"كنت أتبوّل على نفسي"... أساليب التعذيب التي اتبعتها إيران على المحتجين

الخميس 3 سبتمبر 202002:49 م

"كان الألم مبرحاً. كان الضغط والألم في جسدي شديدين حتى أنني كنت أتبوّل على نفسي".

هذه كلمات وثّقتها منظمة العفو الدولية في تقريرٍ حديثٍ بعنوان "سحق الإنسانية: الاعتقالات الواسعة وحوادث الاختفاء والتعذيب منذ تظاهرات نوفمبر/تشرين الثاني 2019 في إيران" لمتظاهرٍ من طهران، إذ شنّت السلطات الإيرانية عقب قمع الاحتجاجات حملة واسعة أدّت إلى مقتل نحو 304 أشخاص من الرجال والنساء والأطفال جرّاء الاستخدام المتعمد للقوة المميتة، وإلى القبض على أكثر من سبعة آلاف، بما في ذلك أطفال لم تتجاوز أعمارهم عشر سنوات.

يأتي تقرير العفو الدولية الموثّق لانتهاكات شهدها المتظاهرون (خلال عمليات الاعتقال ولاحقاً خلال الحجز) بعد إجرائها مقابلات مع 66 شخصاً داخل إيران و10 خارجها بين 26 تشرين الثاني/نوفمبر 2019 و26 آب/أغسطس 2020، من بينهم 60 ضحية أو أقارب لضحايا، و14 مُطلعاً على الأحداث وآخرون كانوا شهوداً على انتهاكات لم يُقبض عليهم.

من الضحايا "محتجون أصيبوا بجروح، ومارة اعتقلوا من داخل المستشفيات، حين كانوا يحاولون الحصول على العناية الطبية بسبب الجروح التي أصيبوا بها جراء طلقات الرصاص، بالإضافة إلى مدافعين حقوقيين، ونشطاء في مجال حقوق الأقليات، وصحافيين، وأفراد حضروا مراسم إحياء ذكرى قتلى الاحتجاجات". 

وخلص التقرير إلى أن شرطة إيران واستخباراتها وقواها الأمنية، ومسؤولين في السجون ارتكبوا بالتواطؤ مع قضاة ومدعين عامين سلسلة من انتهاكات حقوق الإنسان التي وصفتها المنظمة بـ"المروعة"، وهي:

- الاحتجاز التعسفي

- الاختفاء القسري (الاحتجاز في أماكن غير معلنة تديرها أجهزة الأمن والاستخبارات، بما في ذلك وزارة الاستخبارات أو الحرس الثوري أو الثكنات العسكرية، أو في مرافق رياضية ومدارس)

- الضرب

- الجلد

- الصعق الكهربائي

- الأوضاع المجهدة

- الإعدامات الوهمية

- الإيهام بالغرق

- العنف الجنسي

- الإجبار على تناول مواد كيميائية

- الحرمان من العناية الطبية

- الخضوع لمحاكمات بتهم لا أساس لها تتعلق بالأمن القومي

- إصدار أحكام إعدام بناء على "اعترافات" انتُزِعت تحت وطأة التعذيب

"كان الألم مبرحاً. كان الضغط والألم في جسدي شديدين حتى أنني كنت أتبوّل على نفسي"... تقرير لمنظمة العفو الدولية يوثّق الأساليب التي اتبعتها شرطة إيران، واستخباراتها وقواها الأمنية في تعذيب المتظاهرين من خلال الإعدامات الوهمية، والعنف الجنسي، والإجبار على تناول مواد كيميائية

"تهم زائفة متعلقة بالأمن القومي"

ولفتت المنظمة في تقريرها إلى أن "أكثر من 500 محتج، منهم صحافيون ومدافعون عن حقوق الإنسان، خضعوا لإجراءات جنائية جائرة متعلقة بالاحتجاجات"، تراوحت أحكام السجن التي صدرت ضدهم بين شهر و10 سنوات بتهم ذات صياغات "فضفاضة ومبهمة"، أو تهم زائفة متعلقة بالأمن القومي، مستمدةً من "قانون العقوبات الإسلامي"، مثل: "التجمع والتواطؤ من أجل ارتكاب جرائم ضد الأمن القومي"، و"ترويج دعاية ضد النظام"، و"الإخلال بالنظام العام" و"إهانة المرشد الأعلى"، وهذا ما يتناقض مع التزام إيران القانون الدولي لحقوق الإنسان.

من المعتقلين، حُكِم على ثلاثة هم أمير حسين مرادي، ومحمد رجابي، وسعيد تمجيدي بالإعدام بعد إدانتهم بتهمة "محاربة الله" من خلال أعمال تخريب، وهناك شخص آخر، هو حسين ريحاني، ينتظر المحاكمة بتهمة تنطوي على عقوبة الإعدام. وأشارت المنظمة إلى أن أكثر من عشرة صدرت بحقهم عقوبات الجلد (طُبقت على اثنين).

وقالت المختصة في علم الاجتماع فايزة حسيني في تقرير سابق لرصيف22 إن رسالة النظام من سلسلة الإعدامات الأخيرة ضد المحتجين وصلت إلى الشعب وهي التحذير من أي تحرك جديد.

وذكر الضحايا، بحسب المنظمة، أن العذاب النفسي المتأتي عن انتزاع "اعترافات" قسرية تضمّن استخدام إهانات وألفاظ نابية مهينة للكرامة، وترهيب أفراد من أسرهم، وتهديدات بالاعتقال، أو التعذيب أو القتل أو إلحاق الضرر بأقربائهم، بما في ذلك الآباء المسنون أو الزوجات، والتهديد باغتصاب المحتجزين أو أخواتهم وزوجاتهم.

عنف جنسي أيضاً

وقالت منظمة العفو الدولية إن التعذيب استُخدم لـ"معاقبة المحتجزين وترهيبهم وإهانتهم، واستُخدم بشكل اعتيادي لانتزاع 'اعترافات' وتصريحات تجريمية، لا عن مشاركة الناس في الاحتجاجات فحسب، بل أيضاً عن علاقاتهم المزعومة مع جماعات المعارضة، والمدافعين عن حقوق الإنسان، ووسائل الإعلام خارج إيران، فضلاً عن الحكومات الأجنبية".

وذكرت أن الضحايا غالباً ما تعرضوا لتغطية رؤوسهم وعيونهم، وللكم، والركل، والجلد، والضرب بالعصي، والأنابيب المطاطية، والسكاكين، والهراوات وأسلاك الكهرباء، كما تم تعليقهم أو إجبارهم على البقاء في أوضاع مجهدة مؤلمة لمدد طويلة، وحرمانهم من الطعام الكافي والمياه الصالحة للشرب، ووضعهم في الحبس الانفرادي أسابيع أو حتى شهوراً، وحرمانهم من تلقي العناية الطبية بسبب الإصابات التي تعرضوا لها خلال الاحتجاجات أو نتيجة التعذيب.

وشملت أساليب التعذيب تجريد المحتجزين من ثيابهم، ورشهم بالماء البارد، وتعريضهم لدرجات حرارة مرتفعة و/أو تعريضهم (بما في ذلك أطفال) للأضواء الشديدة أو الأصوات الصاخبة، أو نزع أظافر الأيدي والأقدام، أو رشهم برذاذ الفلفل، أو إجبارهم على تناول مواد كيميائية، أو استخدام الصدمات الكهربائية، أو الإيهام بالغرق، أو عمليات الإعدام الوهمية.

ونقلت المنظمة عن "مصادر أولية" أن محققين ومسؤولين في السجون ارتكبوا عنفاً جنسياً ضد محتجزين ذكور، بعدما تولّوا تجريدهم من ملابسهم وإجبارهم على التعري، والتفتيش الجسدي الذي يهدف إلى الإذلال، والاعتداء الجنسي اللفظي المستمر، ورش رذاذ الفلفل على منطقة الأعضاء التناسلية، واستخدام الصدمات الكهربائية في الخصيتين.

"ارتكب محققون ومسؤولون في عدة سجون عنفاً جنسياً ضد محتجزين ذكور، بعدما تولّوا تجريدهم من ملابسهم وإجبارهم على التعري، والتفتيش الجسدي، ورش رذاذ الفلفل على منطقة الأعضاء التناسلية، واستخدام الصدمات الكهربائية في الخصيتين"

شهادات

- "كانوا يلجأون (المحققون) إلى غمس المنشفة بالماء ووضعها على وجهي. ثم يسكبون الماء ببطء على المنشفة، وهذا ما يجعلني أشعر بأنني أختنق. ثم يتوقفون. حين أشعر بتحسن يستأنفون تعذيبي بهذه الطريقة. كانوا يعمدون إلى لكمي، وركلي، وجلدي على أخمص قدمي بسلك". (ضحية من محافظة خرسان الرضوية)

- "كان أسوأ أنواع التعذيب هو الصعق بالصدمات الكهربائية... وكأن جسدي كله يُثقب بملايين الإبر. إذا رفضت الإجابة عن أسئلتهم، يعمدون إلى زيادة مستويات الفولت كي تصبح صدمات كهربائية أقوى. كنت ارتجف، وينتابني إحساس قوي بالحريق في جميع أنحاء جسدي....لقد ترك التعذيب آثاراً على صحتي النفسية والبدنية. لا أزال غير قادر على النوم ليلاً".

- "كان الألم مبرحاً. كان الضغط والألم في جسدي شديدين حتى أنني كنت أتبوّل على نفسي. عائلتي تعلم كل شيء عن تعذيبي، لكنها لا تعلم كيف عُذِّبت. أشعر بالاختناق من شدة البكاء لعدم وجود أحد هنا يمكن التحدث إليه". (معتقل من محافظة طهران تعرض للتعليق من يديه ورجليه في عمود، وكان المحققون يشيرون إليه بأنه 'كباب الدجاج')

"شملت أساليب التعذيب تجريد المحتجزين (في عدادهم أطفال) من ثيابهم، ورشهم بالماء البارد، وتعريضهم لدرجات حرارة مرتفعة أو للأضواء الشديدة أو للأصوات الصاخبة، أو لانتزاع أظافر الأيدي والأقدام، أو رشهم برذاذ الفلفل، أو إرغامهم على تناول مواد كيميائية"

عمليات قمع وحشية

في سياق متصل، قالت ديانا الطحاوي، نائبة مديرة المكتب الإقليمي للشرق الأوسط وشمال أفريقيا في منظمة العفو الدولية: "في الأيام التي أعقبت الاحتجاجات الواسعة النطاق، أثارت مقاطع الفيديو، التي أظهرت أفراد قوات الأمن الإيرانية وهم يقتلون ويُصيبون عن عمد المحتجين العُزل والمارة، صدمة في جميع أنحاء العالم. هناك أشكال مختلفة من التصرفات الوحشية التي تعرض لها المحتجزون وعائلاتهم على أيدي مسؤولين إيرانيين بعيداً عن أنظار الناس".

وأضافت: "بدلاً من التحقيق في هذه الادعاءات المتعلقة بالاختفاء القسري، والتعذيب، وغيرهما من ضروب المعاملة السيئة، وجرائم أخرى ضد المحتجزين، أصبح المدعون العامون الإيرانيون متواطئين في حملة القمع من خلال توجيه تهم المس بالأمن القومي إلى مئات الأشخاص لدى ممارسة حقوقهم في حرية التعبير، وتكوين الجمعيات أو الانضمام إليها، والتجمع السلمي، فيما أصدر القضاة أحكام الإدانة بناء على "اعترافات" انتُزِعت تحت وطأة التعذيب".

وأشارت إلى أن هذه السلسلة من الجرائم والانتهاكات المرتكبة في ظل الإفلات التام من العقاب، اقترنت بموجة من "الاعترافات" المتلفزة القسرية عبر مقاطع الفيديو الدعائية الخاصة بالدولة، وتصريحات بشعة صادرة عن كبار المسؤولين الذين امتدحوا العاملين في أجهزة الاستخبارات، وقوات الأمن باعتبارهم أبطالاً بسبب أدوارهم في عمليات القمع الوحشية.

ولم يخضع أي موظف عام للتحقيق أو المحاسبة لإصداره الأوامر بتنفيذ جرائم التعذيب والاختفاء القسري خلال التظاهرات وبعدها، أو لاشتراكه في الجرائم أو لموافقته على ارتكابها. كما رفضت السلطات الإيرانية الإعلان عن أي معلومة بشأن العدد النهائي للذين اعتُقلوا وعدد الأشخاص الذين لا يزالون رهن الحجز.

يُذكر أن منظمة العفو الدولية دعت مجدداً الدول الأعضاء في مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة إلى إجراء تحقيق تقوده الأمم المتحدة في الانتهاكات المرتكبة بهدف ضمان المساءلة وضمان عدم تكرار ارتكاب هذه الانتهاكات. كذلك دعت إلى الإفراج الفوري من دون شرط أو قيد عن جميع الذين سُجنوا "من دون سبب سوى ممارسته السلمية حقه في حرية التعبير وحرية تكوين الجمعيات أو الانضمام إليها وحرية التجمع السلمي في تظاهرات تشرين الثاني/نوفمبر 2019". 

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard