"كانت المسيحية هناك ومن حقنا استرجاعها"... قصص بعثات التبشير في الجزيرة العربية

الأحد 15 ديسمبر 201901:23 م
Read in English:

Will Christian Missionaries Return to the Arabian Peninsula?

مطلع عام 1889، اجتمع شبان أمريكيون بروتستانت في إحدى كنائس مدينة نيو برونزويك في ولاية نيوجيرسي، واتفقوا على تأسيس منظمة للتبشير بالمسيحية في منطقة الخليج والجزيرة العربية، ومنحوها اسم "الإرسالية العربية الأمريكية".

برّر المؤسسون الذين كانوا يتبعون الكنيسة الإصلاحية الهولندية اختيارهم هذه المنطقة بأن المسيحية في بداية عهدها كانت منتشرة فيها، ومن حق المسيح استرجاعها مرة أخرى.

محاولات سابقة... متناثرة وغير منظمة

قبل "الإرسالية العربية الأمريكية"، شهدت المنطقة عدة محاولات فردية وغير منظمة للتبشير، بدأت مع القس الإنكليزي هنري مارتن عام 1811، عندما ترجم الكتاب المقدس للغة العربية، وحاول بيع بعض النسخ منه، حسب ما ذكر عبد المالك خلف التميمي في كتابه "التبشير في الخليج العربي: دراسة في التاريخ الاجتماعي والسياسي".

هنري مارتن

وعام 1834، أرسل القس جون ويلسون الذي كان ينتمي للكنيسة الإسكتلندية البروتستانتية بائعاً متجولاً للكتاب المقدس إلى شبه الجزيرة العربية.

وأعدت الهيئة الأمريكية للإرساليات الأجنبية ترجمة عربية جديدة للكتاب المقدس عام 1848، ثم قام القس ستيرن برحلة تبشيرية عام 1856 إلى صنعاء وبغداد وأجزاء أخرى من بلاد العرب وهو يحمل الكتاب المقدس معه.

جون ويلسون

وعام 1884، بدأ القس الإنكليزي وليام ليثالي بصحبة زوجته حملة تبشيرية في المدينة المنورة.

في البدء كانت البصرة

بالعودة إلى "الإرسالية العربية الأمريكية"، فقد حاولت أن تتفادى أخطاء المحاولات السابقة، فسافر جيمس كانتين - أحد المؤسسين - في تشرين الأول/ أكتوبر عام 1889 إلى سوريا، ومنها إلى القاهرة ثم عدن لاختيار الأماكن المناسبة لبدء عمل الإرسالية، ثم لحق به المبشر صموئيل زويمر.

جيمس كانتين

خلال تلك الزيارات، أقام مبشرو الإرسالية في بيروت بضعة أشهر لجمع المعلومات ودراسة اللغة العربية، حسب ما رصد خالد البسام في كتابه "ثرثرة فوق دجلة: حكايات التبشير المسيحي في العراق 1900- 1935".

وبسبب موقعها الإستراتيجي الذي يُسهّل النفاذ إلى منطقة الخليج وعمق الجزيرة العربية، فضلاً عن تمتع المبشرين فيها بالعمل تحت حماية القنصلية الأمريكية هناك، وقع الاختيار على مدينة البصرة في جنوب العراق كمركز للإرسالية.

البحرين… تعليم وتطبيب

بعدما افتتحت الإرسالية مركزها في البصرة عام 1891، انطلقت إلى الخليج، وبدأت من البحرين حيث افتتحت في المنامة فرعاً لها عام 1892.

وبحسب عماد جاسم حسن في دراسته "نشاط الإرسالية الأمريكية العربية في البحرين 1892- 1939"، اتخذ اثنان في الإرسالية صفة طبيب وقد وصلا مع زوجتيهما بالإضافة إلى سيدتين أخرتين غير متزوجتين، يرافقهم سبعة أشخاص من المساعدين الناطقين بالعربية مهمتهم تسهيل التعامل مع السكان.

لم تضيّع الإرسالية وقتاً، فأسست أول مدرسة للتعليم بالأسلوب الغربي الحديث عام 1892، وأتبعتها بعدة مدارس أخرى، واحدة منها خُصصت للبنات، لكن عدد التلاميذ بقي قليلاً بسبب قلق الآباء من تحول أبنائهم عن دينهم، إذ كان البرنامج اليومي للدراسة يبدأ عادة بالصلاة المسيحية وقراءة الإنجيل، فضلاً عن احتواء المنهج التعليمي على درس خاص لتعليم الكتاب المقدس مع دروس الإنكليزية والعربية والجغرافيا والتاريخ والحساب، كما روى حسن.

ولأن البحرين كانت خالية من الأطباء وتعتمد على الطب الشعبي، فقد وجد المبشرون باباً لتحقيق أهدافهم، فقدموا الخدمات الصحية عبر المستوصف الصحي الذي اُفتتح في مقر الإرسالية، وكذلك عبر المستشفيات التي أنشأوها في فترات متعاقبة مثل مستشفى "ثيودور مايسون" عام 1903، و"ماريون ويلز التذكاري للنساء والأطفال" عام 1926.

ويذكر التميمي أن الإرسالية استغلت النشاط الطبي في التبشير سواء في البحرين أو المناطق التي حلّت بها بعد ذلك، فكان الأطباء يقومون بالوعظ، وكذلك مساعدوهم ورجال الدين الذين كانوا يجلسون بين المرضى ويقرأون آيات من الكتاب المقدس، وكان المرضى يصغون بصمت أثناء القراءة والتفسير الذي كان يتبعها، كما كانت الصلاة تلي القراءة عادة.

وكثيراً ما كان المبشرون يزورون المرضى في منازلهم، ويحدثونهم عن موضوعات مختلفة تتعلق بحياتهم وأحوالهم، وبالتدريج ينتقلون إلى الحديث عن الدين.

مسقط... تنصير الرقيق

بعد استقرار أوضاع الإرسالية في البحرين، تحرك المبشرون إلى مسقط في الطرف الجنوبي للخليج العربي، واستثمروا وجود القنصلية الأمريكية هناك في تعزيز نشاطهم.

بحسب التميمي، افتتح القس بيتر زويمر عام 1896 مدرسة "الرقيق المحرر" التي تأسست لتعليم أطفال عبيد كان الأسطول الإنكليزي قد أخذهم من سفينة للرقيق وتطوع زويمر لرعايتهم بهدف تحويلهم إلى المسيحية.

مطلع عام 1889، اجتمع شبان أمريكيون بروتستانت في نيوجيرسي، واتفقوا على تأسيس منظمة للتبشير بالمسيحية في منطقة الخليج والجزيرة العربية... بحجة أن "المسيحية في بداية عهدها كانت منتشرة هناك" 

لسنوات طويلة حاولت "الإرسالية العربية الأمريكية" التبشير بالمسيحية في منطقة الخليج من بوابتي التعليم والطبابة، لكن لم يتجاوز عدد من نجح المبشرون في تنصيرهم أصابع اليد

وعام 1908، انتهت الإرسالية من بناء مدرسة حملت اسم "بيتر زويمر"، واستخدمت جزءاً منها مستشفى.

وطوال سنوات عديدة متتالية كانت الخدمة التعليمية للإرسالية في مسقط محدودة وغير ناجحة، لأن العمل كان في أيدي مبشرين مسؤولين عن أعمال أخرى، ولم يكونوا متفرغين للمهمة التعليمية بسبب قلة عدد أعضاء الإرسالية.

الكويت... معارضة رسمية ثم احتفاء

تحول الاهتمام بعد ذلك إلى الكويت التي سبق لمبشري الإرسالية زيارتها للمرة الأولى عام 1900، والثانية عام 1903 إذ افتتحوا فيها مكتبة لبيع الكتاب المقدس، ولكن حاكم الكويت آنذاك الشيخ مبارك الصباح أمرهم بإغلاق المكتبة ومغادرة البلاد.

الشيخ مبارك الصباح

استمرت المعارضة الرسمية للنشاط التبشيري في الكويت حتى عام 1910، عندما طلب مبارك أثناء زيارته للبصرة من الدكتور أ. بنيت المجيء إلى الكويت لمعالجة ابنته، وبسبب نجاح الطبيب في مهمته طلب منه مبارك البقاء في الكويت وممارسة الطب فيها.

لم يفوّت المبشرون الفرصة، فحصلوا على قطعة أرض وبنوا عليها مستشفى عام 1914، ثم افتتحوا مستشفى آخر عام 1920 خُصص للسيدات حمل اسم واحدة من صديقات الإرسالية هي كيت أولكوت.

وبالتوازي مع ذلك، افتتح المبشر أدوين كالفري مدرسة في بيت أحد المواطنين، لكنها قوبلت بمعارضة دينية قوية. وبحسب التميمي، كان كالفري يأخذ الأولاد للصلاة أسبوعياً يوم الأحد في الكنيسة، كما كان يعلمهم الدين المسيحي ويعطي كل طالب نسخة مترجمة للكتاب المقدس ليأخذها إلى والديه في المنزل، وهذا ما أدى إلى سحب أولياء الأمور أبناءهم من المدرسة.

الإمارات... توغل تبشيري وارتياب بريطاني

نظراً للقرب الجغرافي بين البحرين وعمان من ناحية، والإمارات من ناحية أخرى، فقد أصبحت الأخيرة تابعة للمحطتين يتم منهما الإشراف عليها.

وتذكر فاطمة حسن الصايغ في دراستها "الساحل المتصالح في كتابات المنصرين"، أن صموئيل زويمر زار الشارقة عام 1900، وتحدث مع الأهالي عن المسيحية والطب وقدم لهم الدواء رغم أنه لم يكن طبيباً مؤهلاً، ثم انطلق إلى دبي وصحار والبريمي. وبعد ذلك، توالت زيارات مبشري الإرسالية لعجمان ورأس الخيمة.

صموئيل زويمر

وتروي الصايغ أن الإرسالية وجّهت عام 1918 رسائل إلى شيوخ المنطقة تخبرهم فيها عن استعدادها لإرسال أطباء مؤهلين من أجل تقديم خدمات طبية للأهالي. جاء الرد سريعاً عندما طلب شيخ أبو ظبي حمدان بن زايد (1912-1922) من الإرسالية طبيباً لعلاج عمه من جلطة أقعدته الفراش، فأرسلت له الطبيب بول هاريسون الذي قوبل بحفاوة وأمضى في الإمارة أسبوعاً عالج خلاله مئات المرضى.

أثار ذلك فزع الإنكليز الذين كانوا يسيطرون على سواحل الخليج وفسّروه على أنه تقارب بين الشيوخ وبين الحكومة الأمريكية، خاصة أن المنطقة مقبلة على عهد بترولي هائل، لذلك سرعان ما فرضت الحكومة البريطانية قيوداً صارمة على تحركات المبشرين.

قطر... وجود طبي قصير لأسباب أمنية

زار مبشرو الإرسالية قطر مرات عدة قبل أن يحصلوا على إذن بمزاولة العمل هناك، ففي عام 1945 ذهب القس فان برسيوم والدكتور و. هـ. ستورم في رحلة طبية تبشيرية إلى قطر، وطُلب منهما فحص ضغط دم الحاكم الشيخ عبدالله بن جاسم آل ثاني في قصره، وخلال الزيارة طلب الحاكم منهما أن يأتيا إلى بلده لافتتاح مستشفى وعيادات طبية في مشيخته، ووعدهم بأنه سيبني لهم مستشفى. وفي خريف 1947، أصبح المستشفى جاهزاً للعمل.

الشيخ عبدالله بن جاسم آل ثاني

وبحسب التميمي، لم يُكتب للخدمة الطبية في هذه المنطقة أن تستمر طويلاً، ففي عام 1952 اضطرت الإرسالية للتوقف عن العمل في قطر بسبب النقص في عدد الهيئة الطبية، وتم إرجاع المستشفى إلى الحكومة القطرية.

السعودية... علاج الأسرة الحاكمة بشروط

عام 1929، تلقى الدكتور لويس ديم أحد أعضاء الإرسالية العاملين في البحرين دعوة لزيارة الإحساء من أجل معالجة الأمير سعود الابن الأكبر للملك عبدالعزيز آل سعود، كما تلقى دعوة عام 1932 للتوجه إلى الطائف لمعالجة أحد أفراد العائلة المالكة.

ورغم توالي رحلات المبشرين لعلاج أفراد الأسرة المالكة الأهالي، ظل نشاط الإرسالية محصوراً بالخدمة الطبية، ولم تنجح في الحصول على موافقة بالبقاء داخل شبه الجزيرة العربية بشكل دائم وإقامة منشآت ثابتة يمكن أن تؤدي إلى افتتاح محطات تبشيرية جديدة.

المحصلة النهائية: تأثير محدود جداً

بعد 85 عاماً من النشاط المتواصل للإرسالية في الخليج، اتخذ مؤتمر الكنيسة الإصلاحية الهولندية الذي عُقد في مارس/أذار 1973 قراراً بوضع حد لعملها وعمل المؤسسات التابعة لها، ومنذ ذلك التاريخ صارت كل واحدة من مؤسسات الإرسالية تدار محلياً، وأصبحت علاقاتها بالكنيسة مجرد علاقة أدبية، ولم تعد الأخيرة مسؤولة رسمياً عن تمويلها.

ورغم أن الكنيسة لم تعلن مبررات اتخاذ قرار مماثل، فإن المرجح أن يكون فشل الإرسالية في تحقيق هدفها الرئيس (التنصير) هو السبب.

طبيعة التنظيم القبلي بعاداته وتقاليده وقفت عقبة في طريق التحول إلى المسيحية، إضافة إلى الشعور الإسلامي القوي بين الناس وقربهم الجغرافي من الأماكن المقدسة.

بحسب التميمي، لم يتجاوز عدد من نجح المبشرون في تنصيرهم خلال هذه الفترة الطويلة الأربعة. الأول هو عيسى الداوي وأصله من الإحساء، لكنه اعتنق المسيحية في الكويت عام 1925 بعد علاجه في مستشفى الإرسالية من مرض خطير، والثاني هو مراش بن بلال في مسقط وقد توفي في نهاية عام 1930. والثالثة هي السيدة خيرية حيدر التي كانت من أصل فارسي وجاءت إلى البحرين مع زوجها بعد الحرب العالمية الأولى بحثاً عن عمل، وتعرضت لظروف اقتصادية صعبة ووجدت اهتماماً من الإرسالية، والرابع من عمان، جاء إلى مستشفى الإرسالية في مسقط وأخبر المبشرين بأنه يؤمن بالمسيحية، إلا أن المصادر أغفلت ذكر اسمه.

ويُرجع التميمي فشل الإرسالية في تحقيق أهدافها إلى أسباب عدة، منها طبيعة التنظيم القبلي بعاداته وتقاليده التي وقفت عقبة في طريق التحول إلى المسيحية، إضافة إلى أن الشعور الإسلامي القوي بين الناس وقربهم الجغرافي من الأماكن المقدسة شجّعاهم على الثبات على عقيدتهم.

الظروف السياسية أيضاً لم تكن مواتية، فمنذ أن بدأت الإرسالية نشاطها كان الصراع بين السلطات البريطانية والتركية يتفاقم، وتلت ذلك الحرب العالمية الأولى، وفي عشرينيات القرن الماضي وثلاثينياته بدأت اليقظة القومية العربية التي ناهضت القوى الغربية وطالبت بالاستقلال السياسي، ثم اندلعت الحرب العالمية الثانية، وانفجرت المشكلة الفلسطينية، ثم بدأ استغلال النفط يغيّر الموقف في المنطقة بصورة تامة، وكل ذلك كان له أثر سلبي في نشاط الإرسالية، وفق التميمي.

يضاف لما سبق عدم إلمام المبشرين باللغة العربية إلماماً تاماً، وهذا ما أثّر سلباً في إقناعهم للمواطنين، الذين اعتقدوا أن هؤلاء جاءوا لمساعدتهم طبياً وتعليمياً، لذا لم يهتموا بما كانوا يعرضونه ويعتبرونه أمراً عرضياً.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard