"الأزمة الاقتصادية في غزة حوّلت قضاة عرفيين إلى مرتزقة"

الأحد 30 أغسطس 202005:00 م
في مجلس يسمى "قعدة عرب"، ومن خلف أباريق القهوة الموضوعة أمام الجالسين في الديوان، بدأ أبو محمد (40 عاماً)، يسرد شكواه للقاضي العرفي صاحب المجلس، أبي سليمان، اسم مستعار (64 عاماً)، تتمحور الشكوى حول امتلاك أبي محمد قطعة أرض تبلغ مساحتها 300 متر، في شمال مدينة غزة، وله جار لديه أملاك ملاصقة لهذه الأرض، وقد بدأت جذور المشكلة في اليوم الذي أراد أبو محمد فيه بناء أرضه ليسكن فيها، بعدما هدم الاحتلال بيته أثناء الحرب الأخيرة على قطاع غزة، فاعترض الجار صاحب الأملاك، بحجة أن الشارع الفاصل بين قطعة الأرض والأملاك لا يحق لأبي محمد الانتفاع منه، وهنا دبّ الخلاف.

وبعد تعنت الجار بفظاظة، لم يكن من خيار أمام أبي محمد وبعد أن أشار عليه المقربون، إلا أن يطنب (يطلبه للفصل في المشكلة) على القاضي أبي سليمان، لحل هذا الخلاف، خاصة وأن أبا محمد، بحسب زعمه، يملك أوراقاً ثبوتية تفيد أن الشارع هو منفعة لأرضه، وكان الحل الجلوس لدى قاض عرفي، أو هكذا اعتقد أبو محمد، كما يعتقد الكثيرون ممن يلجؤون للحل العشائري.

لكن الرياح لم تأت بما تشتهي السفن، فما إن وصل أبو محمد للمجلس حتى بدأت فصول المأساة في قضيته، بحسب روايته لرصيف22، وكأنه وقع في فخ، فلم يكن القاضي العرفي يمتلك تلك النزاهة المتوقعة كرجل إصلاح نظيف اليد، بل ما حدث هو أن القاضي أبا سليمان طلب من كلا المتخاصمين دفع مبلغ 300 دولار لقاء حل هذه المشكلة. وهنا يبدأ الخلل، إذ إن القاضي العرفي لا يحق له أن يتقاضى أي مقابل مادي جراء هذا التكليف، ولم تقف المهزلة هنا، بل قام الطرف المختصم لأبي محمد برشوة القاضي وكان الحكم لصالحه، إذ تم منعه من الانتفاع بالشارع لدخول أرضه، كما يقول أبو محمد.

"مع الظروف الاقتصادية الصعبة وتبدل النفسيات، أضحى هناك من يستغل القضاء كمهنة يسترزق بها، وبات الأمر "سبوبة" لجني المال"

والنتيجة أن أبا محمد لم يرض بهذا الحكم غير العادل، وعاد أدراجه إلى القضاء الرسمي عبر المحكمة.

يقول أبو محمد لرصيف22: "أنا صاحب مشكلة، لماذا عليّ أن أدفع مقابل أن يقوم قاض بحل مشكلة لدي فيها أوراق ثبوتية. في البداية طلب منا 300 دولار في الجلسة الأولى، وفي الجلسة الثانية أصبح لدى مستجدات للاعتراض على الحكم، وحينها أيضاً طلب مني القاضي أمام الشهود أن أدفع 50 دولاراً، وكأنه يزيد الطين بلّاً، فأنا أحتاج حلاً لا أن أدفع مزيداً من النقود".

هذا ويقوم بعض القضاة العرفيين بعد إصدار الحكم بطلب مزيد من النقود، إذا طلب منه أن يكون الحكم مكتوباً حتى يتم التوجه به إلى الدوائر الرسمية كنوع من إثبات الحق.

ويضيف بحسرة: "رغم كل ما سبق، جاء الحكم ضدي وتم منعي من استخدام الشارع للدخول إلى أرضي، ووقتها ضربت بهذا القرار عرض الحائط، وتوجهت إلى المحكمة النظامية للبت في مشكلتي، والتي تتطلب مني دفع مزيد من الرسوم للمحكمة، إنها كارثة".

وهكذا، فقد حول بعض القضاة العرفيين تكليف حل النزاع بين المتخاصمين إلى مهنة وسبوبة لاستغلال الضعفاء من المتخاصمين، ويأتي ذلك الاستغلال في ظل ظروف اقتصادية صعبة يعاني منها المواطن في قطاع غزة الذي يعتبر مجتمعاً قبلياً عشائرياً.

أنواع القضاء

يوجد في غزة نوعان من القضاء، الأول النظامي والآخر هو القضاء العرفي (العشائري)، والذي يلجأ إليه المتخاصمون هرباً من إجراءات المحكمة، وطول أمد التقاضي في القضايا.

وهنا يجد المواطن نفسه مرغماً على اللجوء للقضاء العرفي، والذي يمتاز بنزاهته وقدرته على حل الخلافات، خاصة الدماء، بعيداً عن أروقة المحاكم. ولكن لم يكن هكذا الحال مع جميع القضاة العرفيين، بحسب القاضي العرفي أبو هداف، يقول لرصيف22: "بدأ يتحول هذا القضاء على يد مجموعة من القضاة مؤخراً إلى مهنة أو "سبوبة"، والهدف مقابل مادي بغض النظر عن حالة ووضع المتخاصمين الذين أنهكتهم أصلاً تفاصيل القضية، في ظل ما يعاني قطاع غزة من ظروف اقتصادية خانقة".

ويعود تاريخ القضاء العرفي في غزة إلى فترة الحكم العثماني، حيث تركز القضاء العشائري في هذه المرحلة في منطقة بئر السبع بشكل خاص، نتيجة لوجود العشائر البدوية في هذه المنطقة، واعتمد القضاة في حل المنازعات المعروضة عليهم على الأعراف والتقاليد المتوارثة.

ولم تصدر الدولة العثمانية أي تشريعات لتنظيمه، ولكن كان هناك مجلس إدارة متخصص في النظر في النزاعات الواقعة ضمن منطقة بئر السبع، يتولى إدارته شيوخ عشائر بئر السبع.

"الزرقة استغلال لحاجة الناس"

تزايد استغلال بعض القضاة العرفيين للحاجة الملحة للمتخاصمين مؤخراً، الأمر الذي استفزّ أصحاب الحقوق حين تجاوز الأمر حدود المنطق، يقول أشرف أبو ختلة، مستشار شؤون العشائر في غزة، لرصيف22: "ما يحدث من بعض القضاة العرفيين دخيل على المجتمع الغزي، فالقضاء العرفي يجب عدم المس فيه وبأعرافه، حيث أن للقضاء العرفي نظاماً وسياسات وإجراءات معروفة، أما الرزقة فهي نوع من استغلال حاجة الناس الملحة للحل".

والرزقة عبارة عن مبلغ من المال يقدمه الطرفان عند القاضي العرفي، وبعد صدور الحكم تبقى رزقة المفلوج (المهزوم) وتعود رزقة الفالج، وبعض القضاة يقومون برد الرزقتين للطرفين بعد الحكم وانتهاء القضية، وهو العرف السائد لدى أغلب القضاة العرفيين في غزة.

"الأصل أن القاضي العرفي لا يستفيد ماديا من عمله".

ويضيف أبو ختلة: "لكن اليوم مع الظروف الاقتصادية الصعبة وتبدل النفسيات، أضحى هناك من يستغل الأمر كمهنة يسترزق بها، والأصل أن القاضي العرفي يفصل ويحكم بين الناس دون أن يستفيد منهم مادياً، لكن اليوم الوضع اختلف، وبما أنه في غزة الكل يبحث عن مخرج يحصل عبره على النقود، أصبح القضاء العرفي لدى بعض القضاة من النفوس الضعيفة سبوبة".

"طالبنا عبر المؤتمر الذي يعقد كل عامين مرة واحدة لشؤون العشائر بوقف هذا الأمر، ولكن للأسف لا جدوى، فلم يكن أمامنا سوى الإعلام لنشكو"، وفقاً لحديثه.

"لصوص وليسوا قضاة"

يشار إلى أن عدد القضاة العرفيين في غزة لا يتجاوز الـ 20 قاضياً، بحسب القاضي العرفي أبو هداف.

ويعرف القضاء العرفي في غزة بأنه وسيلة متعارف عليها للتحكيم بين الخصوم، وأحكامه لها قوة الإلزام الفاعلة. منظومة القضاء العرفي فعالة جداً ولا تبدأ جلساته أبداً بدون كفيل غارم، مقبول، حسن السمعة ومعروف بالصدق لكل من الطرفين المتنازعين، ولهيئة التحكيم من القضاة المعهود إليهم الحكم، أو الحصول على ضمانات مالية ملموسة، وأيضاً وعود شَرف تؤخذ من ألسنة كبار عائلات الأطراف المتنازعة، ويقال لمن وعد منهم "أعطى الرجل وجهه" أي أن كرامته وبياض وجهة مرتبطان بعدم إخلاله بوعوده لمجلس التحكيم.

"مؤخرا بسبب الظروف الاقتصادية يتقاضى بعض القضاة مقابل مادي، ويتعاملون بالرشوة، ويستغلون حاجة الناس، في مخالفة لعادات رجال القضاء العرفي، شوهو سمعة رجال الإصلاح والعرف العشائري"

وحول نزاهة عموم القضاء العرفي، يعلق القاضي أسامة أبو هداف، بالقول لرصيف22: "القضاء العرفي له قضاة عرفيون نزهاء، ولكن في الفترة الأخيرة دخل على القضاء العرفي أشخاص مرتزقة، اتخذوها كمهنة، فالأصل في القضاء العرفي ألا يتقاضى فيه القضاة أي مقابل مادي، لكن بعضاً منهم أصبحوا يستغلون الناس الغلابة، ويمتهنون الأمر لأخذ أموال الناس بدون وجه حق".

ويضيف أبو هداف: "منهم من يحصل على 200 دينار في أقل من ساعة نتيجة الإصلاح بين خصمين، وهو أمر مرفوض ومعاب، وأنا أطلق عليهم اسم لصوص، لأنهم للأسف شوهوا سمعة رجال الإصلاح والعرف العشائري، كون البعض منهم أيضاً يتعامل بالرشوة".

ويطالب أبو هداف وزارة الداخلية ووزارة الحكم المحلي في غزة أن تتابع هذا الموضوع، وأن يتم تقديم من يثبت اشتراكه في هكذا استغلال إلى النيابة العامة.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard