بين طلاب انتداب وطلاب هجرة... لماذا لا يرضى العرب عن أوطانهم؟

الثلاثاء 11 أغسطس 202011:10 ص

الرغبة في إحضار الغرب إلى دولنا منتدِباً لا يختلف كثيراً عن الرغبة في الذهاب إليه مُهاجرين. الأولى رغبة في خلاص جَماعي، والثانية رغبة في خلاص فَردي. والغرب، يظلُ في الحالتين، مقصوداً لذاته. إليه الملجأ، وعليه المصير.

في خطوة رمزية عبّروا فيها عن يأسهم من التغيير، وقّع آلاف اللبنانيين عريضة تُطالب بعودة الاحتلال الفرنسي لبلدهم، تزامناً مع زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، إلى بيروت، عقب انفجار المرفأ الذي دمّر قسماً كبيراً من العاصمة اللبنانية وخلّف مئات الضحايا بين قتلى وجرحى، وشرّد عشرات الآلاف.

مشهد آخر جرى عام 2003، حين زارَ الرئيس الفرنسي السابق، جاك شيراك، الجزائر. استقبله أكثر من مليون جزائري، هناك، في البلد الذي قدّم مليون شهيد للتخلص من استعمار أسلافه. يومها هتف بعضهم أمام شيراك "فيزا فيزا"، طالبين منه تسهيل إعطائهم تصاريح مرور للعيش في فرنسا، فراراً من بلدهم المُحَرّر المستقل.

وفي مصر، سجل عام 2018 أعلى معدلات طلب الهجرة إلى الولايات المتحدة، بتقديم نحو مليون وثلاثمئة ألف شخص طلبات إلى برنامج الهجرة العشوائي، أو ما يعرف بـ"قرعة الغرين كارد"، وفق ما كشفت عنه الخارجية الأمريكية.

هذه بعض الأرقام المُعلنة. أيضاً، عشرات الآلاف من العرب يجازفون بحياتهم عبر البحار، على قوارب هروب متهالكة، رغبة منهم في الوصول إلى القسم الشمالي من المتوسط، وفراراً من قسمه الجنوبي، بل إن حكومات عربية، تُساوم الأوروبيين، علناً، بورقة بوابات الهجرة غير الشرعية.

لا يُفسّر الرغبة شبه العارمة التي حَدَت وتحدو بآلاف أو ملايين الشباب العربي لهجرة بلادهم، أو طلب الانتداب عليها، إلا شيء واحد هو عجز الدولة العربية في حقبة ما بعد الاستعمار عن أن تكون دولة "حديثة"، تُلبّي طموحاتهم، وتُحقق أمانيهم وآمالهم

لا يُفسّر هذه الرغبة شبه العارمة التي حَدَت وتحدو بآلاف أو ملايين الشباب العربي لهجرة بلادهم، أو طلب الانتداب عليها، إلا شيء واحد هو عجز الدولة العربية في حقبة ما بعد الاستعمار عن أن تكون دولة "حديثة"، تُلبّي طموحاتهم، وتُحقق أمانيهم وآمالهم.

تلك نقطة البدء في سبب المحنة العربية الراهنة. فرغم كل ما ينخر في جسد مجتمعاتنا من عيوب ثقافية، تظل الدولة نفسها، وليس المجتمع، أصل الداء.

فالدولة العربية ما بعد الاستعمار، وفق ما ذهب إليه الدكتور برهان غليون في كتابه "المحنة العربية/ الدولة ضد الأمة"، صارت دولة ضد شعبها، وسلطة لا تعيش إلا بتفكيك مجتمعها، وإخضاع قواه الحية، وقهرها، وأضحت بحكم التكوين أولاً، والسياق الذي سارت فيه ثانياً، مفروضةً عليه، لا نابعة منه.

الرغبة في إحضار الغرب إلى دولنا منتدِباً لا يختلف كثيراً عن الرغبة في الذهاب إليه مُهاجرين. الأولى رغبة في خلاص جَماعي، والثانية رغبة في خلاص فَردي. والغرب، يظلُ في الحالتين، مقصوداً لذاته. إليه الملجأ، وعليه المصير

تحوّلت دولة ما بعد الاستعمار إلى أكبر آلة استلاب وعنف عرفتها المجتمعات العربية في تاريخها، وأضحت السياسية، في ظلها، عبادة لها، وتسبيح بحمدها. وبمرور الزمن، تحوّلت من دولة نشأت لاستكمال تحرير المجتمع إلى أداة استلابه الرئيسة، وصار المجتمع رهينةً لها بقدر ما وضع المجتمع رهانه عليها.

ثمة خصام هائل ماثل في دولنا العربية بين الحكام والمحكومين، حتى أن الرئيس الفرنسي، في زيارته لبيروت، ميّز، غير مرة، في كلامه، بين الشعب والسلطة. وفي حين تحدث عن ألم المحكومين، لمّح إلى فساد الحاكمين، ولا أدلّ على ذلك إلا قوله إن المساعدات لن تذهب إليهم.

هذا العجز عن القيام بدور الدولة هو، بالضبط، ما دفع الملايين، قبل عقد من الزمان، للخروج إلى الشوارع، في ثورات الربيع العربي، طلباً لتقوم الدولة بدور الدولة، بوظائفها، لتصبح دولة تَحكم بالقانون، وتحقق الأمن، وتؤمن فرص التقدم الاقتصادي، وتوفر فرص العيش، والعمل، والتعليم والصحة، والمرافق، وأوجزوا مطالبهم في كلمات ثلاث: عيش وحرية وعدالة.

وصحيح أن الربيع هُزم، وحل محله خَريف قاتم، لكنّ الصحيح أيضاً أن أسباب قيامة الربيع لا تزال ماثلة، ولا زال طيفه حلماً يُراود الجميع، فيسعى إلى تحقيقه مواربةً بالهجرة أو بطلب الانتداب.

وفي حين أن الهجرة قد تصلح طريقاً للخلاص الفردي، تحيل رمزية طلب الانتداب إلى التوق إلى خلاص جماعي. ولكن حركة الزمان لا تدور إلى الوراء، حتى وإنْ رغبنا فيها، وعجلة التاريخ تسير إلى الأمام، مهما بدا العكس.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard