“شغلانتك جابت لعيلتنا العار“... لماذا “يحتقر” البعض المهن الإبداعية في مصر؟

الاثنين 31 أغسطس 202005:59 م
تحتل بعض المهن مكانة مرموقة في المجتمع المصري، مثل الطب والهندسة والصيدلة، في المقابل هناك مهن أخرى تحظى بمكانة أقل كثيراً مما تستحق، يطلق عليها بعض المصريين "مهنة من لا مهنة له"، وهو مصطلح ابتدعه البعض للتقليل من شأن بعض المهن التي يرى أن ممارستها لا تحتاج مهارات أكاديمية، ويمكن لأي شخص القيام بها حتى لو لم يتلق أي قدر من التعليم.

بات هذا المصطلح آخذاً في التمدد، حتى طال مهناً تنبثق من مظلات أكاديمية كبرى، مثل التعليم، الصحافة والتصوير الذي أصبح مكوناً رئيسياً من أكاديميات الفنون حول العالم.

"التصوير ضغطة زر"

كانت سارة زكريا، مصورة من القاهرة (24 عاماً)، تحب التصوير وتمارسه كهواية وهي في المرحلة الجامعية، حتى دخلت سوق العمل، تقول لرصيف22: "هنا بدأ الكلام السلبي يحيطني من كافة الاتجاهات، أول مرة كانت أثناء تصويري لمطعم، بدأت أسمع كلمات مثل: هذا عمل سهل للغاية، على ماذا تتقاضون أجوراً؟! إنها مجرد ضغطة زر، رغم أنّني أتقاضى الحد الأدنى للأجور التي يتقاضاها المصورون، وفقاً لمعداتي البسيطة وخبرتي التي تتشكل والآخذة بالتطور".

"أثناء تصويري لمطعم، بدأت أسمع كلمات مثل: هذا عمل سهل للغاية، على ماذا تتقاضون أجوراً؟! إنها مجرد ضغطة زر"

لم تعد سارة تبالي بهذا الكلام السلبي، ولا يثنيها عن عملها الذي تحبه، ولكنه أصابها بنوع من العزلة والابتعاد عن الآخرين خوفاً من أن تسمع كلاماً سلبياً، وخلق لديها حالة من التأهب الدائم للرد على أحدهم إذا استهزأ بما تقوم به.

تتابع سارة حديثها لرصيف22: "حالياً أعمل في شركة خاصة، أقوم بتصوير منتجاتها لقسم الإعلانات، لكن الموظفين من الأقسام الأخرى لا يترددون بالحديث عن سهولة "تفاهة" ما أفعله، وأنهم يريدون كاميرا فقط ليضغطوا على الزر، ولا يتفهمون أن التصوير فن يمكن احترافه بالتعلم والممارسة، ولا أحد يعلم أنني أعمل بالساعات على برامج لإعداد الصور وإخراجها في أحسن وضع، ولأن هذه الممارسات يتعرض لها أيضاً زملائي من المصورين في مؤسسات مختلفة، لم أعد أبالي بما يقال، وأرد بحدّة لئلا يتكرر مثل هذا الكلام من أحدهم".

"يضايقني الجهل والسخرية"

يحكي محمد الكاشف (33 عاماً)، مصور حر من الفيوم، أن عمله "غير الرسمي" جلب له الكثير من المتاعب، خاصة وأنه لا ينتمي لمؤسسة يتقاضى منها راتباً شهرياً، ومع ذلك يرى الجميع أنه يتقاضى أموالاً طائلة مقابل مهنة لا يكد فيها ولا يتعب.

يتابع الكاشف في حديثه لرصيف22: "أضطر لممارسة مهن أخرى إلى جانب التصوير، لأنّ ما أتقاضاه لا يكفي للعيش، خاصة وقت الوباء الذي أنهى أي فرصة للعمل في التصوير أو غيره، لكن أكثر ما يؤرقني هو السخرية والجهل بفن التصوير، والذي يراه الناس عملاً لا يحتاج إلّا لإصبع يضغط على زر، وكما عوام الناس نجد مؤسسات الدولة التي تتعامل مع المصورين داخل الأماكن السياحية والأثرية كمشروع ربحي، يجب أن يدفع أموالاً طائلة ليلتقط صوراً من المفترض أنها ستصبح دعاية للمكان".

يرى الكاشف أن التصوير مهنة لا يحترمها الكثير من أصدقائه وأقاربه، وزاد ذلك بعدما اجتاحت الكاميرات عالمنا وأصبح الكل يحاول أن يصبح مصوراً، بدون النظر إلى فنيّات المهنة وتفاصيلها الصغيرة التي تميّز بين الفن والعشوائية.

"كتاباتك نغلف بها السندوتشات"

"مهنة الصحافة كانت حلم حياتي منذ نعومة أظافري، لكني أعتبر أن الوقت الذي دخلت فيه المهنة هو أكثر الأوقات خطأ في تاريخ الصحافة المصرية"، يقول مصطفى عبد الله، صحفي من القاهرة (27 عاماً).

يضيف عبد الله: "أشعر أنّ الصحفي في مصر فقد هيبته التاريخية، ولم يعد يمشي بيننا محمد حسنين هيكل أو مصطفى أمين، ولطالما نصحتني والدتي، التي تعمل أستاذة في كلية صيدلة جامعة القاهرة، أن أترك هذه المهنة التي جلبت العار للعائلة على حد قولها، حيث يعمل الوالدان في المجال الأكاديمي، وإخوتي الأربعة أطباء بشريون، وغالباً ما أتلقى منهم سخرية عن المهنة من قبيل: الجورنالجي، أو كتاباتك يغلف بها الباعة شطائر الفول".

وبرغم حبه للصحافة وولعه بالكتابة، لم يكن يتخيل عبدالله أنّ تكون مهنته التي كانت فيما سبق سلطة رابعة، موضع سخرية من العائلة أولاً، التي تخبره من آن لآخر أنّها صارت "مهنة من لا مهنة له".

"نصحتني والدتي، التي تعمل أستاذة في كلية صيدلة جامعة القاهرة، أن أترك الكتابة في الصحافة التي جلبت العار للعائلة على حد قولها، حيث يعمل الوالدان في المجال الأكاديمي، وإخوتي الأربعة أطباء بشريون، وغالباً ما أتلقى منهم سخرية"

ويتابع عبدالله لرصيف22: "أشعر أنّ وضع الصحافة المصرية الحرج في الآونة الأخيرة هو ما تسبب في هذه السخرية والنظرة الدونية للمهنة، وهم محقون في ذلك، فلم تعد المؤسسات الصحفية تختار من يمثلها، وحتى كليات الإعلام في مصر، لم تعلمنا شيئاً يذكر عن الصحافة. لم يعد أحد يلتزم بالقواعد المهنية الأساسية، التي يمكن أّن تميّز الصحفي وتخلق لنا أسماء لامعة في عالم الصحافة، على غرار ما كانت عليه الصحافة المصرية سابقاً".

في العام 2019 حلّت مصر في المركز 163 في مؤشر حرية الصحافة العالمي، وتفوقت عليها ليبيا والعراق الغارقتان في ويلات الحرب والإرهاب، ربما يخبرنا هذا التصنيف عن السبب في الوضع الحرج للمهنة، إذ إن الحرية والانفتاح أهم أدوات الصحفي، والتي تصنع واقعاً أفضل قائماً على رسالة توعوية وثقافية، وليست بوقاً في أيدي السلطات.

"بيجيبوا فلوس من الهوا"

محمد خضر (34 عاماً)، مخرج إبداعي في شركة للتسويق الرقمي بقطر، وهو مصري من محافظة المنوفية، يقول إنه ثمة ثقافة غير واقعية ولا حقيقية لكثير من المصريين مرتبطة بسوق العمل من الأساس، فعندما يسأل بعض الباحثين عن العمل هناك، عن تخصصاتهم يجيبون: "أنا ممكن أعمل أي حاجة، واشتغل أي حاجة".

وفيما يتعلق بالمهن الإبداعية، مثل تصميم الجرافيك التي لا تتطلب فقط مهارة واحترافية، ولكن لمسة إبداعية، يقول خضر لرصيف22: "لا بد لمصمم الجرافيك أن يمتلك رؤية إبداعية خاصة بالتصاميم"، ولاحظ خضر أنه مؤخراً بات يطلق على ممتهني هذه المهنة بأنهم "بيجيبوا فلوس من الهوا"، ودفع العديد من الشباب، خاصة الأجيال الأصغر سناً، لتعلم مهارات التصوير والجرافيك، ولكن المشكلة هو عدم تقدير الكثيرين لـ"اللمسات والرؤية الإبداعية"، وتعاملهم مع زملائهم المبدعين بأنهم "مجرد أشخاص محظوظة بتجيب فلوس من الهوا"، على الرغم من أنهم يحظون بتقدير مادي ومعنوي من رؤسائهم في المؤسسات التي يعملون بها.

"البداية كانت من احتقار دراسة الآداب والعلوم الاجتماعية".

يرى الباحث في علم النفس الاجتماعي، مراد عبدالعال، أنّ "النظرة الدونية التي يحملها الناس تجاه بعض المهن الفنية والأدبية، تنمّ عن الفقر النفسي والفني لبعض الناس في هذه المجتمعات، وأنّ هذه الرؤية القاصرة لها جذور تبدأ من احتقار دراسة الآداب والعلوم الاجتماعية، مقابل دراسة العلوم الطبيعية، فنرى الآباء يفضلون التحاق أبنائهم بالقسم العلمي ودراسة الطب أو الهندسة، ويبتدعون مصطلحات لا أصل لها، مثل كليات القمة وكليات الشعب، وهي دلالات نفسية تعكس ماهية الطبيعة الطبقية للمجتمع، الذي يحب أن يفصل أدق التفاصيل الحياتية لطبقتين متعارضتين، أحدهما تملك كل الامتيازات والأخرى مادة خصبة للسخرية".

وعن ترديد البعض لكلمات مثل "مهنة من لا مهنة له"، و"دول بيجيبوا الفلوس من الهوا"، دلالة على عدم بذل مجهود في العمل، يوضح عبد العال في حديث لرصيف22: "برزت هذه الكلمات في العقود الأخيرة من القرن العشرين، بعد انضمام طبقات عريضة من الشعب إلى "التعليم المجاني" كما نعرفه اليوم، وأرى أنّه مصطلح طبقي بامتياز، تمّ تمريره من الطبقات العليا وآمنت به الطبقات الدنيا، حتى يترسّخ في ذهنها أنها لا تستحق أفضل مما وصلت له، وهو ما انعكس في رؤية تلك الطبقة للكثير من المهن الإبداعية والأدبية".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard