اللجوء إلى الفردوس الأوروبي المفقود

الثلاثاء 10 مارس 202002:58 م

تتقاطع الأحداث في منطقتنا وتتراكب، وفي لحظة هذيانية، يصبح تجميع أجزائها في لوحة واحدة، أقرب إلى حقيقة قد لا يرغب المرء في تصديقها، ليبدو كل ما جرى، منذ حرق البوعزيزي لنفسه حتى هذه اللحظة التي تفاوض الحكومة التركية فيها الأوروبيين على أرواح الناس، سلسلة مدهشة من الأحداث في ترابطها وتشابكها، والتي يصعب على أي عاقل تصورها كمؤامرة مرسومة، ولكن، يستحيل على المراقب ألا يلاحظ التتالي السببي من خلالها، وحالة التراكم في استغلالها بأبشع الصور من قبل كل القوى ذات المصلحة، حيث يبقى أرخص الأثمان ضمن معادلتها هو الإنسان، ولا سيما السوري، هذا إن كان تبقى من أي معنى لهذه الهوية!

وقد تكون هذه الأوروبا الفردوس الموعود، أضعف سياسياً من أي وقت مضى.

كالعادة مع عالم السوشال ميديا في السنوات العشر الأخيرة، حيث صورة، أو مقطع فيديو واحد، يمكن أن يلفت الانتباه إلى مقتلة يومية حاصلة على مسمع الجميع، أكثر من أي قلق معلن للأمم المتحدة، أو بيان لأهم المنظمات الإنسانية في العالم، كما حصل مع صورة الطفل ايلان الكردي مثلاً. أما صور وفيديوهات اليوم للبشر المتجمعين في الليمبو، بين "الدولة العثمانية وبيزنطة"، تحت وابل القنابل المسيلة للدموع، بالإضافة إلى القوارب المطاطية التي تحمل اللاجئين إلى اليونان، والتي تم التهجم عليها من السكان المحليين في الجزر، ودفعها وتخويف من عليها من خفر السواحل اليونانية، لتقوم الدنيا ولا تقعد ويدور تساؤل كبير: أهذه هي أوروبا؟!

تلك الصور هي فقط تعبير أكثر وضوحاً عن عالم اليوم القائم على منطق الربح والفائدة فقط، وقد تكون هذه الأوروبا الفردوس الموعود، أضعف سياسياً من أي وقت مضى لتتمكن من إخفاء ذلك.

ليس سراً اليوم أن توافقات دولية، خاصة غربية، كانت كامنة خلف رغبة كبيرة بتجريب الإسلام السياسي (المدني) للحكم في المنطقة العربية، على خلفية الاحتجاجات والمطالبة بإسقاط الأنظمة التي تصاعدت وتسارعت بوتيرة هائلة مع بداية العام 2011.

لكن بعد أن اختلفت حسابات الحقل والبيدر، بين فوضى ليبيا، تعثر اليمن، واندفاع الإخوان المتعطش للسلطة، ووقوعهم في كل الأفخاخ التي نصبت لهم في مصر، مع نهاية العام 2012، بقيت الساحة السورية مسرحاً مفتوحاً للصراعات الدولية من كل حدب وصوب، حيث أن تركة "القائد الخالد"، الأسد الأب لابنه، كانت غنية ومتنوعة ويمكن الاعتماد عليها، وعلى الرغم من تبديدها بأبخس الأثمان وتحت ضغط الخوف، لكن إرادة عميقة للمجتمع الدولي محمولة على الفيتو الروسي-الصيني، وقرار أميركي واضح بعدم التدخل المباشر، مقابل تفضيل مفاوضة الإيرانيين فوق الرقعة السورية، جعلت الأمور تسير إلى ما هي عليه اليوم، حيث لعبت عُقَد التاريخ العثماني دورها أيضاً، عند سلطان تركيا الجديد، في الإبقاء على توازن حذر لخريطة القوات والتحالفات العسكرية على وقع الحرب، التي انتشرت تقريباً في كل زاوية من الأرض السورية في وقت من الأوقات.

صور وفيديوهات اليوم للبشر المتجمعين تحت وابل القنابل المسيلة للدموع، بالإضافة إلى القوارب المطاطية التي تحمل اللاجئين إلى اليونان، والتي تم التهجم عليها من السكان المحليين في الجزر، ودفعها وتخويف من عليها من خفر السواحل اليونانية، لتقوم الدنيا ولا تقعد ويدور تساؤل كبير: أهذه هي أوروبا؟!

أما انعكاس كل ما سبق على موضوع اللجوء والهجرة وكيفية تتالي الأحداث، وصولاً إلى الاستعصاء الحاصل على الحدود التركية الأوروبية اليوم، فهو أحد المفاتيح التي يمكن من خلالها تشكيل الصورة غير البريئة لإدارة الأزمة على الطرف الآخر من البحر المتوسط. فمع تزايد الاعتقاد لدى السوريين في الداخل بأن الثورة، التي تحولت إلى أزمة من ثم أضحت حرباً مفتوحة، لن تنتهي قريباً، بدأ الكثير منهم بمغادرة البلاد، كل لأسبابه، على أن أغلب الذين غادروا فعلياً في السنوات الثلاث الأولى هم الفارّون من موت محتم، إن كان بسبب الاعتقال، القصف أو التجويع، ولكن الأهم أن هذه الغالبية كانت ممن تمكنوا من توفير المال اللازم للفرار وخاصة مع عوائلهم، حيث ازدهرت خطوط التهريب إلى أوروبا من تركيا ومصر وليبيا، على مرأى ومسمع كل أجهزة الاستخبارات في العالم، لدرجة أنه كان هناك مقاه مخصصة ومعروفة يتجمع فيها المهربون في إسطنبول مثلاً، لاستقبال زبائنهم وعقد الصفقات، حيث قدرت الأرقام التي تم دفعها لمافيات التهريب حتى مطلع العالم 2016، بمليارات الدولارات!

فقط عندها، وبعد الموجة البشرية الهائلة من المهاجرين الذين عبروا إلى أوروبا في العام 2015، بعد أن قرر الرئيس التركي أردوغان، فتح الحدود تماماً، ليظهر ما يمكنه القيام به، تم عقد الاتفاق الشهير بين الاتحاد الأوروبي وتركيا، الذي جادل العديد من القانونيين في توافقه مع القوانين الدولية واتفاقية جنيف الخاصة باللاجئين، لكن الظروف السياسية كانت قد تغيّرت في سوريا بعد التدخل الروسي على الأرض، والتأرجح الأردوغاني الابتزازي بين الشرق والغرب، وكان لا بد لألمانيا، قائدة الاتحاد، أن تقول كلمتها في هذا الشأن، واستخدام أموالها للوصول إلى هذا الاتفاق، الذي تناقصت بعده أعداد اللاجئين الواصلين إلى أوروبا بشكل دراماتيكي، خاصة بعد أن كان قد تم إغلاق المعابر في وجه المهربين تماماً في مصر سابقاً، ثم تم العمل على تفاهمات واتفاقيات مع الليبيين، وتسيير دوريات بحرية مشتركة بحجة إنقاذ المهاجرين من الغرق، ولكن الأهم من ذلك هو إعادتهم إلى الأراضي الليبية.

ما يجعلنا نتساءل، ما هي الحدود التي تقف عندها الإنسانية الأوروبية؟ وهل يبرر يا ترى تراجع أوروبا كقوة سياسية مقابل الهيمنة الأميركية، دور المراقب والمستفيد من الأزمة، ويا للسخرية، العمل على إنتاج مظلومية أوروبية؟

وبالأخذ بعين الاعتبار الشيخوخة الحاصلة في المجتمعات الأوربية عامة، وكل الإحصائيات التي تتحدث عن أن بدء التراجع في أعداد السكان هو مسألة وقت، والذي، يا للمفارقة، أعلن أنه بدأ فعلاً في اليونان حسب آخر إحصاء، وبعد سنوات عديدة من تأهيل الكثير من الوافدين الجدد، والمحاولات الحثيثة لدمجهم في مجتمعاتهم الأوروبية الجديدة، وبشكل خاص ألمانيا، كونها القوة الاقتصادية الأوروبية الأولى، الرابعة عالمياً وصاحبة التأثير الأقوى على قرارات بروكسل، مازالت الإحصائيات تقول إن ألمانيا بحاجة إلى 250 ألف مهاجر عامل لرفد اقتصادها حتى العام 2060، ما دفع بالحكومة والبرلمان لإقرار قانون استقطاب العمالة الماهرة مؤخراً.

قد يكون قرار ألمانيا، جزئياً، باستقبال اللاجئين وفتح الحدود على مدى سنوات، له علاقة بالرغبة بتحسين صورتها التاريخية المرتبطة بالنازية، إلى جانب الاستفادة من كتلة كبيرة من اللاجئين المتعلمين، وأصحاب الحرف من أبناء المدن، الذين حطوا رحالهم في القارة العجوز في السنوات الأولى، لكن في النهاية، وعندما وصلت أعداد اللاجئين إلى حد بدأت تخلق مشاكل داخلية أكثر من كمية الاستفادة المأمولة منها، على المديين القصير والمتوسط من الناحية العملية، على وقع أزمات سياسية واقتصادية في دول الاتحاد الأوروبي، وانتخابات أعادت تشكيل الحكومات باتجاه اليمين، تغيرت المقاربة بالاتجاه المعاكس تماماً، واستدعت تصرفاً سريعاً من قبل دوائر القرار الأوروبي مع الأزمة الجديدة، فنزلت رئيسة المفوضية الأوروبية إلى الحدود اليونانية، ولم يبق مسؤول في القارة لم يعبر عن دعمه لليونان، ورفض قبول الابتزاز التركي في هذا المجال، مع الاستعداد لتقديم دعم مالي وسياسي جديد لتركيا، لكن قطعاً لا لفتح الحدود.

ما يجعلنا نتساءل، ما هي الحدود التي تقف عندها الإنسانية الأوروبية؟ وهل يبرر يا ترى تراجع أوروبا كقوة سياسية مقابل الهيمنة الأميركية، دور المراقب والمستفيد من الأزمة، ويا للسخرية، العمل على إنتاج مظلومية أوروبية؟ وهل وصلنا، في عصر الترامبية الصفيقة، إلى مرحلة اللعب على المكشوف، ما قد يؤدي مع الوقت إلى كشف المزيد من حجم المؤامرة الكونية، ولكن ليس تلك التي يتحدث عنها النظام لإسقاط محور الممانعة، بل تلك المؤامرة على الشعوب والحياة والمستقبل، والتي قام بدوره فيها على أكمل وجه!

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard