أمريكا كانت تعلم أيضاً… عون ودياب حُذِّرا من خطورة شحنة النترات قبل الانفجار بأيام

الثلاثاء 11 أغسطس 202006:51 م

قبل نحو ثلاثة أسابيع، حذّر مسؤولون أمنيون لبنانيون رأسي السلطة في لبنان، رئيس الجمهورية ميشال عون ورئيس الوزراء حسان دياب، من أن وجود كميات هائلة من نترات الأمونيوم في أحد مخازن مرفأ بيروت يمثل "خطراً داهماً" وقد "يدمر العاصمة" حال انفجار تلك المواد.

تجاهلت الحكومة اللبنانية التحذير، على ما يبدو، ووقع انفجار مرفأ بيروت الذي أسقط نحو 170 قتيلاً وآلاف المصابين وعشرات المفقودين، وشرّد أكثر من 300 ألف شخص في 4 آب/ أغسطس. وسعى كل مسؤول في الدولة إلى التنصل من المسؤولية عن الحادث نافياً علمه بوجود شحنة المواد المتفجرة، خلافاً للحقيقة.

لم يصدر هذا الموقف الصادم عن الحكومة اللبنانية وحدها، إذ نفت الحكومة الأمريكية أيضاً أي علم بوجود الشحنة في المرفأ البيروتي، وهذا ما تكذبه وثيقة دبلوماسية أمريكية تؤكد تحذير مقاول متعاقد مع الجيش الأمريكي قبل أربع سنوات من خطورة تلك الشحنة.

وتزيد هذه التفاصيل الحديثة التساؤلات عمَن وراء تخزين هذه الشحنة في المرفأ، وما مدى سلطته التي اضطرت كل هذه الجهات الرسمية المحلية والدولية إلى التواطؤ ولو بالصمت وغض الطرف عن استمرار بقائها هناك برغم خطورتها؟

التحذير الأخير كان نهاية الشهر الماضي... تقرير المديرية العامة لأمن الدولة في لبنان يؤكد علم الرئيس ميشال عون ورئيس الحكومة المستقيل حسان دياب بوجود مواد قابلة للانفجار في المرفأ، وبالتحذيرات من إمكان تدميرها "بيروت كلها" حال انفجارها 

تحذير لعون ودياب قبل أيام

في تقرير من المديرية العامة لأمن الدولة في لبنان عن ملابسات انفجار المرفأ، وردت إشارة إلى رسالة وُجّهت، بالبريد الخاص، إلى عون ودياب في 20 تموز/ يوليو الماضي. لخّصت الرسالة ما توصل إليه تحقيق قضائي بدأ في كانون الثاني/ يناير الماضي، وانتهى إلى ضرورة تأمين المواد الكيماوية في المرفأ على الفور.

وذكر مسؤول أمني لبناني كبير لرويترز: "في نهاية التحقيق، أعد النائب العام (غسان) عويدات تقريراً نهائياً تم إرساله إلى السلطات". وأضاف المسؤول الذي شارك في صوغ الرسالة واشترط على الوكالة عدم نشر اسمه: "حذرتهم من أن هذا قد يدمر بيروت إذا انفجر"، مبرزاً أنه "كان هناك خطر أن تستخدم هذه المواد في هجوم إرهابي إذا سُرقت" أيضاً.

تعليقاً على ذلك، قال ممثل عن دياب الذي استقالت حكومته في 10 آب/ أغسطس، إن رئيس الوزراء المستقيل تسلم الرسالة التي بعث بها بدوره إلى مجلس الدفاع الأعلى لإبداء المشورة خلال 48 ساعة.

وأضاف: "مجلس الوزراء الحالي تلقى التقرير قبل الانفجار بـ14 يوماً وتحرك بشأنه في غضون أيام. الإدارات السابقة كان أمامها أكثر من ست سنوات ولم تفعل شيئاً".

وعقب الحادث، أكد عون لصحافيين أنه أُبلغ بوجود المواد الكيماوية، لافتاً إلى توجيهه الأمين العام لمجلس الدفاع الأعلى الذي يترأسه إلى ضرورة "إجراء اللازم".

وتابع: "المواد صار لها من 2013، وعم يقولو خطرة، وأنا لست مسؤول ولا أعرف وين محطوطة هذه المواد، ولا أعرف درجة الخطورة، وما إلّي (ليس لدي) صلاحية أتعاطى مباشرة مع المرفأ. في تراتبية لازم تعرف واجباتها وكلهم كانوا على إطلاع".

اللافت أن الرسالة التي وجّهت إلى عون ودياب تلت سلسلة من المذكرات والرسائل التي بعث بها مسؤولو المرفأ والجمارك والأمن إلى محاكم لبنانية حثوا فيها القضاة مراراً على إصدار أمر بنقل نترات الأمونيوم بعيداً عن المرفأ الحيوي. 

وأوضح تقرير أمن الدولة أن إدارة المانيفست في المرفأ، سجلت مرة كل ستة أشهر طوال السنوات الست التي قبعت فيها الشحنة داخل المخازن، طلبات كتابية لنقل الشحنة.

ولم تلق هذه الطلبات أي استجابة. وبعد الانفجار ببضعة أيام، احتُجز عدد من مسؤولي الجمارك والمرفأ في إطار التحقيق عن المسؤولية عن الحادث.

برغم خطورة المواد القابلة للاشتعال داخله… أُرسل فريق من العمال السوريين لإصلاح باب العنبر المثقوب من دون إشراف أو توجيه لحساسية عملهم، فأشعل الشرار المتطاير الحريق الذي تبعه الانفجار، تماماً كما أرسل المسؤولون طاقم الدفاع المدني إلى حتفه

اللافت جداً أن قاضياً لبنانياً عيّن عام 2015 خبيراً لتفقد الشحنة. خلص هذا الخبير إلى أن المواد المخزنة "خطيرة" واقترح عبر سلطات المرفأ نقلها إلى الجيش اللبناني.

لكن قيادة الجيش رفضت هذا الطلب، بحسب التقرير الأمني اللبناني، وأوصت عوضاً عن ذلك بنقل المواد الكيماوية أو بيعها إلى الشركة اللبنانية للمتفجرات وهي شركة خاصة.

ويرجح أن الجيش رفض الشحنة لعدم حاجته إليها.

كيف وقع الحادث؟

وفي كانون الثاني/ يناير عام 2020، أمر القاضي غسان عويدات بإجراء تحقيق رسمي عقب اكتشاف عدم وجود حراسة على العنبر 12 الذي يحوي الشحنة الخطيرة، علاوةً على وجود فجوة في حائطه الجنوبي وخلع أحد أبوابه.

في تقريره النهائي، أمر عويدات فوراً بتأمين أبواب العنبر ومعالجة الفتحة في جداره وتوفير الحراسة عليه. استجابة لهذه التوجيهات، أصدر جهاز أمن الدولة، في 4 حزيران/ يونيو الماضي، تعليمات لسلطات المرفأ بتوفير حراسة للعنبر ومدير له وتأمين جميع أبوابه وسد الفتحة في حائطه. 

بعد ذلك، "بُدئَت الصيانة وأرسلت (سلطات المرفأ) فريقاً من العمال السوريين (لكن) لم يكن هناك من يشرف عليهم عندما دخلوا لإصلاح الفجوات"، بحسب مسؤول أمني.

حينذاك، تطايرت شرار من أعمال اللحام خلال الإصلاح وأشعلت حريقاً، وبدأت النيران في الانتشار. وقال مسؤول لبناني آخر: "نتيجة تخزين مفرقعات في العنبر نفسه، اندلع بعد ساعة حريق كبير وامتد إلى المادة التي انفجرت عندما تجاوزت الحرارة 210 درجات".

وأرجع المسؤول اللبناني ما حدث إلى سلطات الميناء بسبب عدم الإشراف على فريق الإصلاح وتخزين المفرقعات بجانب كمية كبيرة من المواد الشديدة الانفجار. وألمح إلى أن "أثر الانفجار كان مخففاً لأن العنبر يواجه البحر. ولولا ذلك لدُمرت بيروت. سبب ما حدث هو الإهمال وعدم الإحساس بالمسؤولية وسوء التخزين وسوء التقدير".

"أمر صادم جداً"… مقاول أمريكي أبلغ السلطات في واشنطن بوجود شحنة مواد كيميائية قابلة للانفجار مخزنة بشكل "غير آمن" في مرفأ بيروت عام 2016. لماذا غضت الطرف إذاً؟ ولماذا زعمت بعد الانفجار عدم علمها بالأمر؟

الحكومة الأمريكية تجاهلت التحذيرات كذلك

وحصلت صحيفة "نيويورك تايمز" الأمريكية على وثيقة دبلوماسية تثبت أن الحكومة الأمريكية كانت على علم هي أيضاً، منذ أربعة أعوام على الأقل، بمواد خطرة مخزنة بشكل غير آمن في مرفأ بيروت.

وذكرت الصحيفة أن مقاولاً متعاقداً مع الجيش الأمريكي أبلغ السلطات في واشنطن، عام 2016، برصد مخبأ كبير للمواد الكيماوية القابلة للانفجار أثناء تفقده الميناء.

وأضافت: "ربما الولايات المتحدة كانت على علم بالمواد الكيماوية ولم تحذر أحداً. لذا صدمت وأغضبت دبلوماسيين غربيين فقدوا اثنين من زملائهم في الانفجار وشاهدوا العديد من الجرحى".

ولقيت زوجة السفير الهولندي في لبنان حتفها عقب إصابتها البالغة في الانفجار. كذلك قضى ضابط قنصلي ألماني في الانفجار نفسه. وتعرّضت السفارتان البريطانية والفرنسية لأضرار، وتحطمت النوافذ في القصر الذي يعيش فيه السفير الفرنسي جراء الحادث.

وقال دبلوماسي غربي، اشترط عدم الكشف عن هويته، لـ"نيويورك تايمز": "إذا تأكد ذلك، فسيكون الأمر صادماً للغاية على أقل تقدير".

وكانت السفارة الأمريكية في بيروت قد كشفت عن الوثيقة التي اعتبرت "حساسة لكن غير سرية"، في 7 آب/ أغسطس، والتي تبيّن أن المسؤولين اللبنانيين كانوا على علم بوجود الشحنة في مرفأ بيروت، وتشير إلى تحذير خبير الموانئ الأمريكي سلطات المرفأ من "التخزين غير الآمن" لهذه المواد.

في الوقت نفسه لفت دبلوماسيون إلى أن واشنطن ربما كانت غير قادرة على دفع الحكومة اللبنانية إلى نقل تلك المواد من المرفأ.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard