اتحاد فدرالي بلا ولايات... عن لامركزية لبنانية متخيَّلة

الثلاثاء 1 سبتمبر 202005:02 م

النظام السياسي في لبنان، كما يُدرَّس في مقرر التربية المدنية الرسمي، هو نظام برلماني جمهوري. على نحو شكلي هناك ما يثبت هذا القول.

يوجد رئيس في لبنان. صلاحياته غير واضحة للبنانيين، خاصةً بعد اتفاق الطائف، لكنهم يتفقون على أنه رئيس. كما اعتادوا أن يكون مسيحياً مارونياً. أحياناً يكون وصول الرئيس متوقعاً، وأحياناً يكون مفاجئاً، لكن اللبنانيين يعرفون في جميع الأحوال أنه ليس من اختيارهم، فهم لم ينتخبوه بأنفسهم في حياتهم.

من جهة ثانية، ليسوا متأكدين تماماً أن النواب أيضاً هم من اختيارهم. نسبة مشاركتهم في كثير من المناطق والمحافظات لا تتجاوز ثلث أعدادهم. صحيح أن هناك برلماناً في لبنان، لكن الانتخابات تحدث على أساس الطائفة والجندر والعائلة ومكان النفوس عند إحصاء الذكور في 1932، الإحصاء الذي رسّخ الانتساب إلى القرية وإلى العشيرة تبعاً لأماكن وجود الذكور وأنسابهم في ذلك الوقت.

لاحقاً، حدثت تغيّرات ديموغرافية، لكن الانتساب إلى أصل القبيلة في لحظة الإحصاء ما زال قائماً إلى درجة كبيرة. رغم مراسيم التجنيس "العابرة"، والتنقل الطفيف في مواقع النفوس هنا وهناك، إلا أن إحصاء 1932 ما زال هو المرجع الوحيد لتحديد العلاقة مع المكان ومع النفوس، وهو إحصاء أجري بطبيعة الحال على أساس الذكور الموجودين في ذلك الوقت.

اللبنانيون، بالمعنى العربي التقليدي، هم "أفخاذ" تعود أصولهم إلى الذكور الموجودين في لحظة الإحصاء. بلغة لبنانية، إذا كان والد جدك قد وُجد في الشمال أو الجنوب، عام 1932، ستبقى تنتخب ممثلين عنك في الشمال أنت وجميع أفراد عائلتك إلى الأبد، حتى ولو عشت خمسين عاماً في بيروت أو في أي مكان آخر، وأي محاولة لتغيير النفوس، غير مستحبة، وتُحسب محاولة لإحداث خلل في الديموغرافيا.

وبالنظر إلى توزيع الدوائر الانتخابية، وإلى طريقة تشكيل الحكومات بعد كل انتخابات، فإن هذا "النسل" كله ينتج ما ينتجه من دون تغيير حاسم في المشهد، بصورة "توافقية" منذ اتفاق الطائف وحتى اليوم. فقد خسر التحالف الذي يقوده حزب الله الانتخابات قبل دورتين، ورغم ذلك، لم يكن تشكيل حكومة من دونه ممكناً، تحت ذريعة تمثيله مع حركة أمل لطائفة بأسرها. وهكذا، يُفترض على الجميع التصديق أن الجماعة (الشيعية) كلها مع حزب الله وحركة أمل.

الأمر نفسه يحدث الآن. حاول حزب الله وحركة أمل نفسهما دفع سعد الحريري إلى قبول رئاسة الحكومة، وعندما رفض منحوه ما يفعله السلاطين: أن يعيّن والياً، أو شخصاً يسمّيه، أو يقبل به لرئاسة الحكومة.

وعلى الجميع التصديق أن هناك طائفة مقابل طائفة، وأنه كما تعود شؤون جميع الشيعة إلى حزب الله وحركة أمل، يجب أن تعود جميع شؤون السنّة إلى الحريري.

ثم يحتفل الجميع بالانتخابات، وبنتائجها، ولا تتغيّر طرق تشكيل الحكومات في لبنان، وتبقى النخبة الحاكمة على أحوالها.

لكن، ماذا لو كان الأمر لا يتعلق بالحديث نفسه عن النظام الطائفي، وكان هذا الحديث، نفسه، هو ذريعة لنفسه؟ ماذا لو كانت المشكلة فعلاً في أن البلد ليس اتحادياً، ومفكك بطبيعته وبتغطية تلقائية من نظامه السياسي؟

الفدرالية المتخيّلة

اقترح اتفاق الطائف، الذي أنهى تقاتل الميليشيات في الحرب الأهلية اللبنانية، من بين جملة اقتراحات، إلى جانب اللامركزية الإدارية، إنشاء مجلس للشيوخ، في ظل بقاء مجلس النواب. لكن البرلمان، بالصيغة التي اقترحها الطائف كان ليبقى موحداً، وليس على صورة البوندسرات، أو المجالس الاتحادية، كما في ألمانيا مثلاً، وبالتالي لن يصير مجلس الشيوخ مثل البوندستاغ. ما اقترحه الطائف، لم يكن فيدرالية.

في أي حال، ليست الفدرالية شبحاً كما يتخيّل كثيرون. وفي جميع الحالات، سيحتاج اللبنانيون في حال قرروا يوماً ما، أن يخرجوا من الحديث عن المأزق والبحث عن حلول، أن يقتنعوا بأن السكان هم السكان، وليسوا "أصحاب النفوس" وفقاً لإحصاء بدائي أجري عام 1932.

لاحقاً، وفي مجلس الولايات، يحدث كل شيء، ويمكن أن يلعب (المجلس لا الولايات منفصلة) دوراً رقابياً على الحكومة الاتحادية، لا أن يكون متمماً لها. هكذا، تدور السلطات بين الحكومة المركزية، وبين مجموعة أقاليم لديها سيادة. وهذا قائم في ألمانيا وفي سويسرا، أو في إسبانيا بالنظر إلى وضع كاتالونيا الخاص مثلاً.

يمكّن هذا النظام المواطنين من الحفاظ على علاقة مباشرة وواضحة مع ممثليهم السياسيين، خاصةً في القضايا الإدارية والمسائل التي يسمّيها اللبنانيون "معيشية"، مثل الخدمات العامة والبنى التحتية والتعليم والصحة والنقل والكهرباء والمياه، وغيرها من القضايا الحيوية.

بمراجعة الصيغة اللبنانية، وتصريحات السياسيين اللبنانيين، يبدو كل شيء قانونياً ومنطقياً، كما لو أن المشكلة لم تكن يوماً في الأشخاص، بل في النظام بحد ذاته، الذي ينتج هذه العلاقة الملتبسة بين اللبنانيين وممثليهم. وبينما لا يوجد في الواقع شيء اسمه قضايا "معيشية"، حيث أن الحقوق لا تجتزأ، والحق بالطعام والمأوى لا يلغيان الحق بالتعبير السياسي، يسمح النظام الحالي بالفصل بين نوعين من الحقوق، فيسمّي حزمة منها بالمعيشية، ويؤجل النقاش في الحقوق الأخرى بذريعة مركزية الدولة والقرار والأسطورة اللبنانية المسماة "حقوق الطوائف".

"يسمح النظام اللبناني الحالي بالفصل بين نوعين من الحقوق، فيسمّي حزمة منها بالمعيشية، ويؤجل النقاش في الحقوق الأخرى بذريعة مركزية الدولة والقرار والأسطورة اللبنانية المسماة ‘حقوق الطوائف’"

في كثير من بلدان العالم، وربما في غالبها، يُعتبر الحديث عن الفدرالية أمراً مشروعاً. هو جزء من نقاش عام عن الأنظمة السياسية. في لبنان ولأسباب ملتبسة، يُعَدّ الحديث عنها محاولة للعودة إلى الحرب الأهلية. ذلك أن الصورة التي يفترضها اللبنانيون عن الفدرالية هي التقسيم، كما عرفوا التقسيم في زمن الحرب.

الفدرالية ليست كما يتخيّلها البعض. ثمة توزيع منهجي للسُلطة بين الحكومة المركزية، وبين حكومات الولايات الاتحادية. يجب أن يكون واضحاً أنه، حتى كفرضية، وفي ظل هكذا نظام، ستبقى رزمة من المسائل الخلافية عالقة في لبنان، ولا سيما أن قضايا أساسية، مثل "الحرب والسِلم"، ومثل ترسيم الحدود، والاتفاقات الخارجية، وتحديد العدو من الصديق، والسلاح الشرعي، هي مسائل تعود إلى الحكومة المركزية. وهذه الخلافات أساسية في لبنان، في الوضع الحالي، إلى جانب الخلافات الأخرى حول القضايا الإدارية، التي تمنحها النخبة الحاكمة، على الدوام، شكلاً سياسياً.

اللامركزية وشروطها

المزج بين اللامركزية الإدارية والفدرالية ليس جديداً. وقد يكون مقصوداً غالباً، تماماً مثل مقاصد النخبة الحاكمة الحالية في لبنان، باختراع علاقة شائكة بين السياسة في ظل هيمنة "اللاسياسة" والإدارة في أوضاع غير إدارية.

في الواقع، الفدرالية تعني هامشاً أكبر من الحرية السياسية أيضاً للولايات الاتحادية، أو للأقاليم، وغالباً ما يشكّل هذا هاجساً لرافضيها في لبنان، إذ يفضلون بقاء الأمور على حالها. وربما يكون الإقليم الكردي في العراق مثالاً واضحاً على هذه المسألة، حيث أن مقارباته للمسائل السياسية في المنطقة، وتطور هذه المقاربات إلى علاقات، لم يمرّ بالحكومة المركزية في بغداد. وليس هذا نقاشاً في درجة التعقيد الاثنية أو الطائفية، بإجراء مقارنة بين لبنان والعراق.

غالباً، يرفض اللبنانيون الفدرالية لأنها ترتبط بالدعوات التي صدرت إليها خلال الحرب. وتالياً، ما يذكرونه عنها، يذكرونه على مقاس الحرب، وعن شكل التقسيم ونتائجه في ذلك الوقت. في موازاة ذلك، فإن أي حديث عن إصلاح يرفض اللامركزية بوصفها مسألة قانونية، لا تفترض تغييراً في الدستور، أو في توزيع السلطات، ليس سوى مماطلة تقف خلفها النخبة الحاكمة. ذلك أن الصلاحيات التي تُمنح لمجالس الأقضية، هي صلاحيات إدارية وليست سياسية.

"في كثير من بلدان العالم، يُعتبر الحديث عن الفدرالية أمراً مشروعاً. هو جزء من نقاش عام عن الأنظمة السياسية. في لبنان ولأسباب ملتبسة، يُعَدّ محاولة للعودة إلى الحرب الأهلية، ذلك أن الصورة التي يفترضها اللبنانيون عن الفدرالية هي التقسيم، كما عرفوه في زمن الحرب"

بما أن الفدرالية ليست خياراً محبباً للبنانيين، تبقى اللامركزية الإدارية مخرجاً ممكناً. بعد توسيع رقعتها، يمكن أن تكون نسخة على مقاس لبنان الذي يصعب أن يكون اتحادياً برأي كثيرين لضيق مساحته، وصعوبة تحديد أقاليم، طالما أن الأسس المحددة لحدود هذه الأقاليم ستخضع دائماً للنقد والاعتراض، بسبب التركيبة الطائفية للجماعات اللبنانية، وهي تركيبة لا يمكن تجاهلها بمجرد الشعور أو الرغبة بانتفائها.

بالتأكيد، الحل ليس في "حكومة سياسية من أوسع تمثيل". ذلك أن "أوسع تمثيل"، لا يعني تمثيل اللبنانيين، بل يعني أوسع تمثيل للنخبة الحاكمة منذ فترة طويلة. وهذا الحلّ ما انفك اللبنانيون يجرّبونه منذ سنوات ممثلي نظام البعث في لبنان، غازي كنعان وخلفه رستم غزالي، وقبل ذلك في الحكومات التي كانت تجمع كمال جنبلاط رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي المتحالف مع منظمة التحرير الفلسطينية، جنباً إلى جنب مع بيار الجميّل، رئيس حزب الكتائب اللبنانية اليميني.

في الفترة الأخيرة، صار يُقصد بمصطلح "أوسع تمثيل" أن تُخترع حقائب لاسترضاء شخصيات طائفية، نكاية بالأكثريات في طوائفها، على قاعدة التجاذبات القائمة بين مصالح النخبة الحاكمة، وليس مصالح اللبنانيين.

كذلك، فإن الحل ليس في حكومة تكنوقراط تكون مهمتها إدارة الانهيار وتنفيذ مصالح الطبقة المهيمنة. وقد لا يكون هناك مثال في العالم على فشل التجربة التكنوقراطية أوضح من حكومة حسان دياب الأخيرة. لن تهطل نِعم الله على لبنان في حال إلغاء الطائفية السياسية، أو تظهر الكفاءات الفذة في انتخابات نيابية مبكرة إذا أصبح الوطن كله دائرة انتخابية واحدة. ليس ذلك مجرد افتراض بهدف إيجاد ثقوب في الطرح العلماني الرومنسي، بل لأنه ليس ممكناً، بالنظر إلى تركيبة لبنان وإلى طبيعة المجتمع اللبناني.

هكذا، ربما تكون الطريقة الوحيدة للتخلص من هيمنة النخبة الحاكمة وفشلها، وتالياً تشبثها الغرائزي بالسُلطة، هي عبر توسيع مجالس الأقضية، على أمل التخلص تدريجياً من هيمنة "الأحزاب العميقة" التي لا تلتزم بمصالح المواطنين المباشرة.

بكلمات أخرى، في نظام لامركزي، لا يمكن تلطي سوء الإدارة خلف العناوين السياسية.

في مرحلة لاحقة، يمكن الحديث عن فصل السلطات، وتحرير القضاء من هيمنة مجموعة المصالح، المسماة في لبنان "سياسة".

في الوضع الحالي، وباستعراض "الهيئات الإدارية" تتضح درجة المركزية. المحافظ، مثلاً، ومن الناحية القانونية، يمتلك مهامَّ كثيرة. يمثل وزارات الدولة جميعها، باستثناء وزارتي الدفاع والعدل، لكنه لا يحظى بشخصية معنوية، وغير مستقل مالياً، وبالتالي، ليس مستقلاً من الناحية الإدارية أيضاً. كما أنه، وفي النظام الحالي، لا يُعيَّن على أساس الكفاءة، أو يُنتخب وفق آلية واضحة، بل تطغى الحسابات الطائفية على اختياره.

الأمر نفسه ينسحب على التنظيم الذي يتلو المحافظة في التنظيم الإداري، أي القضاء. من الناحية التطبيقية، وفي حال الذهاب إلى لامركزية حقيقية، تمهيداً لأي تغيير آخر لاحق، اتحادياً فدرالياً أو غيره، يمكن أن تتألف المجالس من هيئة عامة ومن مجلس إدارة، على أن تُنتخب الهيئة العامة بالاقتراع المباشر، من ضمن قرى المدن والقضاء التي تُمثَّل في الهيئة بحسب عدد سكانها. ويشبه هذا انتخاب الولايات الاتحادية في النظام الفدرالي، وأهم نتائجه المباشرة، استقلالية مجالس القضاء، وقدرتها على إنشاء وتطوير مرافق حيوية، من دون التذرع بالبيروقراطية وبشبح "الدولة"، كما يحدث في لبنان.

هناك مَن يقترح إنشاء "محطة كهرباء للمسيحيين في لبنان". وهذه ليست نكتة ترد في مسرحية من مسرحيات زياد الرحباني المتداولة بين اللبنانيين. هذه فكرة تخطر في بال كثيرين، ويسمح النظام السياسي العام في لبنان لهم في تردادها.

ومن شأن إنشاء مجالس أقضية، تعمل بطبيعية وبوجود هيئات رقابية، توفير جزء كبير من النزاعات والسمسرات، حول الكهرباء والطاقة ومعامل النفايات (غير الموجودة في لبنان)، وإقامة علاقة مباشرة بين المواطنين والجهات المسؤولة.

في أسوأ تقدير، على الأقل يمكن للامركزية الإدارية إيقاف مثل هذه النكات عن طائفة الكهرباء، طائفة الماء، وطائفة النفايات.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard