عقب استقالة الحكومة… لبنانيون عازمون على "محاسبة الجميع" ويرفضون "إعادة تدوير" الحريري

الثلاثاء 11 أغسطس 202001:10 م

صباح جديد أشرق على لبنان بلا حكومة للمرة الثانية في أقل من عام عقب تقديم رئيس الوزراء حسان دياب استقالته، مساء 10 آب/ أغسطس، رضوخاً للغضب والرفض الشعبيين المستمرين منذ وقوع حادث انفجار مرفأ بيروت قبل ستة أيام، وللضغط  الدولي. 

ومع إعلان نتائج التحقيق الأولي للجنة المكلفة تحري ملابسات انفجار المرفأ وإحالته إلى النيابة العسكرية والمجلس العدلي لمتابعته، اعترف دياب في خطاب استقالته بأن "منظومة الفساد أكبر من الدولة… انفجار بيروت أحد نماذج الفساد"، معلناً عجز حكومته عن التخلص من هذا الفساد.

بالتزامن مع خطاب دياب، كانت القوى الأمنية تحاول تفرقة المتظاهرين في وسط بيروت بكميات هائلة من القنابل المسيلة للدموع في ظل انتشار كثيف لوحدات الجيش وقوات مكافحة الشغب. ودلّ موقف المتظاهرين على أن "استقالة الحكومة ليست كافية" وأنهم عازمون هذه المرة على التخلص من النظام الحالي كله.

وقالت الصحافية ديانا مقلد: "المنظومة نفسها التي جلبت حسان دياب تحاول اليوم إلباسه وحده المسؤولية"، مبرزةً أن "سقوط الحكومة خطوة صغيرة لا قيمة لها من دون قلع الطاقم السياسي كله".

ويؤمن غالبية اللبنانيين بأن رحيل العهد ممثلاً في الرئيس ميشال عون، ثم المجلس النيابي برئاسته وتشكيلته الحالية، أحد أهم عناصر التغيير. ويرى مواطنون أن التغيير الحقيقي لن يتحقق إلا بتعديل القوانين ليصبح الاقتراع النيابي والمحاصصة الحكومية "خارج القيد الطائفي".

وشدد ناشطون على أهمية ألا تكون الاستقالة وسيلة "للتستر على القتلة والمسؤولين عن انفجار مرفأ بيروت". وطالبوا بتحقيق دولي شفاف.

عقب خطاب الـ"هم" والـ"هؤلاء"... لبنانيون يرون استقالة الحكومة مجرد خطوة أولى نحو التغيير المنشود، ويشترطون سقوط عون وبري ومحاسبة الجميع وسن قوانين "غير طائفية" لاكتمال التغيير

كبش فداء؟

في مقلب آخر، سعى فريق من اللبنانيين إلى تصوير دياب بأنه كان "كبش فداء" للرؤوس الكبيرة للفساد بعدما نهبت لبنان طوال عدة سنوات، في محاولة لتخفيف مسؤوليته ومسؤولية حكومته عن الانفجار الأخير الذي قالوا إن الحكومات المتعاقبة منذ ست سنوات تتشارك في المسؤولية عنه، ورأوا أن "التحالف الحاكم ضحى بدياب لتهدئة الغضب الداخلي والخارجي" إزاء ما يحصل في البلاد. 

وأشار آخرون إلى أنه بينما سقطت حكومة سعد الحريري إثر انتفاضة 17 تشرين الأول/ أكتوبر الماضي، بأيدي الشعب المنتفض، كان سقوط حكومة دياب نتاج "تناقضات السلطة"، لا سيما أن ذلك وافق هوى لدى رئيس مجلس النواب نبيه بري وزعيم الدروز رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط.

ورأى مغردون أن "دياب ليس ضحية. الشعب اللبناني وحده هو الضحية"، لافتين إلى أنه "رضي بحمل وسخ السلطة" وورث عن طيب خاطر "موبقاتها".

خطاب الـ‘هم‘ والـ‘هؤلاء‘

في خطاب استقالته، قال دياب: "لا نزال نعيش هول المأساة التي ضربت لبنان وأصابت اللبنانيين في الصميم والتي حصلت نتيجة فساد مزمن في الإدارة. حجم المأساة أكبر من أن يوصف، ولكن البعض يعيش في زمن آخر والبعض لا يهمه سوى تسجيل النقاط الشعبوية الانتخابية".

"الشعب اللبناني وحده الضحية"... لبنانيون يرفضون محاولة تصوير حسان دياب "كبش فداء" لنظام فاسد، ويؤكدون: "رضي بحمل وسخ السلطة" وورث عن طيب خاطر "موبقاتها"

واستمر في إلقاء اللوم على مَن لم يذكرهم في "الاستمرار في حساباتهم" و"تمييع مطالب اللبنانيين بالتغيير" و"تزوير الحقائق" و"المقاومة بكل الأساليب الوسخة للحفاظ على الدولة والتحكم بها"، متمادياً في شرح بطولة حكومته في مقاومة هؤلاء بـ"شراسة وشرف في معركة غير متكافئة".

وزعم أن "كل ما يهمنا هو إنقاذ البلد"، وأن الوزراء "تحملوا الكثير وكانوا يريدون العمل". كما رد على "محاولات تحميل الحكومة مسؤولية الانهيار والدين العام" بالمثل الشعبي: "اللي استحوا ماتوا"، مشيراً إلى أن حكومته "بذلت جهداً لوضع خريطة طريق" وأن "كل وزير بذل أقصى ما عنده".

وعاب لبنانيون على دياب "عجزه عن فضح الـ‘هم‘ والـ‘هؤلاء‘" الذين دأب على لومهم في خطبه كلها، معتبرين أنه "بكل وقاحة، يريد أن يوحي أنه يستقيل بملء إرادته، وإيماناً بمسؤوليته تجاه الشعب، فيكون المغلوب على أمره"، ومشددين على ضرورة محاسبته ومحاسبة بقية أركان النظام.

تخويف ومستقبل "صعب التكهن به"

فيما زعم البعض أن استقالة الحكومة قد "ترمي بلبنان إلى المجهول" و"تزيد الوضع بؤساً"، كتب الناشط والصحافي محمد نزّال: "لا تخافوا. لن يحصل لنا أكثر. لقد فعلوا بنا كلّ شيء. لا تخافوا التهويل مما سيأتي ويحصل. عشنا كلّ شيء سابقاً. يا أهلي، الناس كلّكم، لا تخافوا. على أحد جدران بيروت كتب أحدهم: ‘سنخلع خوفنا ونمشي حفاة إلى الشمس‘".

وسط ترقب لمستقبل "غير واضح المعالم"... لبنانيون لا يخشون الفراغ ويقولون إنه "لن يحدث أسوأ مما حدث"، في ظل رفض حاسم لـ"إعادة تدوير النظام" بتكليف الحريري ترؤس الحكومة 

وتخوّف لبنانيون من أن تكون الحكومة المقبلة محصورة بالحريري أو بمن يسميه هو رئيساً للوزراء أو "دياب آخر"، في إشارة إلى واجهة صورية لحكم من هم أكثر نفوذاً، ربما مثل جماعة حزب الله الشيعية المسلحة أو تيار العهد العوني. غير أن آخرين ردوا أن "المعادلة تغيرت بالتأكيد" عقب سقوط 200 شخص وجرح عدة آلاف وتشريد أكثر من 300 ألف في انفجار بيروت.

ربما هذا ما جعل مواطنين يستعيدون شعار "سعد سعد ما تحلم فيها بعد". وكثيراً ما يطرح اسم الحريري، الذي يحظى بشعبية لدى شريحة من اللبنانيين السنة وتأييد من دار الفتوى وعلاقات دولية مميزة، خياراً أول لتشكيل الحكومة في مواقف كهذه.

ويبدو أن الثائرين على عجز الحكومات المتتالية عن تحقيق أي تحسن على الصعيد السياسي أو الاجتماعي أو الاقتصادي، ماضون هذه المرة في رفض "إعادة تدوير النظام نفسه". وتعرض موكب الحريري للرشق بزجاجات المياه من قبل متظاهرين في بيروت قبل بضعة أيام. 

وأجمع ناشطون ومعلقون كثر على أن لبنان في مرحلة من الصعب توقع ما ستحمله الأيام المطلة، وأن المستقبل لن يتحدد وفق قواعد اللعبة السياسية الداخلية أو المشهد الشعبي فحسب، إذ قد تضطلع قوى خارجية، مثل الولايات المتحدة التي يزور مساعد وزير خارجيتها ديفيد هيل البلاد خلال أيام، بدور حيوي.

ويحتاج لبنان إلى دعم المانحين الأجانب للتغلب على الأضرار التي لحقت به جراء انفجار المرفأ، والتي تتجاوز عدة مليارات من الدولارات في وقت يعاني أسوأ انهيار اقتصادي في تاريخه الحديث.

وفي 9 آب/ أغسطس، اختُتم مؤتمر طارئ للمانحين الدوليين للبنان بتقديم مساعدات عاجلة، مقدارها نحو 298 مليون دولار أمريكي، واشترطت الدول المانحة "الشفافية في توزيع المساعدات" في ظل الاتهامات المتزايدة للسلطة اللبنانية بـ"الفساد والنهب".
إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard