بعد الكشف عن "تعاون نووي" بين السعودية والصين... ما هي جوانب هذا التعاون وأُفُقه؟

الأربعاء 12 أغسطس 202005:42 م

في 4 آب/أغسطس، كشفت صحيفة "وول ستريت جورنال" الأمريكية أن المملكة العربية السعودية قامت ببناء منشأة سرية بالتعاون مع الصين لاستخراج ما يُعرف بـ"الكعكة الصفراء" من خام اليورانيوم، والتي تُستخدم في إعداد الوقود النووي، وهو ما يُعد تقدماً لافتاً في مساعي الرياض لامتلاك تقنيات نووية.

يُعدّ هذا التطور واحداً من سلسلة تطورات تم الكشف عنها مؤخراً للإشارة إلى جهد سعودي لامتلاك مكونات دورة الوقود النووي، لكن ما أثار قلقاً إضافياً حول هذا التطور هو ما ظهر من تعاون سعودي مع الصين في هذا الإطار.

في العقد الماضي، بدأت السعودية في تطوير برنامج نووي لتوليد الكهرباء وتحلية المياه، كما أنها أصدرت عطاءات لبناء أول مفاعلين. تأخر الإعلان عن الفائزين بالمناقصة، بسبب ما قيل إنه محاولة من الرياض للضغط على واشنطن كي تلغي ربط مساعدتها للسعودية لبناء مفاعل نووي لأغراض مدنية بامتناع المملكة عن تخصيب اليورانيوم على أراضيها.

النوايا السعودية

لطالما عبّر المسؤولون السعوديون عن نواياهم بأن تتجه المملكة نحو امتلاك قدرات نووية، خصوصاً العسكرية منها، إذا حصلت إيران على قنبلة نووية.

وفي عام 2018، أعلن ولي العهد محمد بن سلمان أن المملكة ستمتلك القدرة النووية إذا فعلت إيران ذلك، بينما أعلن شقيقه الأمير عبد العزيز بن سلمان الذي يشغل منصب وزير الطاقة، عام 2019، أن السعودية تسعى للسيطرة على جميع مكونات دورة الوقود النووي.

وقبل أيام قليلة، وتحديداً في 5 آب/أغسطس، ذكرت صحيفة "نيويورك تايمز" أن الاستخبارات الأمريكية أصدرت مؤخراً تقريراً سرياً يرصد الجهود السعودية لامتلاك برنامج نووي، ويشير إلى وجود تعاون سري متزايد بينها وبين الصين في هذه القضية.

في هذا السياق، يعلّق المحاضر الدولي في "جامعة جورج واشنطن" عاطف عبد الجواد قائلاً إن مؤشرات عدة تُظهر أن السعوديين أخذوا الخطوات الأولى في امتلاك برنامج نووي عن طريق التعاون مع الصين.

ويعدد عبد الجواد، في حديثه لرصيف22، ما رصدته مصادر متعددة من مؤشرات. المصدر الأول الاستخبارات الامريكية التي تراقب الأنشطة السعودية الصينية في موقعين هما قرية العوينية التي فيها أيضاً مركز الطاقة الشمسية وقرية العلا على طريق تجارة البخور.

أما المصدر الثاني فهو لجنة الاستخبارات في مجلس النواب الأمريكي التي طلبت تقريراً عن الجهود السعودية منذ عام 2015 لتطوير برنامج نووي، وعن التعاون السعودي مع أي دولة أخرى غير الولايات المتحدة.

والمصدر الثالث، بحسب عبد الجواد، هو الوكالة الدولية للطاقة الذرية التي تقول في تقرير لها إن السعودية تنقب عن رواسب اليورانيوم في عشرة آلاف ميل مربع من أراضيها. 

يلفت عبد الجواد كذلك إلى تحذير وزارة الخارجية الأمريكية للسعودية مما وصفته انخراط حلفاء أمريكا مع الصين، مردفاً أن الولايات المتحدة عبّرت عن رغبتها في التعاون مع السعودية بما يضمن عدم الانتشار النووي، لكن من المعروف أن الرياض وعلى عكس الإمارات رفضت الدخول في اتفاق مع واشنطن بسبب القيود الأمريكية المفروضة على البرنامج. 

لماذا تتعاون الصين مع السعودية؟

السؤال الأبرز في ما تمّ الكشف عنه مؤخراً كان حول الأسباب التي تدفع الصين للتعاون مع الرياض في برنامجها النووي، وما مدى استعداد بكين لمساعدة الرياض لامتلاك سلاح نووي.

وفق كثيرين، تتلخص الإجابات على هذا التساؤل في سعي الصين التي تمتلك عدة مئات من الرؤوس الحربية النووية، وتساهم الطاقة النووية لديها في توفير 4.2 % من احتياجاتها من الطاقة، لأن تكون مركزاً في انتشار هذا النوع من الطاقة سلمياً لتحقيق أرباح اقتصادية.

يوجد في الصين حالياً 45 محطة لتوليد الطاقة النووية و12 أخرى قيد الإنشاء، علاوة على ذلك، فإن الصناعة النووية الصينية تتطور بشكل سريع وتسعى جاهدة للتعاون مع الدول المختلفة، حتى وإن كانت على عداء كما إيران والسعودية، وذلك في سبيل تطوير لهم مصادر الطاقة والمصانع والمنشآت ذات الصلة في هذه البلدان، حتى لو لم يتم إنشاؤها بشفافية ووفقاً للمعايير الدولية الصارمة.

توطدت العلاقات بين السعودية والصين في المجال النووي بشكل تدريجي منذ عام 2012، مع افتتاح فرع للمؤسسة النووية الوطنية الصينية في الرياض وتوقيع مذكرة تفاهم بين البلدين لتمهيد الطريق للتعاون المستقبلي في التقنيات النووية المدنية.

خلال زيارة رئيس الصين إلى السعودية، في كانون الثاني/يناير عام 2016، وقّع الطرفان على مذكرة تفاهم بشأن إجراء دراسة جدوى لبناء مفاعل مبرد بالغاز ذات درجة حرارة عالية.

ثمة ما يشبه الإجماع على أن الطريق لا يزال طويلاً أمام السعودية حتى تمتلك برنامجاً نووياً، حتى أن البعض يؤكد على أن الصين وبرغم ما حُكي عن الاتفاقية الجديدة لن تساعد الرياض في الوصول إلى قدرات عسكرية نووية، بينما يشير آخرون إلى أهداف سياسية وراء التعاون 

وفي عام 2017، وصل أعضاء "مجمع الملك عبد الله للطاقة الذرية والطاقة المتجددة"  إلى الصين للدراسة والتدريب على المفاعلات المبردة بالغاز، كما وقّعت بكين على مذكرة تفاهم مع هيئة المسح الجيولوجي السعودية عام 2017 لتحقيق إمكانات التعاون في مجال رواسب اليورانيوم.

وتم توقيع مذكرة تفاهم بين شركة هندسة نووية صينية وأخرى سعودية بشأن الاستخدامات المحتملة للمفاعلات النووية المبردة بالغاز لتحلية المياه. وفي المجال الباليستي، تم الإعلان عن جهود سعودية في عام 2018 لامتلاك قدرات تسمح لها بإنتاج الوقود الصلب.

من جانبه، يرى عبد الجواد أن الصين تساعد السعودية في برنامجها النووي لأنها تريد تأمين إمداداتها النفطية، فـ"الصين تتعاون مع السعودية في استخلاص خام اليورانيوم ليس فقط من اليابسة، بل أيضاً من مياه البحر وتقويته للاستخدام أولاً في برنامج سلمي للطاقة، وثانياً لتخصيبه بدرجة يمكن معها استخدامه لتطوير سلاح نووي، وهذا الشق يحوّل المملكة إلى مصدر لليورانيوم".

هل ستمتلك السعودية برنامجاً نووياً؟

ثمة ما يشبه الإجماع على أن الطريق لا يزال طويلاً أمام السعودية حتى تمتلك برنامجاً نووياً، حتى أن البعض يؤكد على أن الصين لن تساعد الرياض في الوصول إلى قدرات عسكرية نووية، لأن ذلك ليس من ضمن أهداف بكين التي تشير إلى أنها تلتزم بعدم انتشار الأسلحة النووية.

وبحسب التقديرات، ستواجه السعودية صعوبات كبيرة في استكمال مشروع نووي مستدام، سواء كان مدنياً أو عسكرياً، إذا لم تتلقَّ مساعدة خارجية كبيرة خلال فترة زمنية معقولة.

وحتى لو نجحت في حشد الدعم الفني الخارجي لمشروعها، فسوف تحتاج السعودية إلى سنوات عديدة قبل أن تنفذ نيتها، بحسب ما ورد في تقرير لـ"مجلس الأمن القومي الإسرائيلي".

وعلى الرغم من هذه الشكوك، فإن المملكة شرعت في إنتاج "الكعكة الصفراء"، وهي الخطوة الأولى في إنتاج اليورانيوم لاستخدامه سواء في المفاعلات النووية المدنية، لتوليد الطاقة والأبحاث العملية، أو الاستخدامات العسكرية من خلال تخصيب اليورانيوم عالي المستوى.

يقول عبد الجواد إن السعودية عازمة على امتلاك برنامج نووي على الرغم من وجود العديد من الصعوبات، بدليل أنها رفضت الدخول في اتفاق مع واشنطن بسبب القيود الأمريكية في هذا الصدد، وإن كان الدعم الصيني محدوداً فإن السعودية لديها علاقات ميدانية مع دول مختلفة قد تشاركها المعرفة والخبرة المطلوبة في المجال النووي، مثل كوريا الشمالية أو حليفتها باكستان.

على سبيل المثال، يشير عبد الجواد إلى أن الرياض وسعت من تعاونها الخارجي في هذا المجال، إذ بدأت تتعاون مع الأرجنتين وفي ذلك رسالة إلى تعدد حلفائها وشركائها في هذا المجال.

بموازاة ذلك، يلفت محللون وخبراء إلى أن باكستان حصلت على تمويل برنامجها النووي من السعودية، مقابل حصول الرياض على التكنولوجيا النووية وربما سلاح نووي إذا تعرضت لتهديد.

هذا الخيار يتناوله محللون بشكل متكرر، على اعتبار أن باكستان قد تكون أكثر  من يساعد الرياض في امتلاك سلاح نووي، على الرغم من أن الحديث حالياً يدور حول تعاون الأخيرة مع الصين.

على سبيل المثال، يشير تقدير "مجلس الأمن القومي الإسرائيلي" إلى أن باكستان - على الرغم من الخلافات والتوترات في السنوات الأخيرة مع الرياض - تعد العمود الفقري الاستراتيجي للسعودية، وقد تهرع لمساعدة الرياض نووياً في ظروف معينة، راصداً عدة خيارات يمكن أن تنظر إسلام آباد فيها لمساعدة الرياض منها نقل المعلومات التقنية، أو تدريب الفرق السعودية في باكستان، أو التعاون في تخصيب اليورانيوم في باكستان، ووضع الأسلحة النووية الباكستانية في المملكة تحت قيادة وسيطرة باكستانية.

"السعودية عازمة على امتلاك برنامج نووي على الرغم من وجود العديد من الصعوبات، بدليل أنها رفضت الدخول في اتفاق مع واشنطن بسبب القيود الأمريكية في هذا الصدد، وإن كان الدعم الصيني محدوداً فإن السعودية لديها علاقات ميدانية مع دول مختلفة قد تشاركها المعرفة والخبرة المطلوبة"

يُرجّح التقرير الإسرائيلي أن السعودية تخفي الآن أجزاء من أنشطتها النووية ويشكك في قدرة المجتمع الدولي، بما في ذلك الوكالة الدولية للطاقة الذرية، على تحديد الأنشطة المحظورة في المملكة، خاصة في ظل الظروف الجغرافية والسياسية الحالية وعدم وجود شفافية في الرياض.

الموقف الأمريكي - الإسرائيلي

برأي عبد الجواد، فإن السعودية لم تعد تُعوّل بالكامل على أمريكا لمواجهة إيران، لذلك تسعى لامتلاك برنامج نووي، ويلفت إلى وجود عامل آخر وهو أن السعودية التي موّلت البرنامج النووي الباكستاني، لم تلجأ إلى اسلام آباد في تطوير برنامجها بل إلى الصين لكي تفرض ضغوطاً على الولايات المتحدة في مجالات أخرى.

من هنا، والكلام لعبد الجواد، فإن الموقف الأمريكي من النوايا والأنشطة السعودية يماثل موقف واشنطن من البرنامج النووي الباكستاني في بدايته، مشيراً إلى أن الولايات المتحدة غضّت البصر عن هذا البرنامج رغم علمها به ومعرفتها بتمويل السعودية له، واكتفت في النهاية بفرض عقوبات على باكستان لم تستمر طويلاً.

ويضيف: "ربما يتكرر هذا السيناريو الآن مع البرنامج السعودي الذي لا يزال أمامه سنوات طويلة للوصول الى مرحلة القدرة على تخصيب يكفي لإنتاج سلاح نووي".

وفي مؤشر على حدوث ذلك فعلاً، يلفت عبد الجواد إلى أن "البيت الابيض يلتزم الصمت في ظل علاقة وطيدة تربط ترامب بالزعماء السعوديين، بل يبرر للسعودية بأنها سوف تستمر في السعي إلى إنتاج وقود نووي طالما استمر البرنامج النووي الإيراني".

وحول موقف تل أبيب، يؤكد "مجلس الأمن القومي الإسرائيلي" أنه لا يمكن لإسرائيل أن تظل غير مبالية تجاه الزيادة الحاصلة في برنامج السعودية، قائلاً: "يجب على تل أبيب تحسين أدواتها الاستخباراتية الموجودة تحت تصرفها لتحقيق مراقبة أفضل لما يحدث في المجال النووي في المملكة".

ويضيف: "على إسرائيل - على الرغم من أنها تشترك في مصالح كبيرة مع السعودية- أن تعمل أيضاً على إقامة حوار مهني حول هذه القضية مع شركائها في الولايات المتحدة وأوروبا".

ويحذر التقرير من حدوث خلل في ميزان القوى، قائلاً: "في السنوات الأخيرة، تجاهلت إسرائيل إلى حد ما التعزيز العسكري لعدد من دول الخليج، ما أدى إلى تآكل تفوقها العسكري النوعي. لكن حينما يتعلق الأمر بالتطور النووي، يجب على إسرائيل الآن إعطاء الأولوية لهذه المسألة لمحاولة منع المفاجآت الاستراتيجية، حتى من شركائها الإقليميين".

وفي ناحية متصلة، يلفت الإسرائيليون إلى ضرورة إيلاء "اهتمام استخباراتي للتعاون العربي - العربي المحتمل في المجال النووي"، مشيراً إلى نجاح الإمارات مطلع الشهر الجاري في تشغيل أول مفاعل للطاقة النووية في العالم العربي، وكذلك مصر التي بدأت خطة لبناء أربعة مفاعل للطاقة النووية بمساعدة وتمويل روسيين، كما يذكر وجود مخزون يورانيوم كبير في الأردن التي وقعت مع السعودية اتفاقية للتعاون في هذا المجال.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard