"كان بيهددني لوّ قولت لحد هيموتني"... فتيات يتحدثن ما بعد اعتداءات جنسية أسرية

الأربعاء 26 أغسطس 202011:19 ص

تتعرّض الفتيات في مصر لأشكال عديدة من الاعتداء الجنسي، لكن أحد أشكال الاعتداء الذي يتعرضن له وأبشعها، هو الاعتداء الجنسي من قبل أحد أفراد الأسرة، التي من المفترض أن تكون ملاذهن ضد أي نوع من أنواع الشرور الخارجية، فتخيل أن يكون مصدر أمانك هو نفسه سبب شقائك ومعاناتك في هذه الحياة.

تتشابه شهادات الفتيات المتعرضات للاعتداء الجنسي أسرياً، لكن ما يميز قصة كل واحدة منهن هو طريقة تعاملها ما بعد الصدمة، وصولاً للتعافي، أو على الأقل "التجاوز"، فتأثير الاعتداء الجنسي يختلف من فتاة لأخرى، حسب عوامل عديدة، نفسية واجتماعية، وبالتأكيد تتأثر بوجود الدعم أو انعدامه، خاصة في بيئةٍ تواصل لوم الضحايا.

تعرضت ولاء (اسم مستعار) 23 عاماً، للتحرش في سن الرابعة عشر على يد خالها، تقول ولاء في حديث لرصيف22 موضحة مدى شعورها بعدم الأمان جراء ما تعرضت له في طفولتها: "أول مرة تعرّضت للتحرش اللفظي، قعدت أعيط في الشارع، واتصلت ببابا يجي ياخدني". هذا نتيجة ما تتركه هذه التجربة من شعور بعدم الثقة في النفس وفي الآخرين، وفقدان الأمان التام في المواقف المشابهة.

"كنت بخاف من الشارع، وإني في مرحلة بكبر فيها، وأبتدي أشوف النظرات اللي بالنسبة لي كانت غريبة، لأني من كام سنة بس كنت طفلة"، قالت ولاء، وتابعت كلامها: "لما كبرت مابقتش بعرف أثق في الرجالة، أي مجال بيضطرني أتعامل مع راجل، بحس بعدم الارتياح. مابقدرش أثق في حد، ودايماً عندي شكوك تجاه الراجل اللي بتعامل معاه".

تتحدث ولاء عن شعورها تجاه المعتدي ما بعد التعافي: "دلوقتي لما بشوفه أو بفتكر اللي حصل، بتوتر وبتضايق، بس بعرف أبعد نفسي عن الشعور دا، ما هو مش علشان شخص وسخ زيه هعيش طول عمري بعاني".

"بنخاف نتكلم لأننا احنا اللي هنتلام"

تتشابه قصة علا (اسم مستعار) 40 عاماً، مع ولاء، حيث تم التحرش بها في طفولتها من قبل خالها: "كان بيتخانق مع أمي دايماً علشان لبسي، ودايماً يقول لها ماتخليهاش تلبس ملابس ملفتة، وهو أصلاً بيتحرش بيا"، قالت علا ووصفت معاناتها نفسياً فيما بعد قائلة: "كنت بعاني من بانيك أتاك (نوبات هلع)، وماكنتش عارفة ليه مش بحب أنام أو أقعد في مكان لوحدي، وكنت بشوف خيالات حواليا، عرفت السبب بعدين لما رحت لدكتور نفسي، واتضح لي إن سبب كل دا هو التحرش اللي تعرضت له، وكانت ذكراه في اللاوعي عندي، وعقلي بيرفض الاعتراف بيه".

تابعت علا حديثها لرصيف22: "إحنا اتربينا على إن إحنا السبب، فكنا دايماً بنخاف نتكلم علشان طبعاً إحنا اللي هنتلام في الآخر". الكثير من الفتيات اللاتي تعرضن للاعتداء الجنسي داخل الأسرة تم تكذيبهن، أو اتهامهن بأنهن مصابات بالجنون، في حين يظل المعتدي الحقير يتلقى كل أنواع التشجيع الضمني على التمادي في فعلته، وأولها بالسماح له بالتحكم في طريقة حياتها وملابسها، والتي يمنحها المجتمع له، للأسف، بحكم درجة القرابة، مروراً بتكذيب ضحيته إذا قررت التصريح بما حدث لها.

توضح علا معاناتها بسبب ما تعرضت له من اعتداء قائلة: "مش عارفة أثق في حد، ودخلت في علاقات كتير وفشلت بسبب تأثري باللي حصل لي، عندي أربعين سنة ولسة ما اتجوزتش ولا خلفت، لكن بقيت أقوى، وبقيت أحاول أساعد بنات العيلة وأوعيهم وأتكلم معاهم، وقدرت أتخطى كتير من الأذى اللي حصل لي، لكن مش بطريقة تسمح لي أمارس حياتي بشكل طبيعي تماماً".

تتعرّض الفتيات لأشكال عديدة من الاعتداء الجنسي، لكن أحدها وأبشعها، هو الاعتداء الجنسي من قبل أحد أفراد الأسرة، التي من المفترض أن تكون ملاذهن ضد أي نوع من أنواع الشرور الخارجية، فتخيل أن يكون مصدر أمانك هو نفسه سبب شقائك ومعاناتك في هذه الحياة

"هذا لا يحدث في بيتنا"

تعلّق الطبيبة النفسية ماجدة عدلي، في حديث لها مع رصيف 22: "لا نستطع أن نقول إن المعتدي هو مريض نفسي، في الحقيقة هو شخص عنيف يمارس العنف تجاه أقرب الناس إليه"، وتتابع: "النسبة الأكبر من الناجيات اللاتي تواصلن معي، فعلن ذلك وهن في سن أكبر، لأنهن في الطفولة لم يستطعن الشكوى لأحد غالباً، وعندما كبرن قليلاً ربما حكين للأم فتعرضن للضرب، أو تم تكذيبهن. هذا يرجع إلى أن الأهالي يتخيلون أن هذا لا يحدث في العموم، وإن حدث، فإنه بالطبع لن يحدث في بيتنا".

وتضيف عدلي: "في حالات كثيرة بدأ الاعتداء في سن ست سنوات، من داخل الأسرة الضيقة. تظن حينها الضحية أن (الأب، الأخ، الخال...) يلعب معها فقط، ولا تكون مدركة أن هذا فعلاً خاطئاً"، وتتابع الطبيبة ماجدة وصف المراحل التي تمر بها الناجيات/الضحايا من الاعتداء: "عندما تكبر الفتاة أكثر، تبدأ عندها مرحلة أعلى من الارتباك والشك، تسأل نفسها: طالما أنه شيء عادي، فلماذا يطلب مني ألا أخبر أحداً؟ وتظل هذه الحيرة موجودة، إلى أن تجتاز الفتاة مرحلة الطفولة وتبدأ مرحلة الإدراك".

وتواصل: "هنا تدخل الفتاة في مشكلة نفسية صعبة للغاية، لأن من المفترض أن المعتدي هو شخص تحبه، لكنه هو من قام بأذيتها، وتكون الفتاة حينها في حالة تشتت في المشاعر. الأذى المسكوت عنه هو أبشع أنواع الأذى".

وتذكر الطبيبة ماجدة عدلي بعض الأسباب التي تمنع الضحية عن الكلام: "في بعض الحالات النادرة تقوم الضحية بمقاضاة المعتدي، وفي حالات أخرى تلجأ الفتيات للصمت اضطراراً، خوفاً من الفضيحة والوصمة، أو لأن المعتدي هو من يعول الأسرة". توضح الطبيبة ذلك قائلة: "هناك أب كان يتحرش ببناته الثلاثة، والأم كانت تلاحظ هذا دون تدخل، لأن الزوج هو مصدر الدخل الوحيد للأسرة".

"هي السبب"

تضيف عدلي: "أتذكر مبرراً في غاية الغرابة، قاله أب معتدي تم مواجهته: ما هي بتطلع من الحمام لابسة البرنص، ما أنا برضو قدامي شابة يعني".

وتتابع: "وهذه في الحقيقة من أغرب الشهادات التي قابلتني، لأنه غالباً ما ينكر المعتدون قيامهم بهذه الجريمة، بمبرر أن الفتاة لم تفهم ما حدث بشكل صحيح، أو أنها مجرد مداعبات، إنما يقول أه، ويحمّل البنت المسؤولية، ويتهمها إنها في بيتها طالعة من الحمام لابسة البرنص؟ فدي كانت حاجة صادمة في الحقيقة". هذا يرجع لشعور المعتدي بالاستحقاق، وهذه أحد أهم الأسباب التي تدفع الفتيات للصمت عما يتعرضن له من اعتداء داخل أسرهن.

مبرر هذا المعتدي يوضح وبشكل واضح مدى ترسخ ثقافة "لوم الضحية" في أدمغة الكثيرين، حتى أنهم لا يرون خطأ في ارتكابهم مثل هذه الجريمة البشعة، بل ويلقون الاتهامات على ضحيتهم بشكل وضيع.

تقول نغم (اسم مستعار) 22 عاماً، لرصيف22: "تعرضت لاعتداءات متكررة من ابن عمي، من وقت ما كان عندي ست سنين لحد ما تميت عشر سنين، كان دايماً بيعاملني بطريقة وحشة قدام العيلة". على الأغلب يتصرف معظم المعتدين من الأسرة بطريقة عدوانية، فيها شيء من السيطرة تجاه الضحية، لإقناعها بشكل ضمني بـ"الصمت"، وبرمجتها على فكرة أنه لديه القوة التي تحميه مهما حاولت المقاومة، أو متى كشفت عن جريمته البشعة.

وتتابع: "كان بيهددني إني لو قولت لحد هيموتني، وأنا كنت باصدقه، علشان كدا كنت بسكت، وكنت بقرف من الرجالة عموماً وريحتهم وماكنتش قادرة أتخطى دا".

تختم نغم التي استطاعت تخطي صعوبة ما تعرضت له والتغلب عليه: "دا كان إحساسي ناحية الرجالة لحد ما حبيت ابن عمي، واتخطبنا، ودا الراجل الوحيد اللي إحساسي معاه مختلف".

عدم وجود أساليب دعم كافية للضحايا/الناجيات من الاعتداء الجنسي بشكل عام، أو الاعتداء الجنسي داخل الأسرة بشكل خاص، هو أحد أسباب معاناة الكثير من الفتيات

في إجابة عن السؤال: هل مجتمعاتنا العربية تقدم الدعم الكافي للناجيات من الاعتداء الجنسي أسرياً؟ ترى الطبيبة النفسية ماجدة عدلي أن الناجيات في مجتمعاتنا، سواء المصرية أو العربية بشكل عام، لا يحصلن على الدعم الكافي من المحيطين، وتؤكد رأيها: "الفتيات اللاتي يطلبن الدعم لا يشكلن نسبة كبيرة، مقارنة بعدد ضحايا الاعتداءات الجنسية داخل الأسرة".

تضيف عدلي: "و للأسف هناك غياب للثقافة الجنسية، ولفكرة احترام الجسد بشكل عام، حتى إنه عندما يتم طرح مثل هذه التوعية، يتم مهاجمتها في أحيان كثيرة، وهذا بالطبع من أسباب صمت الضحايا، وخوفهن من التحدث عن أي شيء تعرضن له".

عدم وجود أساليب دعم كافية للضحايا/الناجيات من الاعتداء الجنسي بشكل عام، أو الاعتداء الجنسي داخل الأسرة بشكل خاص، هو أحد أسباب معاناة الكثير من الفتيات.

نحن بحاجة إلى حملات توعية إعلامية للأمهات والآباء لكيفية التعامل مع أطفالهم ذكوراً وإناثاً، كيفية حماية أجسادهم، تشجيعهم على تصديق الضحية، وضرورة محاولة إبعاد الضحية عن مكان تواجد المعتدي، دون التفكير في مدى حاجة المنزل له.

توفير خطوط ساخنة لضحايا الاعتداء الجنسي من الأطفال، وأماكن ومؤسسات لدعم الناجيات، وتوفير أماكن سكن لهن عند استحالة العيش مع المعتدي، فهذه الأساليب من شأنها تغيير حياة الضحية، وربما انتشالها من جحيم الحياة مع المعتدين.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard