هل الصين هدف أمريكا الخفي من وراء اتفاق التطبيع بين إسرائيل والإمارات؟

الثلاثاء 1 سبتمبر 202005:46 م

في تحليل أسباب إبرام الإمارات وإسرائيل اتفاقية لتطبيع العلاقات بينهما، تبرز المصالح المشتركة التي دفعت البلدين إلى التقارب وعلى رأسها سعي أبوظبي وتل أبيب إلى العمل معاً لردع النفوذ الإيراني، وسعي أمريكا إلى جمعهما في محور يواجه طهران. لكن بعض التحليلات تشير إلى أن الولايات المتحدة لديها هدف آخر لا يقل أهمية: احتواء النفوذ الصيني في المنطقة.

في الأسبوع الماضي، أكد مصدران مطلعان أن أجندة زيارة وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو إلى منطقة الشرق الأوسط تضمنت مناقشة التحديات الأمنية التي تمثلها إيران والصين في المنطقة.

مواجهة "الحزام والطريق"

وفي تقرير نشرته جريدة "South China Morning Post " أشار الصحافي الباكستاني المختص بالشؤون الدولية توم حسين إلى أن الولايات المتحدة تريد الاستفادة من اتفاقية السلام بين إسرائيل والإمارات لتكثيف مقاومتها ضد إنشاء الصين مبادرة "الحزام والطريق" في الشرق الأوسط والقرن الإفريقي وشرق البحر المتوسط.

ويتضمّن الاتفاق الذي أعلن في 13 آب/ أغسطس خططاً لخلق تحالف أمني بحري، يهدف في المقام الأول إلى مواجهة التهديدات الإيرانية للملاحة التي تمر عبر مضيق هرمز عند مدخل الخليج الغني بالنفط والغاز، وعند مضيق باب المندب بين اليمن والقرن الإفريقي في الطريق من المحيط الهندي إلى قناة السويس.

هذان الممران إلى جانب مضيق ملقا، وهو شريط مائي بين شبه جزيرة ماليزيا وجزيرة سومطرة الإندونيسية، يشكلون الممرات البحرية الاستراتيجية الثلاثة الأكثر أهمية للمصالح الجيوسياسية الصينية.

وسبق أن وصفت بكين الوصول دون عوائق إلى هذه الممرات المائية الثلاثة بأنه "مسألة حياة أو موت" لاقتصادها.

ينقل التقرير المذكور عن الباحث في العلاقات بين روسيا والشرق الأوسط في جامعة أكسفورد صموئيل راماني أن "الصفقة الإسرائيلية الإماراتية تهدف جزئياً إلى إضفاء الطابع الرسمي على التعاون في مجال الأمن البحري ومكافحة التهديدات لطرق الإمداد الحيوية".

ويتوقع راماني أن تكون هناك تدريبات لوجستية في مجال الأمن البحري تجمع البلدين تحت إشراف الولايات المتحدة، بالإضافة إلى احتمالية خلق تحالف أمني بحري تقوده واشنطن ويجمع أبوظبي وتل أبيب، على غرار التحالف الذي شكّلته واشنطن ضد إيران في العام الماضي.

وقال راماني: "من السابق لأوانه أن نرى كيف سيحدث هذا، لكن هناك بالفعل مخاوف في بكين بشأن ما يعنيه هذا الاتفاق لمبادرة الحزام والطريق"، مشيراً إلى أن الصين تشتبه في أن "خيوطاً خفية" ربما تكون قد أُدخلت في الاتفاق من قبل جاريد كوشنر، كبير مستشاري الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، تضر بمصالحها.

من جانبها، قالت كيلسي برودريك، محللة شؤون الصين في مجموعة أوراسيا، وهي شركة استشارية للمخاطر الجيوسياسية مقرها نيويورك، وتصريحاتها ترد في التقرير نفسه: "قد يفهم جميع الأطراف أن الولايات المتحدة تعد بتعاون اقتصادي ثلاثي على حساب الصين"، ولكنها تعتبر أنه "من غير المحتمل أن تكون الولايات المتحدة قد طلبت من الإمارات أو إسرائيل قائمة إجراءات معادية للصين كبند من بنود الصفقة".

وقال راماني إن الاتفاق تأثر إلى حد كبير بوزير الخارجية مايك بومبيو الذي كثف منذ عام 2018 الضغط على حلفاء واشنطن في الشرق الأوسط للانحياز إلى واشنطن في مواجهتها الدبلوماسية والاقتصادية مع الصين.

وأضاف: "من المؤكد أن الولايات المتحدة تولي اهتماماً أكبر بالعلاقات الصينية الإماراتية أكثر من أي وقت مضى".

ولفت إلى أن وزارة الخارجية الأمريكية كانت "صريحة بشأن حاجة دول الخليج للاختيار بين الولايات المتحدة والصين".

من جانبها، أكدت الدكتورة نادية حلمي، خبيرة الشؤون السياسية الصينية والمحاضرة والباحثة في الشؤون الصينية وشؤون الشرق الأوسط في جامعة لوند السويدية وجامعة بني سويف المصرية أن المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية تشاو ليجيان رفض صراحةً الرد على سؤال طُرح عليه حول وجهة نظر الصين الرسمية تجاه التطبيع بين إسرائيل والإمارات، مع تأكيده بشكل عام على دعم بلاده الثابت لحق الفلسطينيين في تقرير المصير.

وأضافت لرصيف22: "من خلال متابعتي الدقيقة لردود الفعل الصينية، نجد أنها حذرة حتى الآن وتعكس التزامها بموازنة العلاقات المهمة مع جميع القوى الإقليمية الكبرى في المنطقة، وعلى رأسها إيران، حليفتها الإستراتيجية، وأيضاً إسرائيل التي تربطها علاقة قوية بها وتسعى للاستفادة منها في مجال التكنولوجيا المتقدمة ومن أجل مواءمة علاقاتها مع واشنطن، وأيضاً تركيا مع أهميتها لمحور الحزام والطريق الصيني".

تبرز المصالح المشتركة التي دفعت الإمارات وإسرائيل إلى التقارب وعلى رأسها سعي أبوظبي وتل أبيب إلى العمل معاً لردع النفوذ الإيراني. لكن بعض التحليلات تشير إلى أن الولايات المتحدة لديها هدف آخر لا يقل أهمية: احتواء النفوذ الصيني في المنطقة

وأضافت حلمي أن هناك حالة حذر لدى الصين بشأن تداعيات اتفاقيات التطبيع الإماراتي الإسرائيلي على مجمل علاقاتها مع دول المنطقة، خاصةً مع وجود تسريبات بأن الاتفاق الإسرائيلي الإماراتي يتضمن خططاً لتحالف أمني بحري واسع النطاق تقوده أمريكا، "العدو اللدود للصين".

وقالت حلمي: "لو صح هذا التحالف أو الحشد البحري الأمريكي-العربي-الإسرائيلي سيتم دعمه بالتأكيد من قبل دول الخليج العربي التي تعتبر إيران عامل التهديد الأول لها في المنطقة الآن، خاصةً مع تنامي التخوفات الخليجية من التأثيرات السلبية لوجود إيران وتأثيرها السلبي على أمن الخليج العربي وطرق الملاحة فيه".

وأضافت: "هذا هو ما ستحاول واشنطن استغلاله واللعب عليه وفقاً لمصالحها، لإضفاء الطابع الرسمي على التعاون مع الدول العربية وخاصةً الخليجية في مجال الأمن البحري، واللعب على وتر مكافحة التهديدات الإيرانية لطرق الإمداد الحيوية، وهو ما استغلّته واشنطن في العام الماضي أيضاً مع الهجمات الموجهة ضد خطوط أرامكو السعودية".

وقالت الأكاديمية المصرية إن التحالف الجديد سيؤدي إلى اختناق وشلّ حركة كل من الصين وإيران وتحركاتهما في عدد من المضائق البحرية الهامة، وعليه فإن الصين بالطبع قلقة من تداعيات الصفقة على التوازن العسكري ضد إيران.

وبالرغم من ترحيب الصين بالتنسيق الإسرائيلي الإماراتي ضد تركيا في شرق البحر الأبيض المتوسط، بحسب حلمي، إلا أن بكين غير متأكدة من تأثير اتفاق التطبيع على الاستقرار وانعكاساته المحتملة على المصالح الاقتصادية الصينية في الشرق الأوسط.

ولفتت حلمي إلى أن الصين قد تحشد حلفاً موازياً ضد واشنطن، والذي تتم ترجمته حاليا في "حالة التقارب الصيني-الإيراني-السوري-الحوثي مع تنظيم حزب الله اللبناني، مع دخول بكين وبقوة على خط دعم الاقتصاد اللبناني وإعادة إعمار بيروت بعد انفجار مرفأها"، وهذا ما يُشعر الولايات المتحدة وإسرائيل بقلق.

وذكرت حلمي أن" الجهود الصينية تفسر سر تهكم مايك بومبيو على أن الصين قد وضعت أموال الحزب الشيوعي الحاكم لديها في أيدى إيران وحلفائها في الشرق الأوسط، وبالأخص حزب الله والمتمردين الحوثيين في اليمن، و"هو أمر له مغزى عميق".

هل تتخلى الإمارات عن الصين؟

تُعَدّ الصين شريكاً تجارياً رئيسياً للإمارات إذ تنقل الموانئ الإماراتية حوالي 60% من جميع التجارة البحرية الصينية المتجهة غرباً، وتستحوذ الإمارات على 28% من تجارة الصين غير النفطية مع دول الشرق الأوسط.

وتعمل في الإمارات أكثر من أربعة آلاف شركة صينية و200 ألف مواطن صيني، لذلك يُطلق على دبي لقب "هونغ كونغ الشرق".

"الولايات المتحدة التي تعمل على سحب قواتها القتالية من الشرق الأوسط، تطالب إسرائيل والإمارات بثمن باهظ مقابل دعمهما ضد منافستيهما الإقليمتين، إيران وتركيا، وهو التنسيق معها ضد الصين"

يقع مقر معظم الشركات الصينية في المنطقة الحرة في "جبل علي" التي تديرها شركة موانئ دبي العالمية المملوكة لحكومة دبي، والتي تُعَدّ من أكبر مشغلي حركة السفن في شبه الجزيرة العربية وجنوب آسيا.

يعترف الإماراتيون صراحة بأن العلاقات المتنامية مع الصين تمثل مأزقاً لعلاقات أبوظبي مع الولايات المتحدة. وصرح وزير الدولة للشؤون الخارجية الإماراتي أنور قرقاش مؤخراً أن أستراليا والإمارات لديهما معضلة مشتركة وهي أن شريكهما الأمني الرئيسي هو الولايات المتحدة وشريكهما التجاري الرئيسي وهو الصين.

في السنوات الماضية، زادت حدة تباين المصالح في المنطقة بين الولايات المتحدة والإمارات إذ يؤكد التقرير أن أبوظبي نأت بنفسها عن سياسة واشنطن المتمثلة في "الضغط الأقصى" على إيران، لأنها تخشى أن تؤدي أي حرب في المنطقة إلى استهداف منشآتها لإنتاج النفط والموانئ والمناطق الحرة.

وتباين الدور الإماراتي عن الولايات المتحدة في سوريا، إذ عملت أبوظبي على إعادة دمشق إلى جامعة الدول العربية، وذلك لمواجهة التدخل العسكري التركي ولتقليل اعتماد الرئيس بشار الأسد الاقتصادي على إيران.

يقول مدير الأمن الأسترالي ومشروع النظام المستند إلى القواعد في معهد Lowy بن سكوت، في التقرير المذكور، أن أبوظبي بحاجة إلى إعادة التوافق مع اتجاهات السياسة الخارجية للولايات المتحدة، وأنه إذا كان الجمهوريون والديمقراطيون لا يتفقون على معظم قضايا السياسة الخارجية فإن موقفهم من الصين شبه موحد، مما يزيد من مشاكل الإمارات.

وفي مؤشر على احتمالية قبول أبوظبي بالابتعاد عن الصين بضغط أمريكي، بدأت إسرائيل بالفعل تعيد مراجعة علاقاتها مع الصين بعدما وصلت الاستثمارات الصينية إلى أرقام مضاعفة.

في أيار/ مايو الماضي حذّر بومبيو إسرائيل من أن واشنطن ستقلص تبادل المعلومات الاستخبارية معها إذا سمحت بمشاركة صينية واسعة النطاق في مشاريع البنية التحتية.

وبعد هذا التحذير بفترة وجيزة، بدأت إسرائيل في مراجعة أمنية موسعة للاستثمارات الصينية تحت ضغط من الولايات المتحدة إذ رفضت عرضاً صينياً لبناء محطة تحلية مياه بقيمة 1.5 مليار دولار.

ووافقت إسرائيل أيضاً على استبعاد المعدات الصينية من شبكات الإنترنت اللاسلكية "5G"، لكنها لا تزال تقاوم الضغوط الأمريكية لمنع مجموعة ميناء شنغهاي الدولي من تطوير ميناء حيفا، بموجب عقد إيجار مدته 25 عاماً وُقّع العام الماضي.

وفي تحرك أغضب إسرائيل، قادت الصين وروسيا مؤخراً معارضة قوية ضد محاولة الولايات المتحدة تمديد الحظر الذي يفرضه مجلس الأمن الدولي على مبيعات الأسلحة لإيران إلى أجل غير مسمى، والذي سينتهي في 18 تشرين الأول/ أكتوبر المقبل.

يكشف تقرير توم حسين أن الولايات المتحدة التي تعمل على سحب قواتها القتالية من الشرق الأوسط، تطالب إسرائيل والإمارات بثمن باهظ مقابل دعمهما ضد منافستيهما الإقليمتين، إيران وتركيا، وهو التنسيق معها ضد الصين.

ترى حلمي أن واشنطن قد تتخلى عن فكرة هذا التحالف تماماً إن فاز المرشح الديمقراطي جو بايدن الذي صرح قبل دخوله السباق الانتخابى برغبته فى تدشين علاقات جيدة مع بكين وهو ما تراهن عليه قيادات الحزب الشيوعي الحاكم في بكين.

وتشير إلى أن ترامب نفسه قد يتخلى عن فكرة حشد العرب والعالم ضد الصين، خاصةً مع تأكيد عدد من دوائر البيت الأبيض بأن عداءه للصين ربما كان ليس حقيقياً، بل بغرض الدعاية الانتخابية فقط، وربما لاستعطاف صوت الناخب الأمريكي للتصويت له في الاستحقاق الرئاسي المقبل.

وتلفت إلى أن الاتحاد الأوروبي ليس متشجعاً للدخول في حلف معادٍ للصين، فقد يدعم فعلياً المساعي الأمريكية للضغط على بكين فى بعض الملفات، ودفعها نحو مزيد من التعاون في ملفات سياسية واقتصادية عدة، ولكن بدون الانخراط في سياسة أحلاف.

وتقول التصريحات الأوروبية الرسمية، حتى الآن، إن بروكسل تفضّل لعب دور الوسيط من أجل إطلاق حوار إستراتيجى بين بكين وواشنطن، وهو ما يعزز فرضية رفض دخول صراعات بالنيابة أو الوكالة أو الأصالة عن واشنطن لزعزعة مصالح بكين.

تشير حلمي إلى أنه إذا كان هناك احتمال لتخلي الأوروبيين عن الصين بشكل نهائي فلن يكون ذلك في عهد دونالد ترامب الذي لم يقدم شيئاً لحلفائه الأوروبيين منذ وصوله إلى البيت الأبيض ورفعه شعار "أمريكا أولاً".

وبرأيها، على إسرائيل والإمارات أن يتعاملا بذكاء مع كل من الولايات المتحدة والصين، وعدم الدخول مع إحداهما في عداء علني.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard