاريع الشبيهة ليست حلولاً يمكن البناء عليها لتحسين ظروف الحياة في القطاع بشكل مستدام.

ربما يصح إسقاط مفهوم الفيلسوف الإيطالي أنطونيو غرامشي على الفترة الراهنة الي تعيشها حركة حماس وغزة. يتحدث غرامشي عن فترة "خلو العرش"، أي الفترة التي لا تعود فيها خيارات العمل الممكنة مفيدة في الواقع

ومن جهة ثانية، أدركت حركة حماس أنه من غير الممكن انتزاع تحرك أو خطوات جادة من إسرائيل لتخفيف الحصار عن غزة، بالفعاليات الشعبية، فقد جرّبت الحركة مسيرات العودة وكسر الحصار التي انطلقت على الحدود عام 2018، وتوقّفت في نهاية العام الماضي، ولكن على مدار عامين من تنظيم مستمر للمسيرات، لم تحقق الحركة والفصائل أي مكسب حقيقي رغم التكلفة البشرية الضخمة التي دفعتها غزة.

بل على العكس، أفرزت مسيرات العودة وكسر الحصار حلقة من التفاهمات حُصرت فيها أفق وخيارات الحركة. فبالعودة إلى جميع التفاهمات التي أعقبت جولات التصعيد العسكري خلال المسيرات وبعدها، يمكن الملاحظة أنها اقتصرت على تحسينات معيشية مؤقتة، كالمنحة القطرية وبعض المشاريع، وهذه لا يمكن التعويل عليها في تحسين ظروف القطاع.

مؤخراً، بدا أن حماس تعيش مأزقاً حقيقاً على مستوى خططها في التعامل مع الحصار، وأن يدها فارغة من أي بدائل ممكنة.

وربما يصح إسقاط مفهوم الفيلسوف الإيطالي أنطونيو غرامشي على الفترة الراهنة الي تعيشها حركة حماس وغزة. يتحدث غرامشي عن فترة "خلو العرش"، أي الفترة التي لا تعود فيها خيارات العمل الممكنة مفيدة في الواقع الحالي، مع غياب البدائل الممكنة في الوقت نفسه.

في حالة "خلو العرش" هذه، قررت حركة حماس الدخول في التصعيد الأخير مع إسرائيل. وعلى إثر ذلك، حدث التوتر الأخير. فبحسب ما كشفه مصدر عسكري في الحركة لرصيف22، "قررت الحركة منذ بداية الشهر الماضي تصعيد التوتر مع الاحتلال، عبر تفعيل الأدوات الخشنة بداية، ثم ترك تحديد شكل العلاقة المقبلة مع الاحتلال، لمجريات الميدان".

ويقول المصدر إن "الحركة كانت مستعدة للدخول في تصعيد عسكري عنيف، في سبيل حلحلة ملف الحصار الإسرائيلي على غزة"، وإنه "كان من المتوقع أن تنزلق المجريات الميدانية إلى اشتباك مباشر بين جيش الاحتلال وفصائل المقاومة، على أمل أن يجري بعدها تفاهم تحت النار على الحصار".

وذكر أن الحركة كانت تراهن على استقرار وضع فيروس كورونا في غزة، مقابل الأزمة التي تعيشها إسرائيل، كورقة ضغط إضافية يمكن استغلالها لصالح غزة.

على مدى أسابيع التوتر، حافظت حركة حماس على خطاب ناري عن الأوضاع حمل مؤشرات لما يُمكن أن يُقبل عليه القطاع، قبل أن تتحول هذه النار إلى رماد وتعلن الحركة في بيان لها، منتصف ليلة 31 آب/ أغسطس الماضي، توصلها إلى اتفاق لاحتواء التصعيد برعاية قطرية، وعودة الأوضاع إلى ما كانت عليه قبل التوتر، مع مشاريع قطرية ستخفف من الحصار.

احتواء... وامتعاض شعبي وفصائلي 

قوبل بيان الحركة بامتعاض شعبي واسع بسبب تكلفة هذا التوتر، خصوصاً أنه تزامن مع بدء تفشي وباء كورونا في غزة وفرض حظر شامل للتجول في القطاع المحاصّر، والتوقعات التي عُقدت على خطاب الحركة. وعلى إثر ذلك، طرح الشارع مجموعة من التساؤلات، ربما أهمها: ما الغاية من التصعيد الأخير؟ وما المنجزات التي تحصّلت؟

مقارنة مع سقف الخطاب الذي حددته حركة حماس أثناء فترة التصعيد الأخير، لم يجرِ تحصيل شيء في الاتفاق الذي عقدته يمكنه حقيقةً تحسين الواقع الإنساني في غزة، بل هناك عودة إلى دائرة التسكينات المؤقتة نفسها

دفعت الموجة الشعبية الممتعضة من الاتفاق الحركة إلى توضيح بنود الاتفاق، عبر عضو مكتبها السياسي خليل الحية. قال في لقاء مع قناة الأقصى "إن المحرك الرئيسي الذي أربك حسابات الحركة كان تسجيل حالات صابة بفيروس كورونا في القطاع، وفرضيات تفشيه بشكل واسع، وفقدان السيطرة عليه".

وأوضح أن الاتفاق جرى على عدة بنود أهمها تجديد المنحة القطرية ورفع عدد الأسر المستفيدة من الـ100 دولار الشهرية بزيادة 70 ألف اسم من العمال المتضررين من أزمة كورونا، ما يعني صرف 100 دولار لـ170 ألف مستفيد شهرياً، بالإضافة إلى تشغيل 3500 موظف في وزارة الصحة والداخلية، عبر استيعاب 2500 ممَّن نجحوا في امتحانات قبل مدة قصيرة، ومبلغ مليون دولار للبلديات لمواجهة كورونا، ومليون لقطاع الجامعات لتغطية رسوم الطلبة، ومليون دولار لإعمار البيوت التي دمرتها إسرائيل، ومليون دولار لمشاريع صغيرة.

ومن البنود الأخرى رفع نسبة الراتب لموظفي غزة، الذين يتجاوز عددهم الـ44 ألف موظف، إلى 50% بدلاً من 40%، بحدد أدنى 1400 شيكل (قرابة 400 دولار) لشهر أيلول/ سبتمبر، وإعادة مجال الصيد إلى 15 ميلاً، والعمل على تحسين التغذية بالتيار الكهربائي.

مقارنة مع سقف الخطاب الذي حددته الحركة، لم يجر تحصيل شيء يمكنه حقيقة تحسين الواقع الإنساني في غزة، بل هناك عودة إلى دائرة التسكينات المؤقتة نفسها، على حد قول المراقبين.

المصدر العسكري نفسه كشف لرصيف22 أن الحركة تعرّضت لضغوط كبيرة من قبل الوسطاء، فـ"اضطرت إلى التنازل واحتواء التصعيد".

إلى جانب ذلك، ذكر مصدر في حركة الجهاد الإسلامي "أن هناك عدم رضى من جانب الحركة على الآلية التي جرى خلالها احتواء التصعيد".

المجازفة قبل الأخيرة

تشير المعطيات إلى أن هناك نقاشاً داخل حماس نفسها حول المنجزات التي جرى تحصيلها من جولة التوتر الأخيرة، لكن الواضح أن قرار الحركة باستخدام آخر ورقة قوة بيدها، وهي التصعيد العسكري، لا زال قائماً، وهو إلى حد ما الخيار الوحيد بيدها في المرحلة الراهنة.

فبحسب ما قاله الحية، "المقاومة كانت مستعدة للوصول إلى أبعد مدى، حتى دك تل أبيب بالصواريخ" وأمهلت الاحتلال "شهرين لتنفيذ التفاهمات".

أربكت أزمة تفشي فيروس كورونا في القطاع قرار حماس، لكن يمكن القول إن التصعيد الماضي كان "المجازفة قبل الأخيرة". الحركة قد تنفض يدها سريعاً من أي اعتبارات في حال تصاعد تفشي الوباء في القطاع وفقدان السيطرة عليه بحسب ما ذكره المصدر، وحينها، "ستجازف بالدخول في تصعيد عسكري مفتوح، عنوانه كسر حصار غزة".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard