"سيلوفان"... تنويعات على مشاهد الرحيل والهجرة بين الفرد والجماعة

الأحد 30 أغسطس 202010:24 ص

يبدأ العرض المسرحي الحركي "سيلوفان" لفرقة "كون" المسرحية، بالتعاون مع فرقة "سما" للمسرح الراقص، بمشهد يهدد فيه مؤدٍ يحمل منشاراً، يرمز إلى رجل السلطة، فرداً آخر يرمز إلى الشعب، ليجبره على الهجرة، وهي التيمة الأساسية التي سيعالجها العرض بتنويعات مشهدية - حكائية مختلفة، والغرض المسرحي المستعمل في التعبير ومعالجة هذه الموضوعة، هي حقيبة السفر.

جاء في البيان المرافق للمسرحية: "إحدى أهم الأفكار التي يناقشها العرض هي الهجرة بمفهومها الأوسع، الانتقال من مكان إلى مكان، داخل أو خارج سورية، أو الهجرة النفسية والعيش في حالة غربة داخل الوطن. وإحدى أهم الأدوات في عرض سيلوفان كانت حقيبة السفر، والتي كان لها أكثر من دلالة، أهمها التعبير عن هموم الجيل الشاب، طارحين سؤالاً: ماذا يمكن أن نأخذ معنا في هذه الحقيبة، بعدما باتت أصغر مساحة يمتلكها كل فرد من هذا الجيل... أشياء صغيرة... ذكرياتنا، أم أن الحقيبة أضحت بيتاً ومسكناً، لا بل وكل العالم لهذا الجيل؟".



الغياب بين الرحيل والموت

تتعدد الحكايات التي يرويها العرض عن موضوعة الهجرة. في مشهد ثنائي، نتابع مؤدياً (مازن نحلاوي) يضع جسد مؤد آخر (حسن رابح) في حقيبة ويغلق عليه، تفتح الرموز على حقيبة السفر/الرحيل، الكفن/ الموت. يبين كتاب "التحليل النفسي للمهجر والمنفى، ليون وربيكا غرينبورغ"، أن الغياب واحد في تجربة الهجرة والموت. لذلك، تؤدي الجماعة خلف المشهد الثنائي أداءات حركية جماعية، تقارب بين مشهد الوداع/ السفر، ومشهد الوداع/ الدفن.

إحدى أهم الأفكار التي يناقشها العرض المسرحي "سيلوفان هي الهجرة السورية بمفهومها الأوسع، داخل أو خارج سورية، أو الهجرة النفسية والعيش في حالة غربة داخل الوطن. وإحدى أهم الأدوات في عرض سيلوفان كانت حقيبة السفر كدلالة على الغربة

في المشهد التالي تتم لعبة تبادل الأدوار، يتحول الميت حياً والراحل مودعاً. وَرَد في الكتاب المذكور: "ليس المهاجر وحده من يعاني من آلام عاطفية ونفسية، الأقرباء والمقربون سيعانون حتماً من مشاعر التخلي والفقدان وحالات من الكآبة والحزن". إن الباقين في أماكنهم يعانون أيضاً عند رحيل المقربين والمؤثرين في حياتهم. إنه ألم الفراق الثنائي الذي يؤثر على كل من شخصية الباقي والراحل. يعبر العرض عن هذه الموضوعة عبر لعبة تبادل الأدوار المستمرة، بين من يؤدي حالة الباقي ومن يؤدي حالة الراحل.

الهجرة، الانتقال إلى اللامكان

في مشهد رمزي، يتربّع المؤدون على الخشبة أمام مجموعة من حقائب السفر المفتوحة، يرتدون جميعاً أقنعة سيلوفانية تجعلهم مثقلين بالتعابير ومجردين منها في الآن عينه. يتفرد مؤد (حسين خضور) بالمشي فوق الحقائب الجلدية، يدخل قدمه بين الواحدة والأخرى كمن يعبر فوق أوراق بحيرة. ترفع المجموعة الحقائب تحت قدم المسافر، وتغير له مسار الحركة. إن الهجرة هي اللجوء إلى اللامكان، هي الانتقال إلى المجهول. الهجرة طريق لا نهائي التحولات، لأن المهاجرين يتركون مصيرهم للجوء والريح.

مشهد الرحلة



تنويعات حكائية على العلاقة مع الرحيل

لكن مؤدياً من بين المجموعة (عمر قرقوط) يرفض فكرة الرحيل. هو يقاوم الخيار الذي تدفعه المجموعة إليه دفعاً. هل يجبر المجتمع أحياناً أفراده على الرحيل بشكل إجباري؟ لا شك في ذلك. هي الهجرة القسرية التي يعبر عنها المشهد الذي تحاول فيه المجموعة الاصرار على أحد أفرادها للدخول في كادر حقيبة السفر. تحصره الحقائب المدفوعة من حوله، تظهر الحقائب كأنها قضبان سجن تحبس المجموعة الفرد المتمرد بداخلها. الوطن يضع السوري بين خيارين: إما السجن أو الهجرة.

من بين الحقائب التي تصنع تشكيل السجن على الخشبة، تظهر المؤدية (داريا جميل) الراغبة بفتح النوافذ في كتلة الحقائب، كلما فتحت نافذة بينها وبين الجمهور، تقوم المجموعة بإعادة ترتيب الحقائب لتبقى كتلة مصمتة تفصلها عنهم. ترقص المؤدية فردياً مع عزف على آلة التشيللو. إنها غير مهتمة بالرحيل، راغبة بتقديم فنها بالرقص، أي بالحركة الحرة. لكن المجموعة تقيد حركتها الراقصة على المسرح، تحيط حقائب السفر بخطواتها، وتحدد لجسدها مساحة الحركة المسموحة. في فترات النزوح والهجرة، لا مكان للرغبات الفردية، لا مكان للفنون، الأولوية لغريزة القطيع ولمحاولات الاستمرار بالبقاء على قيد الحياة.

تتنوع الشخصيات الإنسانية في علاقتها مع الهجرة والرحيل، فبينما رأينا في حكاية المشهد السابق شخصيةً تعارض الرحيل وما تفرضه الجماعة، نجد أنواعاً أخرى من الشخصيات في علاقتها مع الهجرة. وبينما رأينا سابقاً شخصيات متمردة على الهجرة، فإن البنية السردية أو التنويعات في معالجة الموضوعة تتطلب أن نتابع مشهداً عن أولئك الذين يجدون في الهجرة خلاصاً. في هذا المشهد يسعى المؤدي الفردي للدخول في الحقيبة، يجعلها جزءاً من جسده، يحاول الدخول فيها بكامل جسده، يحملها بدلاً عن رأسه، تصبح الحقيبة الغرض الحامي لكيانه.

مشهد التمرد



مع كل هذه الحكايات الفرعية تؤدي المجموعة مشهد الرحيل. ينزل أفرادها عن خشبة المسرح ويتحركون إلى طرفه الآخر في التعبير عن رحلة الهجرة، يقفون على أبواب المطارات ويقدمون ذواتهم - هوياتهم إلى رجال السلطة لكي يتمكنوا من الانتقال من مكان إلى آخر. من بين أفراد المجموعة تنشأ تلك العلاقة الثنائية بين الذكر والأنثى، بين الحبيب والحبيبة، يحضن أحدهما الآخر دون رغبة بالفكاك، ما يؤخر ركب أفراد المجموعة.

برغم حكاياتهم الفرعية، إلا أن ما يجمع شخوص مسرحية "سيلوفان" هو الرحيل، ينزلون عن خشبة المسرح إلى طرفه الآخر، تعبيراً عن رحلة الهجرة، يقفون على أبواب المطارات ويقدمون هوياتهم إلى رجال السلطة لكي يتمكنوا من الهجرة

الثنائي العاشق يظهر كمفاجأة للجميع، أن يولد الحب في ظرف كهذا، يحاول أفراد المجموعة أن يفصلوا بينهما بلا جدوى. تقارب جسدي العاشقين لا فكاك فيه، يدوم العناق الزمن الطويل الذي يقف عائقاً في وجه قدر الرحيل. لن يرضخ العاشقان، لن يتخليا عن العناق إلا حينما يحضر رجل السلطة، الرجل الذي يحمل آلة تهدد المجموعة، يفرق بينهما لتتابع القافلة مسيرها. لا مكان لحكايات الحب الثنائية في رحلة الهجرة.

السلطة بين العنف والقداسة

يعرف علم الأنثروبولوجيا الإنسان بكونه ذلك الحيوان الذي أتقن استعمال الأداة. كل الشخصيات في العرض تحمل حقائباً، بينما شخصية واحدة (علاء كرميدي) تحمل أداةً مؤذية، إنها السلطة التي تحتكر العنف. هو الذي يصدر الأوامر للمجموعة، القادر على فرض إرادته. في المشهد الفردي الخاص به، يؤدي أمام الجمهور استعراضاً جسدياً، يظهر قوته، ينتفخ بجسده وبأناه، حتى تحمله المجموعة وتغطيه بالسيلوفان، يصبح أقرب إلى التماثيل المقدسة، من السلطة إلى القداسة يتحول رمز هذه الشخصية في المسرحية. تبجّله المجموعة ويقبل أفرادها يده واحداً تلو الآخر، لكن إحداهن، المؤدية (حور ملص)، وبدلاً من تقبيل اليد، تضع وردةً في مكان سلاح السلطة.

يركز صناع عرض "سيلوفان" على أدوار المؤديات النساء. فيتنوع حضور المرأة بين الفاعلة، الحبيبة، المتمردة، السلطوية، الفاقدة لمن حولها والمفقودة، ويقول المخرج أسامة حلال، بهذا الخصوص: "لم نرغب أن يقتصر دور المرأة في العرض على أم الشهيد أو الفقيد، بل عمدنا إلى إيجاد تنويعات لحضورها"

هل هو الخطاب الذي يحاول استبدال العنف بالرأفة؟ هل هي الثورة التي تتمرد على رجل السلطة القديم؟ ما تلبث المتمردة الرافضة أن تُبجّل من قبل المجموعة، فهي لم تتجرأ على السلطة فقط، بل حاولت استبدال العنف بالرأفة. لكن اهتمام المجموعة بها يتحول إلى تبجيل، المجموعة تنقاد إليها كأيقونة. لكن ما يلبث أن يخرج من الأيقونة مجدداً رجل السلطة. إن تبجيل الناس، خوفهم، بحثهم عن المقدس، هو ما يخلق السلطات. في كل مرة تثبت الإنسانية حاجتها لابتكار مقدس جديد تنقاد إليه وهكذا تتوالد السلطات. إن شكل السلطة في المسرحية مكون من عاملين: العنف وانقياد الناس إلى المقدس.

يركز صانعو العرض على الأدوار المنوطة بالمؤديات النساء. فيتنوع حضور المرأة بين الفاعلة، الحبيبة، المتمردة، السلطوية، الفاقدة لمن حولها والمفقودة، منها مشهد فردي للمؤدية (لانا فهمي). يقول المخرج أسامة حلال، بهذا الخصوص: "لم نرغب أن يقتصر دور المرأة في العرض على أم الشهيد أو الفقيد، بل عمدنا إلى إيجاد تنويعات لحضور الهويات النسوية في العرض".

مشهد أخير يبدو أقرب للمضاف إلى المسرحية، أيضاً يتعلق بتلك العلاقة بين السلطة والجمهور: يرغب رجل السلطة في اللهو فتتفنن المجموعة في إرضائه، البعض يسقط أرضاً لإرضائه وآخرون يساعدونه على حمل الكرة لرميها في الهواء. الجمهور يرغب بإرضاء السلطة فيتذلل لها ويصنعها من تبعيته وخنوعه.

سيلوفان، هو العرض الأول من ثلاثية تمكنت فرقة "كون" من تحقيقها منذ خروجها من سورية، ترافق فيه فرقة موسيقية الحضور على خشبة المسرح، "الموسيقيون: نزار عمران، صلاح نامق، قصي دقر، ناريك عبجيان"، لتُعزف الموسيقى والصوتيات الخاصة بالعرض مباشرةً على المنصة. إن المحورين الأساسيين الذي يحوم العرض في تأويلاتهما حركياً هما الهجرة والسلطة، والموضوعة الثانية ستعالج باستفاضة في عرض آخر للفرقة بعنوان "فوق الصفر".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard