"أُفرج عني بشرط التجسس لمصلحة إيران"... مبرمج محترف يروي قصّته مع الحرس الثوري

الاثنين 24 أغسطس 202004:25 م

"إذا كنت ستقرأ شيئاً واحداً لي، فليكن هذا رجاءً... لا أعرف كم من الوقت أمامي قبل أن أقرر إنهاء حياتي لوقف تعذيب الآخرين"، بهذه الكلمات كشف المبرمج الإيراني الكندي بهداد إسفاهبود (39 عاماً) عن المعاناة التي يعيشها حالياً عقب اعتقاله عدة أيام في طهران مطلع هذا العام وإطلاق سراحه لاحقاً بشرط أن يعمل مخبراً لدى الحرس الثوري الإيراني.

أوضح إسفاهبود في مقال على موقع "ميديم" أنه دخل إيران في 7 كانون الثاني/ يناير بعد مرور بضعة أيام على اغتيال الجنرال قاسم سليماني بضربة أمريكية في مطار بغداد العراقي، في إجازة لمدة أسبوعين لزيارة العائلة، غير مدرك التبعات المحتملة لهذه الزيارة عليه وعلى المحيطين به.

استيقظ المبرمج، الذي عمل في غوغل قبل أن ينتقل إلى فيسبوك في شباط/ فبراير من العام الماضي، في اليوم التالي على خبر إسقاط فيلق الحرس الثوري الإسلامي طائرة ركاب أوكرانية ومقتل جميع ركابها الـ176 بـ"خطأ بشري" أثناء استهدافه بصواريخ قواعد عسكرية أمريكية.

في الـ15 من الشهر نفسه، أوقفه أربعة أشخاص يرتدون ثياباً مدنية في مدينة ساري (شمال جبال البرز)، ومعهم أمر اعتقال يتهمه بـ"ارتكاب أنشطة ضد أمن النظام الإسلامي، والتعاون مع كيانات معادية". شعر إسفاهبود بالخوف الشديد عندما رأى أن الجهة التي تطلب اعتقاله هي "جهاز استخبارات الحرس الثوري الإيراني" لسمعة الجهاز الذي وصفه بـ"قوة المخابرات القاتلة".

"ليس أمامي سوى محكمة الرأي العام"... مبرمج إيراني كندي في فيسبوك يروي تجربة اعتقاله في طهران وإطلاقه شريطة "التجسس" لمصلحة الحرس الثوري الإيراني على زملاء في الخارج. هكذا يجري تجنيد العقول الذكية؟

ذعر و"تعاون كامل"

في غضون دقائق معدودة، أدرك إسفاهبود أن المقاومة غير مجدية، وبدأ "التعاون بشكل كامل" مع آسريه الذين فحصوه جيداً داخل مقر الحرس الثوري، تحديداً في سجن إيفين السيىء السمعة في العاصمة طهران. وأُودع الحبس الانفرادي سبعة أيام كان يستجوب خلالها نحو ست ساعات يومياً وهو معصوب العينيين.

كان المحققون طوال هذه الفترة "لطفاء" على إثر التعاون التام الذي أبداه إسفاهبود. لكن هذا لم يمنع من إظهارهم ما ينتظره على "الجانب الآخر" إذا امتنع عن التعاون. لم يفتهم أيضاً دهم أجهزته الذكية وتنزيل جميع بياناته الخاصة على حساباته على غوغل وفيسبوك وتويتر وتيليغرام ولينكد إن (300 جيجا) بعدما منحهم "طوعاً" بيانات دخولها.

كان إسفاهبود ناشطاً في حراك "الحركة الخضراء" الشعبية الرافضة فوز الرئيس الإيراني الأسبق محمود أحمدي نجاد بفترة رئاسة ثانية في انتخابات الرئاسة عام 2009. وهو يرى أن صوره التي يظهر فيها مع قادة الجماعات المعارضة جعلته هدفاً للاعتقال. لكنه يعتقد أن الحرس كان على نحو خاص مهتماً بخبرته الطويلة في مجال البرمجيات وأراد الاستفادة منها.

في النهاية، أطلق سراحه بموجب "اتفاق تعاون" يقضي بأن "يُعلّق" الحر الثوري "قضيته" في القضاء إلى أجل غير مسمى، بين 10 و 20 عاماً ما دام مستمراً في "التعاون" عبر "إبلاغهم بأسماء الأشخاص الذين يهتمون بأمرهم في شبكة رفاقه" عقب مغادرته البلاد. قال إسفاهبود: "وافقت على هذه الصفقة تحت الإكراه لأنني كنت أعرف أنني بحاجة إلى الخروج من هذا البلد حياً لأتمكن من الحصول على فرصة للبقاء على قيد الحياة ورواية قصتي".

واستفاض في شرح الآثار المرضية البدنية والنفسية التي خلفتها تلك التجربة عليه، بعدما ظل عدة أشهر غير قادر على العمل أو مقابلة الأهل والأصدقاء، لافتاً إلى خضوعه لجلسات علاج نفسي وتناول عقاقير مهدئة كثيرة للتخفيف من حدة شعوره بالقلق. 

واستغرق الأمر منه أسابيع لاستعادة حساباته، التي عُطّلت بعد إخطار جهة عمله، فيسبوك، بما جرى. لكنه لم يبقَ قادراً على مواصلة عمله مع الشركة ثانيةً. وانتقل إلى الولايات المتحدة.

رفض التواصل

في 14 حزيران/ يونيو الماضي، حاول أفراد من الحرس الثوري التواصل مع إسفاهبود للمرة الأولى بعد خروجه من طهران. كان ذلك عبر انستغرام. لكنه تجاهل رسائلهم التي توالت عبر تطبيقات واتساب وسيغنال، فيما هو كان يخطط للتخلص من تلك الأزمة.

"صدقوني كي لا تموت رسالتي في الخفاء"... خسر المبرمج الإيراني عمله في فيسبوك بسبب معاناته النفسية وقلقه من انتقام وشيك من الحرس الثوري. جل ما يخشاه أن يتم إيذاء أفراد أسرته الموجودين داخل إيران لرفضه التجسس على رفاقه

لاحقاً، لجأوا إلى التواصل معه عبر شقيقته المقيمة في إيران حيث أبلغتهم أنها نقلت الرسالة إليه وأنها لا يمكنها التأثير عليه.

منذ ذلك الحين، راح يفكر في كيفية فضح ما فعلوه معه على أن يخرج بأقل الخسائر. رسم سيناريوهات عدة لإجراءات قد ينتهجونها مع نقضه الاتفاق الذي أبرمه معهم، منها ملاحقته قانونياً، أو التزام الصمت على أمل أن يصمت هو أيضاً عن تفاصيل الصفقة. في النهاية، أرسلوا إلى شقيقته طلباً رسمياً يأمره بالمثول لمزيد من الاستجواب في طهران في غضون خمسة أيام. وهذا ما دفعه إلى البوح بما جرى معه.

وهو اليوم يترقب بخوف شديد الخطوة التالية للحرس الثوري تجاهه، متسائلاً: "هل يمارسون الضغوط على عائلتي ويحاولون احتجازهم وتعذيبهم؟ هل يستخدمون بياناتي الخاصة على مدى 15 عاماً بعدما باتت لديهم، أو أي أسلوب آخر للضغط؟".

ويعرب عن قلقه حيال "الذي قد يفعلونه بأصدقائي وعائلتي"، والأمر الوحيد الذي يعيه جيداً هو أن أكبر مخاوفهم كان أن يسرع إلى فضحهم. وهذا ما حدث فعلاً.

ويضيف إسفاهبود: "لا أعرف كم من الوقت أمامي قبل أن أقرر إنهاء حياتي لوقف تعذيب الآخرين"، معرباً عن توقعه ردود فعل متباينة بشأن قصته تراوح بين التصديق والتشكيك.

وختم: "ليس لدي أي سبيل آخر سوى رفع قضيتي إلى محكمة الرأي العام (...) معظمكم يشككون في سلامة عقلي. وأنا أعلم ذلك. لكني لم أستطع التفكير بشكل أكثر وضوحاً. أنا على ثقة بأن هناك أناساً سيصدقونني حتى لا تموت رسالتي في الخفاء".

في إطار متصل، لفتت صحيفة "نيويورك تايمز" الأمريكية إلى اغتنام الحرس الثوري الفرصة لـ"ابتزاز" الرجل الذي كان "نجم التكنولوجيا في بلاده"، لافتةً إلى أن ما كشفه أخيراً أشعل "موجة من الغضب". ورأت الصحيفة الأمريكية في هذه القصة دليلاً على أن طهران تحاول "السيطرة على العقول الذكية وتوظيفها في مهمات استخباراتية" من خلال استهداف خبراء التكنولوجيا.

وبحسب موقع "إيران واير" المعارض، فإن الأجهزة الأمنية الإيرانية تحثّ المعتقلين الذين لديهم صلات أجنبية، سواء كانوا مزدوجي الجنسية أو حائزي إقامة في الخارج، على العمل جواسيس لمصلحتها.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard