مثليون يحبون الله ويشعرون بحبه... شهادات عن العلاقة بالدين من مجتمع الميم

الأحد 2 فبراير 202011:34 ص

الإيمان بالله والميول المثلية... عبارتان لا تنسجمان للوهلة الأولى، بسبب التحريم الصارم الذي تواجه به الأديان السماوية تلك الميول، إلا أن البحث المعمّق يقود إلى التشكيك بالأساس الديني لتلك التحريمات، وربطها أكثر بعادات اجتماعية لبست قناع الدين، أو برؤى دينية غير ثابتة.

لماذا حرّم الدين المثلية؟ أليس الله هو الخالق، وهو خلق الميول المثلية داخل البشر والحيوانات، فهل يخلق شيئاً ثم يجرمه، أم أن وراء التحريم أسباب اجتماعية وتاريخية؟ أليس الدين تجربة خاصة بين الإنسان والله في المقام الأول؟ لماذا لا ندع كل شخص يصنع تجربته الإيمانية بحرية ما دام هو من يُحاسَب عليها بمفرده؟

أسئلة واجهت العديد من الأشخاص الملتزمين دينياً عندما شعروا في الوقت ذاته بميول مثلية، ومن خلال شهادات بعضهم لرصيف22 يمكن تحديد مراحل صراعهم، بين ما تشرّبوه من معتقدات وما يشعرون به.

بدأ الأمر باستنكار حاد لتلك الميول، ثم تطور إلى مرحلة فرضت فيها الأخيرة نفسها رغم الشعور بالرفض الديني، وبعدها بدأت مرحلة البحث عن موقف ديني جديد غير السائد الرافض للأمر، لتتطور إلى تصالح بين الميول والدين أو أقله تقبل لها من دون تصالح يقيني، على أن يتم إرجاء الحكم.

في المقابل، كان هناك حالات قرّر أصحابها ترك الدين تماماً من أجل ميولهم.

"ليه يا رب خلقتني كده"

تقول آية (اسم مستعار)، وهي مثلية الجنس ومسلمة الدين، إنها اكتشفت ميولها في عمر السادسة عشر، وذلك عندما بدأت تحلم بعلاقات مثلية بشكل دائم. آنذاك، لم تتقبل تلك الميول، وكانت تصحو من النوم باكية وهي تدعو الله أن يُبعد عنها هذه الأحلام وأن يأخذ بيدها كي لا تقع في "المعصية".

"شعرت بميولي منذ الطفولة، واكتشفت طبيعتها عندما كبرت نسبياً، وحدث حين كنت في درس تحفيظ القرآن الكريم أن حكى لنا المُحفظ قصة قوم لوط، فأصابتني برعب شديد". 

من خلفية مسيحية كاثوليكية، يتحدث الناشط في الحراك الكويري ومثلي الجنس آندي، ويقول: "أنا لم أتقبل ميولي، بسبب ما تعلمته أن المثلية خطيئة، وأن الخطيئة تؤدي للهلاك، وكنت دائماً أخاطب الله قائلاً: ليه يا رب خلقتني كده؟".

من جهته، يقول الناشط في الحراك الكويري إستيفان، وهو مثلي الجنس ومسيحي إنجيلي، إن تجربته أخذت مساراً بعيداً عن الاستنكار لسببين: الأول دعم العديد من المحيطين به، والثاني طبيعة المذهب الإنجيلي التي لا ترى في المسيحية ديناً طقسياً أو قوانين للهلاك والنجاة، بل هي أقرب لعلاقة بين الإنسان والله.

"ده بسّط لي الدنيا في الآخر؛ فلو شايف إن الكتاب المقدس مش بيدعم حرية الميول المثلية فده مش الأساس، بل تجربتي مع الله في اكتشاف ما يريده مني"، يقول إستيفان.

جو التقبل الذي توفر لإستيفان هو الاستثناء قياساً إلى المجتمع المصري، فتجربة حسين (اسم مستعار) كمسلم شيعي مصري تشبه تجربة كثر.

يُخبر حسين: "شعرت بميولي منذ الطفولة، واكتشفت طبيعتها عندما كبرت نسبياً، وحدث حين كنت في درس تحفيظ القرآن الكريم أن حكى لنا المُحفظ قصة قوم لوط، فأصابتني برعب شديد، بسبب معرفتي أن ميولي هي معصية كبرى"، مردفاً "حاولت بعد ذلك كبت مشاعري ولم أفلح، ولذلك أخبرت والدي بأن يصطحبني إلى طبيب نفسي على أمل العلاج من ميولي".

"ليه ربنا يخلق حاجة بتهز عرشه"

للوهلة الأولى، وبحكم التنشئة الثقافية والاجتماعية في البيئات المحافظة تحديداً، يظن أغلب المثليين أن ميولهم مرض أو أمر غير طبيعي يجب علاجه؛ لذلك نادراً ما يجد من يكتشف ميوله أشخاصاً حوله يخبرونه أن العلاقات الغيرية ليست الأساس بل نمط شائع للسلوك الجنسي أصبح له السيادة لأسباب تاريخية وبيولوجية، وما شابه ذلك من حجج.

تقول أمل (اسم مستعار)، وهي مثلية الجنس ومسلمة الدين، عن ذلك: "ربنا عرفوه بالعقل وبعدين فيه حديث عن الرسول بيقول استفتي قلبك، وأنا قلبي وعقلي مش مصدقين إن المثلية حرام"، متسائلة: "أصل ليه ربنا هيخلق حاجه بتهز عرشه، إيه حكمته؟".

يتفق مصطفى (اسم مستعار)، وهو مثلي الجنس ومسلم الديانة، مع ما سبق فيرى أن المثلية ليست خياراً، بل هي شيء يولد مع الشخص، وبالتالي "عقلي بيقولي إن ربنا مش هيحاسب البشر على ذنب ملهمش يد فيه".

بحث حسين محاولاً إيجاد حل لهذا المأزق بين ميوله الجنسية وانتمائه العقائدي. وجد أن نص الحديث المنسوب لعلي بن أبي طالب يعود إلى زمن خلافة أبي بكر، وأساسه مشورة طلبها الأخير. هنا اعتبر أن "هذا تناقض"... شهادات عن العلاقة بالدين من مجتمع الميم

لم يستطع الشاب الشيعي أن يصل لتلك القناعة بمبدأ عقلي، ويقول إن شكوكاً انتابته بأن الله وضعه في اختبار أبدي، وأنه حكم عليه بدخول النار قبل خلقه.

يشرح علاقة ذلك بكونه شيعياً، فيقول: "للأسف في الفقه الشيعي حديث للإمام علي، مُلزم طبعاً بحكم ولايته - على العكس منها عند السنة - يقضي بقتل المثليين (الفاعل والمفعول به)"، ويعلّق: "كنت دايماً واقف قدام الصخرة دي".

بحث حسين محاولاً إيجاد حل لهذا المأزق بين ميوله الجنسية وانتمائه العقائدي. وجد أن نص الحديث المنسوب لعلي بن أبي طالب يعود إلى زمن خلافة أبي بكر، وأساسه مشورة طلبها الأخير. هنا اعتبر أن "هذا تناقض"، لأنه "حسب التيار الشيرازي الذي كنت أنتمي إليه وقتها، كان الإمام علي بعيداً عن دوائر الحكم". هكذا برر لنفسه ترك العمل بهذا النص لأنه برأيه، "مشكوك في صحته"، وبدأ "رحلة للبحث عن الموقف الديني الحقيقي".

من ناحيته، اختار الناشط آندي طريقين للتوافق مع ميوله، فتخصص في الطب النفسي ليقف بشكل علمي على حقيقة ميوله، ثم درس الدين حتى رُسم قسيساً، وخلال دراسته بدأ البحث عن موقف الكتاب المقدس من المثلية.

"العبور" الديني

داخل مجتمع الميم، فئة "الترانس" (العابرين جنسياً) وهم الأفراد الذين يشعرون بأن هويتهم الجنسية هي غير ما ولدوا بها، وهناك منهم من يُجري عملية العبور الجنسي، أو يظل على وضعه.

تقول سارة حسام، وهي عابرة جنسياً ومسلمة، لرصيف22 إنها عاشت في خوف من عقاب الله، لأنها خُلقت كذكر لكنها تشعر بأنها أنثى، فظنت أنها تعصي الله بشعورها ذلك.

في البداية، كان خيارها هو تجاهل هذا الصراع، حتى عرّفها أحد أصدقائها بصفحة "ميم مُسلم" التي تعمل على التوفيق بين الإسلام والمثلية، فكان في ذلك مساعدة لها.

بدورها، تحكي زينة (اسم مستعار)، وهي عابرة جنسياً ومسلمة، أنها تؤمن بعدل الله، لذلك "لن يحاسبني على ميولي التي لم أخترها".

تصالح مع الدين

يصعب تعميم مراحل العلاقة مع الدين على جميع المثليين؛ فهناك نسبة من المثليين لا تنشغل برأي الدين، بينما هناك المتشدد في تدينه.

يُخبر يوسف (اسم مستعار)، ثنائي الميول والملحد، أنه اكتشف ميوله بعدما أصبح ملحداً، لذلك لم تكن لديه مشكلة على الصعيد الديني مع تقبلها، لكن ذات مرة وخلال تعارفه على شخص مثلي مسلم، سأله الأخير عن دينه فأخبره بأنه ملحد، فرد المثلي المسلم بأنه لن يتعرف على مثليين أو ثنائيي الجنس غير مسلمين.

"لو كانوا مثليين جميعاً فلماذا لم يتركهم الله ينقرضون، كما أن الكتاب المقدس ذكر أن النساء ذهبن إلى بيت لوط لمشاهدة ضيوفه الرجال، أي أن ذنب قوم لوط لم يكن المثلية"... شهادات عن العلاقة بالدين من مجتمع الميم

تمثل قصة قوم لوط الشاهد الأهم في تحريم المثلية في الإسلام والمسيحية، وعنها يقول بودي، وهو مسلم ومثلي ناشط في الحراك الكويري: "مع النقاشات بدأت أتقبل نفسي، لأن دي طبيعتي، ربنا خلقني بها فكل ما ينتج عنها ناتج عن طبيعتي". أما عن تحريم المثلية فيقول بودي إن هناك تفسيرات عدة لقصة قوم لوط، كما أنه لم يذكر شيئاً عن المثليات.

يقدم الناشط آندي قراءة مختلفة لقصة لوط في الكتاب المقدس استناداً إلى دراسته الإكليريكية ويرى أن "سفر التكوين لم يذكر أن ذكور قوم لوط ضاجعوا بعضهم، بل ذكر في سفر حزقيال أنهم قطاع طرق".

ويعلّق: "لو كانوا مثليين جميعاً فلماذا لم يتركهم الله ينقرضون، كما أن الكتاب المقدس ذكر أن النساء ذهبن إلى بيت لوط لمشاهدة ضيوفه الرجال، أي أن ذنب قوم لوط لم يكن المثلية".

من جهته، يعزو مصطفى سبب هلاك قوم لوط إلى أنهم "لم يؤمنوا بالله، وليس لكونهم مثليين".

قراءات متنوعة بين الدين والمثلية

في معرض ربطه بين إنجيليته ومثليته، يقول إستيفان: "المسيح خاطب من يرون أنفسهم غير أصحاء، لذلك لم يرفض المثليين"، مضيفاً "أنا مدرك ومؤمن أن الله يحبني كما أنا، وأن المسيحية هي اكتشاف علاقتي مع الله، وحتى ذلك الوقت أشعر بحبه وأنا مثلي، الله يريد أشخاصاً حقيقين غير مزيفين في علاقتهم به، وهذا جعلني أفخر بحقيقتي المثلية".

"أنا مدرك ومؤمن أن الله يحبني كما أنا، وأن المسيحية هي اكتشاف علاقتي مع الله، وحتى ذلك الوقت أشعر بحبه وأنا مثلي، الله يريد أشخاصاً حقيقين غير مزيفين في علاقتهم به، وهذا جعلني أفخر بحقيقتي المثلية".

بخلاف التجربة الروحية الإيمانية لإستيفان، وجد آندي في دراسة الكتاب المقدس الخلاص؛ إذ يعتبر أن المثلية غير محرمة، وأن المسيح لم يقل شيئاً ضد المثلية.

ويلجأ آندي لدعم فكرته إلى ما ذكره "إنجيل متى"  عن أن "ليس الجميع يقبلون هذا الكلام، بل الذين أُعطى لهم. لأنه يوجد خصيان وُلدوا هكذا من بطون أمهاتهم. يوجد خصيان خصاهم الناس، ويوجد خصيان خَصوا أنفسهم لأجل ملكوت السماوات من استطاع أن يقبل فليقبل"، إنجيل متى (19: 12).

ويفسر آندي من قال عنهم المسيح بأنهم "خصيان وُلدوا هكذا" بأنهم المثليين لكونهم لا يتزوجون وينجبون، ويضيف بأن "علينا أن نقرأ الكتاب المقدس في ضوء الفهم التاريخي، وآليات الخطاب، وطبيعة المُخَاطبين".

ويشير إلى أن الكتاب المقدس ليس نصوصاً أخلاقية إلزامية، بل تجارب شخصية لكُتابه. "أنا في تصالح تام مع الله" هكذا ختم أندى حديثه.

كما فعل آندي، سعى حسين للبحث عن المثلية في مذهبه، ليرتاح إلى فكرة أن الروايات المنسوبة للأئمة ضد المثلية هي متروكة؛ لضعف السند أو شك في ثقة الرواة.

ويشرح أنه من خلال تأمله في فلسفة المذهب الشيعي وجد أنها تقوم على محور أساسي هو أن "عدالة الله مطلقة"، ووجد كذلك في بحثه أنه "لا يمكن أن يترك الأرض دون إمام، يهدي الناس بعد انقطاع النبوة، بجانب أن فهم الشريعة دائم التطور؛ لذلك لا بد من وجود إمام يعاصر هذا التطور ويرعاه، حتى تكون الأحكام صالحة لكل زمان".

ويضيف حسين بأن هناك ترجمة لتلك الفلسفة تجاه المثلية، فـ"الإمام الثامن علي الرضا الذي عاصر الخليفة المثلي الأمين وأخيه المأمون، وعاش في عصر اتسم بالتنوع الجنسي، وحضور ذلك في الأدب العربي، لم يتحدث عن قضية المثلية، ولا من تلاه بإنكار"، لذلك وجد حسين أن "الأحكام المرتبطة بالمثلية هي بنت بيئتها الاجتماعية لا الدين".

بالنسبة إلى المسلمين السنّة، يبقى الوصول إلى تصالح يقيني تام مع الله أمراً يصعب تحققه بسهولة للجميع، وذلك يعود، حسب متحدثين، إلى قصور في التناول المنهجي لمسألة المثلية في الفكر السني.

يرى مصطفى أن المثلية لو كانت ذنباً فباب التوبة مفتوح، لكنه يسأل في المقابل: "كيف يكون الحب حراماً؟"، معقّباً "أنا في تصالح تام مع الله، وما أهتم به هو القلب السليم والنية الصافية".

"مثلية ومسلمة ومحافظة على عباداتي"

تقول شيرين (اسم مستعار) إنها غير متأكدة من الموقف الديني من ميولها، لكنها في تصالح تام مع الله، وواثقة من غفرانه ورحمته. "أنا مسلمة متدينة وأحافظ على عباداتي"، تؤكد شيرين التي تعيش مع شريكة مثلية اتخذتها زوجة لها.

تحضر قصة قوم لوط ثانيةً مع المثليات، وترى آية أن المثليات لا يدخلن فيها؛ لذلك "لا تحريم يختص بهن"، حسب قولها.

"ده ساعدني أتقبل ميولي بطريقة أسهل"، على قول آية التي تلفت إلى أنها لم تعد تؤمن بصحة الدين بشكل قطعي وترتب على ذلك عدم الانشغال به، فلم يعد يؤثر على ميولها، لكنها بالمقابل ترى أن مثليتها لم تكن الدافع وراء ذلك، بل "تجربتها الفكرية الخالصة".

وبعد أن استنكر عقل زينة عدم رضى الدين عن المثلية، حافظت على علاقة قريبة مع الله، وتقول: "أنا مثلية ومسلمة ومحافظة على عباداتي، علاقتي بربنا معقدة وصعبة، لكن أنا متصالحة معاه".

عدم التصالح مع الله كان حال شاب مثلي، مسيحي أرثوذكسي، تم ترسميه كشماس في الكنيسة، ويرى أن الكتاب المقدس حرّم المثلية، وأن المثليين لن يدخلوا ملكوت السموات، ولذلك يقول: "لحد دلوقتي أنا مُتعب، ومش مبسوط، وغير متصالح مع ميولي بسبب كونها خطيئة".

تنوع التجارب الدينية للأفراد المثليين مع الله، يؤكد على أن الدين تجربة فردية، تتأثر بالنشأة الاجتماعية وبالمحيط الديني. فإذا كان أغلبنا يُولد وينشأ فتتشكل هويته الجنسية، وهويته الدينية دون إرادة تامة منه، يبقى السعي لأن يكون مستقبل هويته الجنسية والدينية نابعاً من إرادته الحرة، المُدعمة بالمعرفة، مطلوباً.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard