أنا وهوغيت وبيروت المنكوبة

الثلاثاء 1 سبتمبر 202011:03 ص

قبل ثمانية أيام من الفاجعة التي هزّت بيروت، كنت ذاهبة مع صديقتي المقرّبة في مشوار إلى مدينة جبيل ومناطقها المجاورة. ركبنا السيارة وانطلقنا من الجنوب نحو الشمال، مغتنمتين تلك الفرصة النادرة للتنزّه في زمن الكورونا والتباعد الاجتماعي. عندما اقتربنا من مدخل بيروت الجنوبي، غمرنا شعور غريب وقوي، فتوقفنا عن غنائنا وساد الصمت بيننا.

بيروت لم تكن تشبه نفسها وكانت آثار تلك التغيّرات ممزوجة مع سماء حزينة وأبنية مهمومة. كانت بيروت متعبة نتيجة أزمات متتالية، منها تدهوّر مالي واقتصادي وانقطاع الكهرباء عن أحيائها بشكل متواصل. شعرنا كما لو أن بيروتنا استسلمت. لم نكن نعرف وقتها أنّ هذا الشعور كان مجرد مقدّمة، وأنّ بيروت كان ينتظرها حزن أكبر، يتضاعف ويكبر ليصبح غماً يغرقنا جميعاً.

في طريقنا، استوقفني مشهد خارج عن المألوف لسيارة أجرة محمّلة بعدد هائل من البالونات الملونة المثقلة بانعدام وزنها. شعرت وكأنني أشاهد فيلم خيال علمي مؤقت بعنوان «بيروت المستقبل والماضي». ضحكت لغرابة المشهد ثم محوته من عقلي ولم أستذكره إلّا بعد ثمانية أيّام، حينما فجّر فساد الطبقة الحاكمة مرفأ بيروت ودمّرنا.

لقد غيّر الانفجار مفاهيم المكان والزمان لدى جميع اللبنانيين، فانقسم الوقت ما بين قبل 4 آب وبعده. أصبحنا نسترجع هذا اليوم المشؤوم في كل يوم من حقبة «ما بعد الانفجار». نشاهد إعادات للتفجير والدمار على جميع محطّات الإعلام مرفقة بأغاني مؤثرة تتوسل بيروت لكي تقوم من تحت الركام؛ نرى المدينة تتحطّم مرّة تلو الأخرى عبر فيديوهات تتداول على مواقع التواصل الاجتماعي لكنّنا لا نستطيع أن نشيح بنظرنا عن هذه المشاهد الصادمة وكأننا نحتاج لهذا الألم المتكرر كي نمضي قدماً.

بعد انفجار مرفأ بيروت بتنا نرى المدينة تتحطّم مرّة تلو الأخرى عبر إعادة مشاهد الفيديو الأليمة دون أن نشيح بنظرنا عن هذه المشاهد الصادمة، وكأننا نحتاج لهذا الألم المتكرر كي نمضي قدماً

نشيّع الضحايا الذين سقطوا إثر إهمال الدولة اللبنانية وننعي أحلامهم وأحلامنا التي اختفت بلحظة؛ نصلّي للضحايا الذين بقيت أشلائهم عالقة تحت الركام ونشعر بالذنب لأننا بقينا على قيد الحياة. علينا أن نحيي ذكرى ما حصل لكي نحاسب، ولكن بأي ثمن؟ أين يكمن هذا الوجع العميق وكيف يتجلى؟قد مضى أكثر من أسبوعين على الانفجار وما زلنا نبحث عن أجوبة عما حصل.

لم تكن لدينا رفاهية الحداد على عاصمتنا المنكوبة، بقيت الجروح مفتوحة تنزف وأصبحت الأيام بمثابة ليل طويل دون بداية أو نهاية. نعاني من أرق جماعي ينخر بالعظام ويبقينا يقظين حتى ولو طلبت أجسادنا وعقولنا الراحة. تارة نبكي على ما فقدناه قهراً وتارة نجد ملاذاً في أفلام ومسلسلات قد شاهدناها عشرات المرّات، ممتنين لقدرتنا على التنبؤ بنهايتها. في إحدى تلك الليالي المؤرقة، صادفت لوحات الفنانة اللبنانية هوغيت كالان واستوقفتني لوحة بعنوان “City II” (المدينة).  تحتوي اللوحة التجريدية على مستطيلات متداخلة من ألوان الأزرق والأبيض والرمادي، وكلما تأملتها وتمعّنت في تفاصيلها وجدتها تصويراً لبيروتنا المدمّرة اليوم.

تداخلات بيروت الحزينة

كلما أمعنت في لوحة "المدينة" التي رسمتها هوغيت كالان منذ 1968، شعرت أن ألوان اللوحة ومساحاتها الفارغة هي الزجاج المحطّم والمباني المهدمة والبيوت الوحيدة، وأن اللوحة هي بيروت وهاغيت وأنا وكل نساء بيروت المتألمات

رأيت في ألوان اللوحة ومساحاتها الفارغة الزجاج المحطّم والمباني المهدمة والبيوت الوحيدة. رأيت في قسوة الرمادي وحلوكة الأسود دخان الانفجار. رأيت في تدرجات اللون الأزرق بحر بيروت ودموعاً ذرفت على كل ما فقدناه. ورأيت في تداخل أشكالها تجسيداً لأحلامنا المشتتة والمعلّقة ما بين البقاء في بلد يقتلنا حكّامه والهجرة.

ابتسمت، تلك الابتسامة التي تتأرجح بين البكاء والاستسلام، حين تذكّرت أن تمثال المغترب اللبناني الذي يقع بالقرب من المرفأ، لم يتأثر بعد الانفجار. هل بقي صامداً ليذكرنا أنّ الغربة هي أملنا الوحيد؟ أم هل ظلّ واقفاً ليؤكد لنا أنّنا رهائن للمسافات والبحار والجغرافيا التي تبعدنا يوماً بعد يوم عن مستقبل أفضل؟

أكملت كالان اللوحة عام 1968، ربما بعد وقوع الغارة الإسرائيلية على مطار بيروت أو ربما لم تفكّر في هذا الحدث حينما بدأت في الرسم. كانت كالان معنية باستقلال وحرية الوطن، فقد كان والدها بشارة الخوري، رئيس لبنان الأول بعد الاستقلال. ورغم اهتمامها بسيادة البلد، هاجرت لتجد فرصة عمل خارجه كالكثير من شبابنا اليوم.

درست وتخرّجت في باريس ومن ثم استقرّت في لوس أنجلوس ولم تعد إلى لبنان إلّا في سنين حياتها الأخيرة. رسمت هذه اللوحة قبل رحيلها ببضع سنوات لكننّي أراها اليوم كمقدّمة لمشاعر الوحدة والألم الذي تتسّم بهما الهجرة بشكل جوهري.  حملت هوغيت وطنها معها أينما ذهبت، كأنه العبء الحتمي الذي يقع على كاهل كل من هاجر أو كأنه حبيب مفقود منذ زمن بعيد، نعبر البحار للوصول إليه ولكنّنا نقع ضحية أحلامنا في كلّ مرّة، فنغرق.

وطن قضينا حياتنا في البحث عنه

لا أعلم لماذا تلاقى مسارانا أنا وهوغيت، ربما كانت مجرد صدفة جميلة في وقت أليم. أو ربما كان التلاقي مقدراً حيث أنّني التمست نوعاً من الألفة وأنا أنظر إلى لوحتها تلك. هوغيت كالان المرأة ترسم المدينة من خلال منظورها الأنثوي، تملأ كل ضربة من ضربات ريشتها ببعد نسوي يشبه خياراتها الجريئة في اللبس والفن. هاغيت كالان المرأة ترسم المدينة عام 1968، لكنّها تشبه بيروتنا اليوم لأن هذا الوجع الذي نشعر به اليوم هو وجع أنثوي أيضاً: نبكي حينما نرى دموع أمهات فقدن أبنائهن ونبكي حين نسمع عن زوجات فقدن شركاء حياتهن ونبكي فرحاً وخوفاً حين نسمع عن نساء تلدن وسط غرف عمليات مدمّرة يتناثر فيها الزجاج ونبكي أملاً حين نرى ممرضات تحملن مواليد وتحضنهن حتّى تجد لهن مأوى.

نسمع كلمات نزار قباني تتردد في خلفية هذا الحزن الجماعي: «الآن عرفنا أن جذورك ضاربة فينا…». كلمات تعاد على كل شاشة إعلام وسط مشاهد لمدينة مدمّرة لكنّنا لم نعد نعرف أشكال تلك الجذور وقد أضعنا خرائط أجسادنا وبوصلاتنا الداخلية.

تعجز الكلمات عن وصف بيروت بعد الانفجار لكنّها تبدو كمدينة في أحد أفلام الخيال العلمي، ترسم مشهد ما بعد نهاية العالم؛ بيروت مجزّأة كالمستطيلات المتداخلة التي رسمتها هوغيت، ومعها تتجزأ مشاعرنا نحو الوطن. نقف اليوم على أعتاب أسئلة مهمّة وأساسيّة تشبه تلك التي واجهناها بعد الحرب الأهلية: كيف يتوجب علينا إعادة بناء مدينتنا بعد كل هذا الدمار؟ كيف نصحّح أخطائنا السابقة ونخلق مدينة متاحة للجميع تحافظ على تاريخها وتراثها؟ كيف نكرّم ذكرى 4 آب كي لا ننسى أن نحاسب؟ ماذا نخسر من أنفسنا كلما بدأنا مهمّة إعادة الإعمار؟ ما هي الحدود الوهمية والمادية التي نمحوها ونعيد رسمها عند كل محاولة؟ نعترف أمام كل من يسمعنا أنّنا تعبنا، وأنّنا نتجزأ أيضاً في بحر هذه التساؤلات تماماً كمدينة هوغيت التجريدية.

نعترف أمام كا من يسمعنا أننا تعبنا وأننا نتشظى في تساؤلاتنا عن مفهوم الوطن... وطن قضينا حياتنا في البحث عنه ليحضننا، نراه في كل شيء، نحمله معنا أينما ذهبنا ولو أثقل كاهلنا

أعود للوحة هوغيت كالان وأفكّر بالوطن، بكل ما يشير إليه من مفاهيم نظرية وحدود جغرافية لم نرسمها أو نخترها؛ وطن قضينا حياتنا في البحث عنه ليحضننا. نرى الوطن في كل شيء، مفكّكاً وملوّناً بالأزرق والأسود والرمادي، نحمل قضيته معنا أينما ذهبنا ولو أثقل كاهلنا. أعود للوحة هوغيت وأتذكّر سيارة الأجرة المحمّلة بالبالونات، هل كانت نبوءة عن الانفجار وكل ما سيخلّفه من شتات ذهني وفعلي؟ هل نحن عبارة عن تلك السيارة، حاملين على أكتافنا أجزاءً من الوطن والهوية أم هل نحن كالبالونات، مشتّتين ومتمسكين بالوطن كجزء من هويتنا كي لا نطير؟ هل هذا الوطن موجود حتّى، أم هل هو عبارة عن أفكار وأوهام وأحلام اختلقناها على شكل مشهد خارج عن المألوف في «فيلم أميركي طويل»؟

  أرسم شبكة من الخيوط الزمكانية بين ما «قبل 4 آب» وما «بعد 4 آب»، خيوط ترقص على لحن أغنية لفرقة أدونيس كنّا نستمع إليها أنا ورفيقتي في رحلتنا شمالاً. أتذكّر بعض كلماتها: «يبقى عنّا القوّة نشوف بالخربة قصور، وعنّا/ طرقات وسطوح بتسوا مملكة، وكأنّا/ محصّنة وما بيقدر يخرق ميّة جيش حيطانا»... وأتحسّر على كل شيء ضاع.

الصورة الرئيسية للمقال لوحة هوغيت كالان "المدينة II" بالألوان الزيتية على كانفاس 80*100 Cm، من مقتنيات مؤسسة بارجيل للفنون، الشارقة

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard