دمشق 1924... البحث عن خليفة وأمير المؤمنين

السبت 12 سبتمبر 202012:53 م

بالرغم من مرور أكثر من سنة على سقوط مشروع داعش في المنطقة، ما زال الإعلام العربي حافلاً بأخبار خلاياه السرية والنائمة في كلّ من سورية والعراق ومصر وليبيا. قُتل أبو بكر البغدادي في خريف العام 2019، ولكن مشروعه بقي حاضراً لدى جيل كامل من المُتطرفين لأن أفكاره عابرة للزمان والمكان، لا يعنيها الأشخاص أو الظرف السياسي. وتفيد التقارير الإعلامية عن "عودة" داعش في كركوك وبادية الشام، مما يستوجب السؤال: هل قضينا فعلاً على تفكير داعش، أم على مجرد شخص ادعى أنه خليفة للمسلمين وأمير على المؤمنين؟

في صيف العام 1924، تداعى عدد من السوريين لتأسيس "جمعية الخلافة" في دمشق، هدفها البحث عن خليفة صالح للمسلمين بعد إلغاء كمال أتاتورك  لهذا المنصب في تركيا في شهر آذار من نفس العام. جاء في مقدمتهم مفتي الديار الشامية الشيخ عطا الله الكسم ورئيس مجلس الشورى بديع مؤيد العظم والأمير محمّد سعيد الجزائري، حفيد المجاهد عبد القادر الجزائري، وهو الذي حكم دمشق في الفترة الانتقالية ما بين خروج العثمانيين ودخول القوات العربية في نهاية الحرب العالمية الأولى. وضعوا شعاراً لجمعيتهم، مأخوذاً من عبارة حفرت على خاتم أول الخلفاء الراشدين، أبو بكر الصديق: " ونعم القادر الله". 

تأسست "جمعية الخلافة" في دمشق بهدف البحث عن خليفة صالح للمسلمين بعد إلغاء كمال أتاتورك لهذا المنصب في تركيا عام 1924، واتخذت شعارها من عبارة حفرت على خاتم أول الخلفاء الراشدين أبو بكر الصديق "ونعم القادر الله"

هذا التجربة المنسية بقيت يتيمة ولا تتعدى ترف المؤرخين حتى ظهور خليفة "مزوّر" في الموصل قبل سنوات، يُدعى "الخليفة ابراهيم،" المعروف شعبياً وإعلامياً بأبو بكر البغدادي. ولعلها تكتسب أهمية استثنائية اليوم في كلّ من سورية والعراق، وهي البلاد المدمرة التي عصف بها تنظيم داعش وما زال أهلها يلملمون جراحهم للتخلص من آثاره، وإجرامه في الموصل والرقة، وفي تكريت ودير الزور والبوكمال.

مدفوعين بتخوفهم من المجهول، ومعتبرين أن الخلافة الإسلامية كانت رمزاً لقوتهم ووحدتهم، ندد أعضاء "جمعية الخلافة" بأتاتورك وبعلمانية جمهوريته الوليدة. الجمعية السورية كانت مستوحاة من جمعية مماثلة ظهرت في الهند لنفس الغرض، وحصلت على دعم من المهاتما غاندي، وكان اثنان من القادة العرب قد تقدموا بترشيحهم للخلافة بدلاً من السلطان العثماني المخلوع وحيد الدين وشقيقه عبد المجيد (آخر الخلفاء)، هما ملك الحجاز الشريف حسين بن علي وملك مصر فؤاد الأول.

وفي تقارير القنصلية البريطانية من دمشق يومها نجد الكثير من الكلام عن هذا النتافس، إضافة لكتاب كامل عن حديث الخلافة يومها، وضعه الشيخ رشيد رضا، شيخ السلفيين وأحد المعارضين لتولي الشريف حسين لهذا المنصب، بسبب ارتباطاته بالإنكليز.

ندد أعضاء "جمعية الخلافة" بعلمانية جمهورية أتاتورك الناشئة، معتبرين أن الخلافة كانت رمزاً لقوة المسلمين ووحدتهم

قالوا إن خليفة العصر لا يجب أن لا يكون نسخة مكررة من خلفاء الماضي، فعليه أن يكون جامعياً مُثقفاً ومحيطاً بعلوم عصره كافة، أن يرتدي لباساً يتناسب مع العصر وليس عباءة الصحراء التي لبسها المسلمون الأوائل. حذّر السوريون يومها من خطورة شغور هذا المنصب الحساس، خوفاً من ذهابه لشخص مُدعٍ لا يصلح لأن يكون خليفة على المسلمين وأميراً للمؤمنين... وكأنهم يتنبؤون بظهور أبو بكر البغدادي في أحد مساجد الموصل بعد ثمانية عقود من هذا البحث في صيف العام 2014.

كانت الخلافة الإسلامية بحسب أعراف أهل السنة يجب أن تكون حكراً على سادة قريش، "ولو بقي منهم اثنان" ولدى المسلين الشيعة، حصراً لآل البيت. صحيح أن سلاطين بني عثمان كانوا لا يستوفون أياً من تلك الشروط ولكنهم شرّعوا أخذهم للخلافة بتبنيهم المذهب الحنفي الذي يجيز الخلافة خارج تلك الأُطر المتعارف عليها سنياً وشيعياً. وهذا ما أدركه أبو بكر البغدادي بعد سنوات طويلة، عندما قدّم نسبه على أنه قرشي منسوب لآل البيت ووقع بياناته باسم "أبو بكر البغدادي القرشي الحسني".

السلطات السورية في حينها أعطت موافقة للجمعية أن تبدأ عملها ضمن الشروط والقوانين الناظمة، وأن يكون بحثها عِلمياً  ومنهجياً، مفتوحاً على سائر البلدان وليس فقط على المدن السورية. أشهرت الجمعية في الجريدة الرسمية وحضر حفل التدشين، في قصر آل الجزائري في زقاق النقيب بحيّ العمارة، رئيس الدولة السورية في حينها، صبحي بركات وقاضي الحرمين الشريفين، الشيخ سُليمان الجوخدار.

كان على أي شخص يريد التقدم للمنصب الخلافة أن يحصل على خمس رسائل تزكية من عُلماء مجازين في الفقه الإسلامي، إما من الجامع الأموي أو من الأزهر، وأن يستوفي كافة شروط البيعة، نسباً وعِلماً ومقاماً. ولكن وبسبب تبني الأزهر لترشح الملك فؤاد، وضع ثقل الترشيح في جامع بني أمية بدمشق، الذي فتح سجلاته أمام الجمعية للتأكد من نسب المرشحين.

وقد بدأت عملية البحث ولكنها سرعان ما توقفت بعد عام واحد فقط بسبب اندلاع الثورة السورية الكبرى. في مطلع الثلاثينيات، حاول الأمير الجزائري طرح الفكرة مجدداً ولكنها لم تلقَ ذات الترحيب بسبب تنامي الفكر الجمهوري في سورية وسعي العديد من الزعماء التقليدين إلى الوصول إلى قصر المهاجرين عن طريق صناديق الاقتراع بدلاً من الشورى.

وحدهم الإخوان المسلمون تبنوها ودافعوا عنها بشراسة، متحدين النظام الجمهوري بكل ما فيه من أفكار غربية، مثل البرلمان المُنتخب والدستور وتداول السلطة. وقد ظلّت هذه التجربة الفريدة منسية حتى كتب عنها الأمير الجزائري في مذكراته المنشورة في الجزائر عام 1968. وقد تم إعادة طباعة الكتاب مؤخراً في دمشق عام 2015، من قبل مؤسسة الأمير عبد القادر الجزائري للثقافة والتراث، في ظلّ تنامي نفوذ داعش يومها في كلّ من سورية والعراق.

أبو بكر، الحقيقي والمزيّف

لا نعرف إن كان المخطط لأبو بكر البغدادي قد قرأ مذكرات الجزائري، ولكن من المؤكد أنه أدرك أهمية الخلافة في حياة المسلمين وفصّل نموذجاً مشوهاً منها، على قياسه. ففي إحدى خطابات الرئيس الأميركي جورج بوش الابن، ذُكرت الخلافة أكثر من خمس عشرة مرة وهو يُحضر جنوده للذهاب إلى أفغانستان، وقد قامت المؤسس العسكرية الأمريكية بشراء نسخ من فيلم "الرسالة" لعرضه على الجنود لفهم تاريخ الدين الإسلامي في زمن البعثة النبوية.

أدرك أبو بكر البغدادي أهمية الخلافة في حياة المسلمين، ففصل على مقاسه نموذجاً مشوهاً منها، واتخذ لقب أبو بكر ليرتبط ذكره بأول خليفة راشدي للرسول، أبو بكر الصديق

لم يختاروا اسم  "عمر" أو "عثمان" أو "علي" لخليفة داعش المزعوم، بل أصروا على "أبو بكر" نسبة لأبو بكر الصديق، أول من حمل لقب "خليفة رسول الله". وقد حاول كثير من المُعلقين الأجانب في حينها الربط بين أبو بكر "الحقيقي" وأبو بكر "المزيف" في مقالاتهم. حاولوا جاهدين الربط بينهما ولكن الفرق كان شاسعاً، مثل فارق الليل والنهار، والشمس والقمر. كان لا يشبه الصديق بشيء، إلا الاسم.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard