من "أورشليم" إلى الانشقاق العظيم... كيف أثّرت المجامع المسكونية الكبرى على مسيحيي الشرق؟

السبت 5 سبتمبر 202011:18 ص

من المعروف أن العقائد المسيحية مرّت بالعديد من التطورات والتحولات على مر القرون، وهو الأمر الذي تزامن مع انعقاد الكثير من المجامع المسكونية المقدسة، تلك التي نوقشت فيها المسائل اللاهوتية الدينية، وشهدت إصدار أهم القرارات المصيرية في تاريخ المسيحية.

في كل مجمع، كان أقطاب الدين المسيحي يحضرون من شتى أنحاء العالم، بمباركة من السلطة الحاكمة، فيتناقشون في أمر البدع والهرطقات الطارئة والمستجدة، وهو ما نتج عنه وقوع مجموعة من التحولات الطائفية الكبرى بين المسيحيين الشرقيين.

"أورشليم"... فتح الباب أمام التوسع المسيحي

يُعّد مجلس أورشليم الذي انعقد عام 50 تقريباً، المجمع الأول في التاريخ المسيحي، وحضرته مجموعة كبيرة من الرسل على رأسهم بطرس ويعقوب وبولس ويوحنا. تمثلت الإشكالية الرئيسة التي أثيرت في هذا المجمع في تحديد شروط التبشير بالمسيحية في الأمم الوثنية، غير اليهودية.

يمكن القول إن المجمع شهد اتجاهين متمايزين في ما يخص تلك المسألة. الاتجاه الأول تمثّل في مجموعة من الرسل المسيحيين من ذوي الأصول اليهودية، والذين مالوا لنشر المسيحية بين اليهود، وإلزام الأمم الوثنية بالتحول لليهودية أولاً، قُبيل اعتناقها للمسيحية، بما يعني ضرورة التمسك بالشريعة الموسوية، والالتزام الكامل بتطبيق الطقوس اليهودية، والتي يقف الختان على رأسها.

أما الاتجاه الثاني، والذي تزعمه بولس، فقد همّش من أهمية الشريعة والطقوس اليهودية، ولم يُلزم الوثنيين المتحولين للمسيحية بالختان، وفي هذا المعنى ورد قول بولس في رسالته إلى أهل غلاطية: "فإنكم جميعاً وقد اعتمدتم في المسيح فقد لبستم المسيح، فليس هناك يهودي ولا يوناني".

المجمع استقر في النهاية على تأييد رأي بولس، ولم يلزم الوثنيين المتحولين إلى المسيحية إلا ببعض الشعائر اليهودية البسيطة، وهي عدم تقديم الأضاحي للأصنام، والامتناع عن أكل لحوم الحيوانات النافقة، والتوقف عن الزنى، وذلك بحسب ما ورد في سفر أعمال الرسل.

أهمية هذا المجمع تتمثل بالمقام الأول في فتح الباب أمام المسيحية لتصبح ديناً عالمياً، عوضاً عن تقوقعها داخل الحيّز اليهودي المحدود، إذ أُطلقت يد الرسل في الكرازة في جميع الأمم، وهو ما أسفر عن خروج المسيحية من فلسطين اليهودية، لتتمدد في البلاد المجاورة، مثل مصر وبلاد الشام والحبشة، وكذلك لتصل إلى أوروبا من خلال المدن اليونانية والإيطالية.

"نيقية" و"صور"... انحسار الأريوسية وانتقالها للغرب

في عام 313، أصدر الإمبراطور قسطنطين الأول مرسوم ميلان، والذي أعلن فيه عن حياد الإمبراطورية الرومانية في ما يخص الدين والعبادة، وهو الأمر الذي سمح للمسيحية بأن تصبح إحدى الأديان الرسمية المعترف بها من قبل الدولة، فتخلص المسيحيون بذلك من حقبة طويلة من الاضطهاد الذي مارسته السلطة الرومانية بحقهم.

المسيحية في تلك الفترة لم تعرف الضوابط العقائدية الدقيقة التي تحدد شكل الإيمان والتصور الرسمي لطبيعة السيد المسيح، وهو الأمر الذي تسبب في ظهور العشرات من الطوائف والفرق المسيحية.

الإمبراطور قسطنطين الأول

واحدة من أهم تلك الطوائف، كانت تلك التي عُرفت بالأريوسية –نسبة إلى رجل الدين أريوس السكندري- وقد انتشرت تلك الطائفة في مصر وبلاد الشام وشمال إفريقيا، فضلاً عن بعض مدن الأناضول كنيقوميديا. وكانت تؤمن أن المسيح ليس مساوياً للآب في الجوهر، فهو –أي المسيح- مخلوق، وإن كان هو الذي خلق العالم والموجودات.

في الإسكندرية، ظهرت حركة مضادة قوية للأريوسية، وتزعمها كل من ألكسندروس، البابا التاسع عشر من باباوات الإسكندرية، وتلميذه أثناسيوس، رئيس الأساقفة –والذي سيصبح في ما بعد البابا رقم عشرين للكنيسة-، وكانا يؤكدان على أن المسيح مساوي للآب في جوهره، وأن له طبيعة لاهوتية كاملة.

مجلس أورشليم الذي انعقد عام 50 تقريباً هو المجمع الأول في التاريخ المسيحي، وحضرته مجموعة من الرسل على رأسهم بطرس ويعقوب وبولس ويوحنا. تمثلت الإشكالية الرئيسة فيه بتحديد شروط التبشير بالمسيحية في الأمم الوثنية، غير اليهودية

عرف الإمبراطور الخطر الشديد الذي قد يهدد دولته من جراء التوسع في الخلاف بين أريوس وألكسندروس، فأوفد من قبله أسقف قرطبة القديس أوسيوس لمقابلة الرجلين ومحاولة التقريب بين وجهتي نظريهما، ولكن لما باءت جهوده بالفشل، دعا قسطنطين الأول ما يزيد عن الثلاثمائة أسقف من شتى مناطق الإمبراطورية الرومانية عام 325، لعقد مجمع مسكوني –عالمي- في مدينة نيقية، لحسم ذلك الجدل.

بعد عقد العديد من المناظرات بين أريوس وأثناسيوس، اتفق المجمع على اتباع رأي أثناسيوس، وتم حرمان أريوس وعزله من منصبه الكنسي، وجرى الاتفاق على وضع صيغة معينة للإيمان، وهي التي عُرفت في ما بعد باسم الإيمان النيقاوي.

وجاء فيه: "نؤمن بإله واحد، الأب ضابط الكل وخالق السماء والأرض وكل ما يُرَى وما لا يرى، وبرب واحد يسوع المسيح، ابن الله الوحيد، المولود من الأب قبل كل الدهور، إله من إله، نور من نور، إله حق من إله حق، مولود غير مخلوق، مساوي الأب في الجوهر، الذي على يده صار كل شيء، الذي من أجلنا نحن البشر، ومن أجل خلاصنا، نزل من السماء وتجسّد من الروح القدس، وولد من مريم العذراء، وصار إنساناً، وصلب عوضنا في عهد بيلاطس البنطي، تألم ومات ودفن، وقام في اليوم الثالث كما في الكتب، وصعد إلى السماء وجلس على يمين الله الأب، وأيضا سيأتي بمجده العظيم، ليدين الأحياء والأموات، الذي ليس لملكه انقضاء"، وذلك بحسب ما ورد في كتاب "المجامع المسكونية الثلاثة وأبطالها" للقمص لوقا الأنطوني.

وعلى هامش تلك الأحداث، ناقش المجمع بعض القضايا الفرعية المتعلقة بمكانة الكنائس المسيحية، فتم إقرار سلطة بابا الإسكندرية على مصر وليبيا، وكذلك جرى الاعتراف بأهمية كنيسة أنطاكية وأسقفية أورشليم.

بعد فترة قصيرة من انتهاء وقائع المجمع، تمكن بعض الأريوسيين من التواصل مع قسطنطين، وأقنعوه بأن يلغي قرارات مجمع نيقية، وأن يعود أريوس إلى منصبه الكنسي، وهو الأمر الذي رفضه أثناسيوس وأدى ذلك لانعقاد مجمع صور في 335، وعلى إثره تم نفي أثناسيوس إلى فرنسا، وأُطلقت يد الأريوسيين في الجهة الشرقية من الإمبراطورية الرومانية.

ظلّ الأمر على هذا الوضع حتى توفي قسطنطين الأول عام 337، ليتمكن بعدها أتباع أثناسيوس من استعادة سيطرتهم ونفوذهم شيئاً فشيئاً، بل وتمكنوا من كسب أرض جديدة لهم بعدما عيّنوا أسقفاً من قبلهم في أثيوبيا، ليتعاظم نفوذ كنيسة الإسكندرية في القرن الأفريقي، بينما توارت الأريوسية من الولايات الشرقية وانتقلت إلى الغرب الأوروبي.

"أفسوس"... النسطورية في العراق وبلاد فارس

رغم تعرّض الكنيسة لهزة عنيفة جديدة عام 381، وذلك بالتزامن مع انعقاد مجمع القسطنطينية الذي نوقشت فيه أفكار البطريرك مكدونيوس الداعية للقول بخلق الروح القدس، إلا أن المشكلة سرعان ما تلاشت بعدما اتفق الأساقفة في المجمع على رفض أفكار مكدونيوس وخلعه من منصبه الكنسي. كما تم الاتفاق على إعادة صياغة قانون الإيمان، ليضاف إليه المقطع الآتي: "ونؤمن بالروح القدس، الرب المحيي، المنبثق من الأب، ومع الأب والابن، يُسجَد له ويُمجد، الناطق بالأنبياء، وبكنيسة واحدة جامعة مقدسة رسولية، نقرُّ ونعترف بمعمودية واحدة لمغفرة الخطايا، وننتظر قيامة الموتى وحياة جديدة في العالم العتيد".

الأمر المهم برز في قيام مجمع القسطنطينية بإعادة ترتيب الكنائس المعروفة في العالم المسيحي، فأعطى المرتبة الأولى لروما، ثم منح المرتبة الثانية للقسطنطينية، أما كنيسة الإسكندرية فجاءت في المرتبة الثالثة ومن بعدها كنيسة أنطاكية.

وأكد المجمع على رفض تجاوز أي كنيسة لحدود سلطتها الجغرافية، وهو الأمر الذي أغضب بابا الإسكندرية تيموثيئوس الأول لشعوره بأن قرارات المجمع موجهة بشكل مباشر ضد كنيسته، وذلك حسب ما يذكر القمص كيرلس الأنطوني في كتابه "عصر المجامع".

الصدام بين كنيستي الإسكندرية والقسطنطينية ظهر بشكل أكثر وضوحاً في مجمع أفسوس عام 431، والذي انعقد لمناقشة أفكار نسطور، بطريرك القسطنطينية، والتي تذهب إلى أن المسيح كانت له طبيعتان منفصلتان، كإنسان وإله، ومن هنا لا يمكن أن نطلق على العذراء، اسم ثيوتوكوس/ أم الإله، بل يجب أن تسمى بكريستوكوس/ أم المسيح، لأن المسيح في لحظة الولادة كان بطبيعته الناسوتية لا اللاهوتية.

مجمع أفسوس

بابا الإسكندرية كيرلس الأول، والمعروف بعمود الدين، تصدى لآراء نسطور وحلفائه في كنيسة أنطاكية، فترأس مجمع أفسوس الذي دعا الإمبراطور ثيودسيوس الصغير لانعقاده، واتفق المجتمعون على خلع نسطور ثم نفيه لصعيد مصر.

مرّت العقائد المسيحية بتحولات عبر القرون، تزامنت مع انعقاد المجامع المسكونية المقدسة التي أصدرت قرارات مصيرية... إلى كل مجمع، حضر أقطاب المسيحية من أنحاء العالم، بمباركة السلطة الحاكمة، ليناقشوا البدع الطارئة، الأمر الذي نتج عنه تحولات كبرى بين المسيحيين الشرقيين

هزيمة نسطور وأتباعه في مجمع أفسوس، ترتب عليها نتائج في غاية الأهمية والخطورة فيما يخص توزيع الطوائف المسيحية في منطقة الشرق الأدنى القديم، ذلك أن النساطرة المنتشرين في أنطاكية والرها وبلاد الشام اضطروا للانتقال شرقاً فراراً من الملاحقة البيزنطية، وأسفر ذلك عن نشر النسطورية في العراق وبلاد فارس وبعض أنحاء شبه الجزيرة العربية.

هذا التغير المذهبي تم استغلاله سياسياً من قبل ملوك الفرس الساسانيين الذين دخلوا في حروب طويلة ضد الإمبراطورية البيزنطية، لتأخذ الحرب صبغة دينية، ومن هنا نجد أن كنيسة المشرق في العراق تحولت شيئاً فشيئاً للنسطورية، وصار كبيرها المعروف بلقب "جاثليق بابل"، صاحب سلطة واسعة في بلاد العراق وفارس، واستقل بالسلطة الدينية الكهنوتية عن بطاركة أنطاكية والقسطنطينية.

"خلقيدونية"... الانفصال الأهم

بعد انتهاء مجمع أفسوس، ظهر خلاف جديد بين المسيحيين حول طبيعة المسيح، وهو ذلك الذي يُنسب إلى أوطيخا/ أوطاخي، وكان رئيساً لأحد الأديرة في القسطنطينية.

عقيدة أوطيخا كانت بمثابة رد فعل على عقيدة نسطوريوس، فإذا كان الثاني قال بوجود طبيعتين منفصلتين للمسيح، فإن الأول ذهب إلى أن ناسوت المسيح ذاب في لاهوته "مثلما تذوب نقطة الخل في المحيط"، وهو ما يعني أن الطبيعتين امتزجتا معاً في طبيعة واحدة.

ما قاله أوطيخا أثار ردود أفعال قوية في شتى أنحاء العالم المسيحي، وسرعان ما تأسست تحالفات قوية بين مراكز القوى المسيحية ضد بعضها البعض، وكان أبرز تلك التحالفات ذاك الذي انعقد بين الإمبراطور البيزنطي ماركيان وزوجته بوليكاريا وبابا روما ليون الأول من جهة ضد كنيسة الإسكندرية من جهة أخرى.

عقد بابا الإسكندرية ديسقورس مجمعاً في الإسكندرية، وقام بتبرئة أوطيخا، كما حرم ليون بابا روما، بتهمة مساندته للنساطرة، وهو الأمر الذي رد عليه الإمبراطور بالدعوة لعقد مجمع مسكوني في خلقيدونية عام 451، وحشد فيه مجموعة كبيرة من رجال الدين المساندين لبابا روما، وتم توجيه بعض التهم لديسقورس.

وبحسب ما يذكر الأنبا يوأنس في كتابه "مذكرات في تاريخ الكنيسة القبطية بعد مجمع خلقيدونية"، فإن ديسقورس رفض تلك الاتهامات واعترض على تدخل الإمبراطور في المسائل اللاهوتية. وكان مما قاله له: "القيصر لا يلزمه البحث فى هذه الأمور الدقيقة بل ينبغي أن يشتغل بأمور مملكته وتدبيرها، ويدع الكهنة يبحثون عن الأمانة المستقيمة فإنهم يعرفون الكتب، وخير له أن لا يميل مع الهوى ولا يتبع غير الحق".

وبعد الكثير من الجلسات، قرر المجمع حرم ديسقورس وعزله ونفيه، وهو الأمر الذي أغضب كنيسة الإسكندرية ومعها مجموعة من الكنائس الشرقية، خصوصاً بعدما أُهين ديسقورس وتعرض للضرب والتنكيل به.

عام 1054، وعلى إثر محاولة بابوية فاشلة للحصول على الدعم البيزنطي ضد اللمبارديين في إيطاليا، وقع الشقاق النهائي بين كنيستي روما والقسطنطينية، وأصدرت السلطات الكنسية في كل جهة قراراً بحرم الجهة المقابلة. 

بمرور الوقت، وقعت القطيعة التامة بين الكنائس التي اعترفت بنتائج مجمع خلقدونية، وهي كنيستي روما والقسطنطينية، والتي عُرفت باسم الكنائس الخلقيدونية من جهة، والكنائس التي لم تعترف بنتائج هذا المجمع، وتتمثل في الكنيسة القبطية، وكنيسة أنطاكية، وكنيسة أورشليم، ومجموعة من كنائس آسيا الصغرى، والكنيسة الأثيوبية التي عُرفت باسم الكنائس اللاخلقيدونية، من جهة أخرى، وذلك حسب ما يذكر حنا جرجس الخضري في كتابه "تاريخ الفكر المسيحي".

الانشقاق العظيم… الأرثوذكسية مقابل الكاثوليكية

إذا كانت كنيستا روما والقسطنطينية قد خرجتا متحدتين من مجمع خلقيدونية، فإن العديد من عوامل التنافس والصراع نشأت في ما بينهما على مر السنوات التي أعقبت هذا المجمع.

أهم تلك العوامل كانت رغبة باباوات روما في فرض سيادتهم المطلقة على جميع الكنائس الخلقيدونية، وتضارب مصالح البابوية مع الإمبراطورية البيزنطية في جنوب إيطاليا، هذا فضلاً عن بعض الخلافات حول الطقوس والشعائر والأسرار الكنسية، ورغبة كنيسة روما في تعديل الجزء الخاص بالروح القدس في قانون الإيمان النيقاوي: "نعم نؤمن بالروح القدس، الرب المحيي المنبثق من الآب..."، لتصبح "المنبثق من الآب والابن...".

 عام 1054، وعلى إثر محاولة بابوية فاشلة للحصول على الدعم البيزنطي ضد اللمبارديين في إيطاليا، وقع الشقاق النهائي بين كنيستي روما والقسطنطينية، وأصدرت السلطات الكنسية في كل جهة قراراً بحرم الجهة المقابلة، ليسدل الستار على التحالف الذي تمكن من الصمود لما يزيد عن الخمسة قرون.

هذا الشقاق ألقى بظلاله أيضاً على المسيحيين في الشرق الأدنى، إذ عُرف أتباع كنيسة القسطنطينية باسم "الروم الأرثوذكس"، وصارت لهم مراكز معترف بها في الإسكندرية وأنطاكية وأورشليم، ومن جهة أخرى يمكن القول إن هوة الخلاف بين أتباع كنيسة القسطنطينية وأتباع الكنائس اللاخلقيدونية ضاقت إلى حد كبير، بعدما أُطلق عليهم جميعاً اسم الأرثوذكس، تمييزاً لهم عن المسيحيين اللاتينيين الغربيين التابعين لكنيسة روما، والذين عُرفوا باسم الكاثوليك.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard