"سنحمل آثار النكبة طويلاً"... شهادات ناجين بين الجميزة ومار مخايل

الاثنين 10 أغسطس 202010:37 ص

الحياة في بيروت قبل الرابع من آب/ أغسطس ليست كما بعدها. هذا ما يتفق عليه أغلب سكان شارعي الجميزة ومار مخايل، في العاصمة اللبنانية، وخصوصاً الناجين منهم.

قبل أيام قليلة، من فاجعة خلّفت آلاف الضحايا، كانت حانات ومطاعم الجميزة التي سميت كذلك تيمّناً بأشجار الجمّيز المعمرة فيها، تصارع للصمود أمام  قرارات التعبئة العامة المفروضة بسبب الارتفاع المستمر في إصابات "كورونا". لكن أحداً لم يتخيل أن كارثة تشيرنوبل قد تتكرر في بيروت، وأن تطال شظاياها هاتين المنطقتين اللتين كانتا تضجّان بالحياة.

في السادسة من مساء اليوم المشؤوم، انفجر ثقبٌ أسود في السماء، وابتلع معه حيوات عمال وكادحين وطلبة وحالمين، تهيّأ لهم أن الأزمة الاقتصادية هي أسوأ ما قد يصيبهم.

بعد الانفجار الذي بدا عصياً على التصديق، صُبغت أرصفة الشارعين بالدماء. اختفت واجهات المحلات، ولم ينجُ من المباني التي استحالت ركاماً سوى قتلى ومنكوبين، يروي بعضهم لرصيف22 كيف تهشّمت أجسادهم وأرزاقهم في غضون دقائق.

"هل بدأت الحرب؟"

كان يوماً عادياً في بيروت. هذا ما يجمع عليه سكان الشارعين "قبل أن تلفظ السماء فوق رؤوسنا حجارة وزجاجاً"، تقول سيبَل (30 عاماً). في تمام الخامسة، أنهت الشابة عملها الذي تنجزه عن بعد في الآونة الأخيرة  بسبب أزمة "كورونا"، وغادرَت أحد المقاهي في منطقة بدارو باتجاه مار مخايل.

"اتفقتُ وصديقتي على اللقاء في حانة غالباً ما نرتادها. قلنا منغيّر جوّ بعد أيام من التعبئة العامة والإقفال"، تقول وتضيف: "لا أذكر تماماً ما كنت أقول لها، لكنني أتذكر أننا شعرنا باهتزاز الطاولة والكؤوس وواكبه صوت انفجار صغير. خلال ثوانٍ قليلة دار في رأسي ألف سيناريو. ما الذي حدث؟ هل هذا انفجار أم قصف إسرائيلي؟ هل بدأت الحرب فعلاً؟". وبرغم مما أثارته الـ"هزة الطفيفة" في نفسها من ذعر، لم يخطر في بال سيبَل أن الهزة سيليها انفجار عظيم "رمى بي إلى منتصف الطريق".

وتتابع: "في اللحظات الأولى لم أستوعب الأمر. هل حدث زلزال في بيروت؟ شعرت أني فقدت سمعي ووعيي تماماً. ضغط الهواء كان كفيلاً بتحطيم كل شيء. أذكر طعم الغبار في فمي. عندما فتحت عينيّ توضحت الصورة أمامي. ثمة دماء وزجاج في كل مكان. رأسي ينزف ويداي نخرتهما شظايا زجاجية. فجأة عاد السمع إلى أذنيّ، وسمعت استغاثة صديقتي التي سقطت على رأسها أخشاب كانت مثبّتة في السقف. لم أعِ تماماً كيف وصلنا إلى المستشفى ومَن أوصلنا. حتى اليوم لم أتمكن من البكاء. أعتقد أن آثار الانفجار سيحملها اللبنانيون طويلاً".

"بنغلادش بعيدة جداً"

 لم تبقَ في شارع الجميزة المفتوح كلياً على المرفأ لافتات مستقيمة، ما خلا لافتة "حي ذو طابع تراثي"، تلك التي بقيت ثابتة برغم عصف الانفجار . لكن المنطقة التي تأوي حتى اليوم ما تبقى من حرفيين في بيروت وتضم عدداً كبيراً من المباني التراثية المشيدة بين القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، تلقّت النصيب الأكبر من النكبة.

في أحد تلك المباني، قضى سمير (25 سنة)، العامل البنغلادشي، خمسة أعوام من حياته في مقهى صغير. وحسب الأخير، فإن نجاته من الموت جاءت "بفعل الصدفة". "كنت أقف خلف البار استعداداً لتلقي طلبات الزبائن. سمعنا صوتاً يشي بانفجار. قلت في نفسي: جيد الصوت بعيد. لكن ما تلا ذلك كان مخيفاً. خرج من السماء صوت عنيف، فخفضتُ رأسي تلقائياً، وأذكر أن أذناي أُطبِقتا لساعات من الضغط".



يتوقّف سمير عن الكلام لبرهة ريثما تخرج منه الكلمات المناسبة: "كل شي خربت ببيروت"، ويضيف: "رأيت دماء كثيرة وسمعت صراخاً في الطرقات التي ملأها الغبار. ساعدت أصدقائي وبعض السيدات على النهوض من بين حطام المحلّ، وذلك بعدما تأكدت أني لم أتأذّ بفعل تشظي الزجاج. في البداية كنت أرتجف من الخوف، وقلت في نفسي إن بنغلادش بعيدة. بعيدة جداً".

"شعرت أنني في فيلم"

في جولة على شارع "غورو" الذي يحمل اسم المندوب السامي الفرنسي، أيام الانتداب، الجنرال هنري غورو، واستحال منذ مطلع الألفية الثالثة مقصداً للساهرين، وتحوّل بعد زلزال الرابع من آب إلى ساحة حرب، يمكن القول إن مشهد الدمار عموماً لا يختلف كثيراً عما يمكن معاينته في مار مخايل القريبة.

"في اللحظات الأولى لم أستوعب الأمر. هل حدث زلزال في بيروت؟ شعرت أني فقدت سمعي ووعيي تماماً. ضغط الهواء كان كفيلاً بتحطيم كل شيء. أذكر طعم الغبار في فمي. عندما فتحت عينيّ توضحت الصورة أمامي. ثمة دماء وزجاج في كل مكان"

لكن وقع الانفجار بدا أقسى على المباني الأثرية في "غورو" الذي فرغ أغلب مبانيه من النوافذ والشرفات و"أسهم هواء البحر في تداعيها بهذا الشكل"، على ما يشرح سكان المنطقة لرصيف22.

انطلاقاً من رواية سمير، يكرر أنَس (28 عاماً) على مسامعنا المشهد نفسه: "في البداية كان صوتاً خفيفاً أشبه بمفرقعة كبيرة، سبقته نيران كانت تشتعل في السماء ومصدرها من البور (المرفأ)، كما تردد حينها".

وبطبيعة الحال، بات الجميع يعرف نهاية القصة. انفجر 2750 طناً من مادة نيترات الأمونيوم المخزّنة في أحد مستودعات المرفأ. بعد دويّ الانفجار العظيم، جُرف أنس إلى آخر أرضية بهو فندق "لوست" (Lost Hotel) حيث يعمل، و"عندما فتحت عينيّ كان المشهد كارثياً. لم يبقَ كرسي في مكانه، في حين تداعى السقف فوق رؤوسنا جميعاً".

وحسب روايته، وصلت سيارات الإسعاف والدفاع المدني بسرعة، إلا أنها لم تستطع أن تغيث كل الجرحى في المكان. "كلما أدرت وجهي إلى ناحية أرى جريحاً يتلوّى من شدة الألم في الأرض. حاولت استدعاء أصدقاء لي للمساعدة في نقل الجرحى، إلا أن هاتفي الذي تهشّم وسط الركام توقف تماماً عن العمل. عندها، لجأت إلى دراجتي النارية، ونقلت أربعة مصابين عليها تباعاً نحو مستشفى الجعيتاوي التي قُطعت مداخلها الرئيسية بفعل الحطام، وعدت أدراجي إلى الشارع لمساعدة السكان الذين تهاوت لدى شرفات منازل بعضهم القديمة".

"رأيت دماء كثيرة وسمعت صراخاً في الطرقات التي ملأها الغبار. ساعدت أصدقائي وبعض السيدات على النهوض من بين حطام المحلّ، وذلك بعدما تأكدت أني لم أتأذّ بفعل تشظي الزجاج. في البداية كنت أرتجف من الخوف، وقلت في نفسي إن بنغلادش بعيدة. بعيدة جداً"

حتى اليوم، يقول أنس إن الحدث ترك في نفسه آثاراً سلبية للغاية. "لم أتصور يوماً أن يصير شارع غورو بهذه الصورة السوداوية. شعرت أنني في مشهد من فيلم ثريلر. كلا! إنه مشهد من "دارك" (سلسلة خيال علمي). كنت أظن أن حرب تموز كانت أسوأ ما عشناه، لكن لا. هذا شيء آخر تماماً".

"ظننا أنهم اغتالوا أحداً"

في ذلك المساء المشؤوم، شاءت الظروف أن تكون سابين (32 عاماً) في ضيافة أصدقائها في مدينة صوفر التي تبعد نحو 30 كيلومتراً عن بيروت. ورغم المسافة البعيدة نسبياً عن مركز الحدث، "سمعنا بوضوح تامّ دويّ الانفجار الذي نتجت عنه سحابة ضخمة. كان الصوت أشبه بذاك الذي سمعناه قبل 15 عاماً، عندما اغتيل رفيق الحريري (رئيس الوزراء اللبناني الأسبق)، فظننّا أنهم اغتالوا أحداً".

لكن، هذه المرة بدا الحادث الأخير مزحة أمام الضرر الذي أحدثه انفجار نيترات الأمونيوم، خصوصاً في محيط مناطق الكارنتينا، مار مخايل والجميزة.

"أذكر أن صراخ والدتي خرج من سماعة الهاتف. كانت تظنّ أنني لم أغادر منزلي الكائن في مار مخايل. عندما وصلنا، أصدقائي وأنا، ركنّا السيارة على بعد أمتار كثيرة من مبنى شقتي التي تهاوى فيها السقف والزجاج، وبقي من حمامها حائط واحد يلفحه الهواء من كل الجهات. للوهلة الأولى لم أصدق المشهد. شعرت أننا في حلب، وقد مرّ من فوق المدينة قطار لم يسلم منه أحد. في القصف عادةً، تنجو بعض الأبنية، لكن الوضع هنا مختلف. لم أصدق أن انفجاراً واحداً قد يحدث ضرراً بهذا الحجم".

تشير سابين إلى أن الكارثة كانت أشدّ على جيرانها في الأبنية المجاورة، وتضيف: "في اليومين التاليين، تشارك الجميع خصوصيات منزله. المباني اقتعلت أبوابها وباتت بلا جدران تفصل في ما بينها. كنت أرى بوضوح تفاصيل غرفة نوم جارتي السبعينية التي رفضت أن تغادر مبنى شقتها، برغم التنبيهات التي تلقتها من قبل مهندسة معمارية أخبرتها أن المبنى آيل للسقوط في أي لحظة".

حتى الساعة، يقول أبناء المنطقتين إن المتطوعين أزالوا نحو 50 إلى 60 في المئة من كمية الردم المتناثرة في الطرقات وفي منازل المتضررين، من دون أن تتتفقد أي من الوزارات أو المؤسسات الحكومية المعنية في الإغاثة المكان، أو أقلّه المباشرة بأعمال إزالة الردم والزجاج.

وفق سابين، قد تتعافى "جزيرتا المرح" نظرياً "إما بالتضمان الشعبي الكبير الذي حظيتا به أو مع عملية الترميم التي قد تبدأ عما قريب". لكن تعافي أبناء المنطقتين من هول الحدث، من دون استثناء أحياء أخرى كثيرة متضررة،  لن يكون سهلاً على الإطلاق.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard