فلتة جاهلية... التاريخ المبتور في بيعة أبي بكر

السبت 5 سبتمبر 202012:22 م

 ما لا شك فيه أن بيعة أبي بكر في سقيفة بني ساعدة تمثل مشكلة من أعقد المشكلات في تاريخ الفكر الإسلامي الوليد، خصوصاً بعد وفاة الرسول، ولعله من نافل القول إن الروايات التاريخية الكثيرة التي حفظتها لنا المصادر حول ما دار في اجتماع السقيفة يشوبها الكثير من التضارب، ومع ذلك فهي تشترك في نقاط جوهرية تشكل أرضاً صالحة ينظر إليها على أنها ذات محتوى تاريخي يستند إليه في التأريخ لتلك الحقبة، حيث كانت مسألة خلافة النبي مسار جدل اتسم أحياناً بالحدة، ومن هنا ثار لغط حول من يخلفه.

وليس هناك حقائق مؤكدة حول عدد من حضر السقيفة، ومن بايع أبا بكر. ولعل من المهم أن نذكر أن كلاً من سعد بن عبادة والحباب بن المنذر قد تحدثا باسم الأنصار عامة، وقد افتتح الأول المناقشة بخطبة تشير إلى أن الأنصار أعطوا لأنفسهم الحق بالتفرد في تقرير مصير خلافة النبي، مع ما لهذه القضية من أهمية وخطورة، دون الوقوف على رأي الطرف الآخر الذي يشكل شطر المجتمع الإسلامي في المدينة، وهم المهاجرون.

ورغم أهمية موضوع الخلافة لقيادة المسلمين في أمور الدين والدنيا إلا أننا لا نرى نصاً دينياً واضحاً في القرآن يحدد معالم تلك الخلافة، ولا حديثاً نبوياً في هذا الشأن. من هنا، كان التنافس، شأنه شأن أي أمر بشري، يخضع للأهواء والميول ووجهات النظر المتعارضة.

سنلقي الضوء على ما في البيعة من أمور بشرية سكت عنها التاريخ، إما تحرجاً من خطأ يقع على صحابة الرسول الذي ينظر إليهم بالتقديس من جانب معظم المسلمين، أو الأمر يتعلق بالسلامة وعدم إثارة الاضطرابات في أمر انتهى من زمن.

بعد وفاة النبي

عندما سمع أبو بكر وعمر بوفاة النبي أسرعا إلى سقيفة بني ساعدة، وقال عمر لأبي بكر: "ابسط يدك أبايعك"، وتمت البيعة. ويقال أن عمر توعد بقتل من يخالف ما هو وأصحابه عليه بقوله: "والله ما يخالفنا أحد إلا قتلناه"

لقد توفى النبي وانشغل بتغسيله ودفنه بعض أهله، كعلي بن أبي طالب، عمه العباس وولديه وبعض مواليه، وانشغل فريق آخر من الصحابة في نفس الوقت بحسم مشكلة الخلافة، جاء في صحيح البخاري عن ابن عباس: ثم إنه بلغني قائل منكم يقول والله لو قد مات عمر بايعت فلاناً فلا يغترن امرؤ أن يقول إنما كانت بيعة أبي بكر فلتة وتمت، ألا وإنها قد كانت كذلك، ولكن الله وقى شرها، وليس فيكم من تقطع الأعناق إليه مثل أبي بكر، من بايع رجلاً من غير مشورة من المسلمين فلا يتابع هو ولا الذي تابعه تغرة أن يقتلا.

حسب تاريخ الطبري، عندما سمع أبو بكر وعمر بوفاة النبي أسرعا إلى سقيفة بني ساعدة، وتكلم أبو بكر فحمد الله وأثنى عليه، ثم ذكر سابقة المهاجرين في التصديق برسول الله دون العرب، وقال: فيهم أول من عبد الله في الأرض، وآمن بالرسول، وهم أولياؤه وعشيرته وأحق الناس بهذا الأمر من بعده، ولا ينازعهم إلا ظالم.

ثم ذكر أبو بكر فضيلة الأنصار وقال: "فليس بعد المهاجرين الأولين عندنا بمنزلتكم، فنحن الأمراء وأنتم الوزراء، لا تفاتون بمشورة ولا نقضي دونكم الأمور". حاول الأنصار أن يقولوا منا أمير ومنكم أمير، فقال عمر: "هيهات، لا يجتمع اثنان في قرن، والله لا ترضى العرب أن يؤمركم ونبيها من غيركم، ولكن العرب لا تقتنع أن تولي أمرها من كان النبوة فيهم وولي أمرهم منهم".

ولما كثر اللغط واشتد الاختلاف وتعالت الأصوات وكادت أن تحدث حرب داخل السقيفة، قال عمر لأبي بكر: "ابسط يدك أبايعك"، وتمت البيعة. وفي رواية ابن هشام، أن عمر قال، مهدداً بقتل من يخالف ما هو وأصحابه عليه: "والله ما يخالفنا أحد إلا قتلناه"، ورفض سعد بن عبادة المبايعة.

ذلك ما هو مسطور في تراثنا عن البيعة وعن أول أزمة سياسية واجهتها الدولة الوليدة بعد وفاة مؤسسها.

المسكوت عنه

 لو صحت تلك الروايات، وهي موجودة في كتب السير والتاريخ، وربطنا بين ماضينا وحاضرنا، استطعنا أن نرى بصماتها واضحة مطبوعة في حياة المسلم عامة، لأنها شكلت ومازالت تشكل خلفية الفكر السياسي الديني لدى المسلمين جميعاً. ولعل أول ما يتم ملاحظته على تلك البيعة، وهو من الأمور المسكوت عليها في تاريخنا، أولاً: إن بيعة أبي بكر لم تتم في ظروف طبيعية بل تمت دون أن يعلم بها أكثر الناس، أو على الأقل جميع أكابر الصحابة، أو حتى زعماء الاتجاهات السياسية الموجودة على الساحة.

من الأمور المسكوت عليها في التاريخ أن بيعة أبي بكر الصديق بعد وفاة النبي لم تتم في ظروف طبيعية، بل تمت دون أن يعلم بها أكثر الناس، أو على الأقل جميع أكابر الصحابة، أو حتى زعماء الاتجاهات السياسية على الساحة

 فقد اجتمع في السقيفة نفر من الأنصار ليبتوا في أمر الخلافة بغياب الآخرين، ثم لحق بهم نفر من المهاجرين، لينافسوهم ويمنعوا القوة السياسية الأنصارية من الانفراد بالخلافة، ولم يعلم بالأمر أكبر وأهم قوة سياسية دينية آنذاك، وهم بنو هاشم، آل بيت النبي المؤسس. بعد أن انتهز هذا النفر القليل من المهاجرين والأنصار انشغالهم بتجهيز ودفن الرسول، تم ما تم بدون علم الناس، وبغير الانتظار لتهدأ مشاعر الأمة التي حلت بها كارثة غياب القائد الذي لا يملأ فراغه أحد، حسبما جاء في كتاب "تاريخ الخلفاء الراشدين و الفتوحات و الإنجازات السياسية" لمحمد سهيل طقوش، وكتاب "الفكر السياسي الإسلامي، وجهة نظر أخرى" لأحمد إدريس.

ثانياً: إن القوم لم يتفقوا على مرشح بعينه في السقيفة، وهنا انتهز عمر الفرصة ليحسم الأمر دون الاستماع لرغبة الأغلبية أو الموجودين، وبايع أبا بكر، ومال معه المؤيدون لأبي بكر، ووجد الآخرون أنفسهم في مأزق، فبايع من بايع ورفض من رفض، لذا اعتبرها عمر فلتة، كما اعتبرها الضحاك بن خليفة فلتة كفلتات الجاهلية، كما يذكر الطبري.

ثالثاً: إن الذين اجتمعوا في السقيفة لم يضعوا الإسلام ولا نظرية الدولة وفكرها ومصلحة الأمة العامة أمامهم وهم يحسمون قضية الخلافة، كما أنهم لم يجلسوا ليبحثوا عن هداية في ضوء نص من كتاب أو سنة يهتدون بها في هذا الوقت العصيب، بل قدم كل منهم نفسه على أنه مهاجر أو أنصاري، بل وصل بهم الأمر بطرد المهاجرين من المدينة، كما أعادوا إحياء العصبية الجاهلية القبلية القديمة، وإذ بالأوس تنضم إلى قريش، لا لكونها على حق، بل نكايةً بالخزرج و زعيمها سعد بن عبادة، وهذا رجوع إلى الجاهلية الأولى من التعصب وإثارة النعرات القبلية.

من التاريخ المسكوت عنه في مبايعة أبو بكر بعد وفاة الرسول هو تجاهل رأي الأغلبية من الأمة في سقيفة بني ساعدة والاكتفاء برأي النخبة الثرية في حسم القضايا المصيرية

رابعاً: إن رأي الأمة أو الجمهور لم يستطلع في مسألة الخلافة أو القيادة، وإنما قرر مصير الأمة كلها نفر قليل، تزعّم النقاش منهم خمسة أفراد فقط، ومن هنا يتبين أن السلوك الذي سلكته القلة في السقيفة من تجاهل لرأي الناس لأنهم رعاع وغوغاء، كما وصفهم الصحابي عبد الرحمن بن عوف، حسب الطبري، وهنا تجاهل لرأي الأغلبية والاكتفاء برأي النخبة الثرية في حسم القضايا المصيرية.

بناءً على ذلك، لو أردنا تقديم ما حدث في السقيفة للناس في العصر الحاضر، لا يمكن اعتباره إجراءً سليماً يتفق ومبادئ الإسلام، وأقل ما فيه من مخالفة أنه أعطى صوتاً لكل قبيلة حضرت، وهذا فيه أيضاً تساهل، إذ لم يعط صوتاً لكل مسلم ولا لكل قبائل العرب أو لكل تيار سياسي.

خامساً: إذا ما أخذنا شروط الأهلية التي ذكرها كل من أبي بكر وعمر، فيمن ينبغي في منصب الخلافة بعد الرسول، وفق معايير العصر وبيئته آنذاك، لوجدنا أنها لم تكن تنطبق على أي منهما قدر انطباقها على آل بيت النبي، لأن أبا بكر قال حسب الطبري: "إن العرب لا تعرف هذا الأمر إلا لحي من قريش من أوسط دار أو نسب". 

خلاصة القول إن بيعة أبو بكر أظهرت لنا مدى القصور في تناول تاريخنا الإسلامي بموضوعية وحيادية، وكيف أن هذه الأحداث أظهرت العوار في طريقة اختيار الخليفة، وأننا يجب أن نضع أحداثنا في تاريخ الفكر الإسلامي تحت منظار البحث عن الحقيقة ومن أجل الحقيقة، بدون عواطف تحجب رؤيتها.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard