"ما بدّي موت"... كيف نحذف من ذاكرة الصغار مشاهد الموت والدمار؟

الجمعة 7 أغسطس 202006:48 م

من الأم التي تستغيث وتصرخ بحرقة قلب وهي لا تعلم مصير ولدها المفقود بين الركام، وصولاً إلى الأب الذي يحمل بين يديه طفله المضرج بالدماء، ويركض به من دون وجهة محددة، مروراً بكبار السن الذين يكفكفون دموعهم بعد أن خسروا السقف الذي كان يأويهم، وأصبحوا اليوم مشردين وتائهين في الشوارع... كلها قصص مأساوية تقشعر لها الأبدان، وتصوّر هول الفاجعة وما ولدته في نفوس وأجساد الكثيرين، بعد الانفجار القوي الذي هزّ مدينة بيروت.

وأمام هذه المشاهد العابقة بالموت، يعجز عقلنا البشري عن استيعاب حجم الدمار الذي غيّر معالم مدينة بكاملها، فكيف بالحري إذا كنّا نتحدث عن تأثير هذه الكارثة على عقول أطفال شاهدوا بأعينهم البريئة ما حدث، دون أن يفهموا شيئاً؟ كيف يمكن لهؤلاء الصغار أن يتجاوزوا هذه الصدمة، أن يحذفوا من ذاكرتهم شبح الموت ومن نفوسهم لحظات الرعب التي عاشوها؟

"انكتبلن عمر جديد"

بيروت اليوم غارقة في الدماء. مدينتنا منكوبة وتفوح منها رائحة الموت. ولكن وسط الغيوم السوداء في سمائنا، هناك جرعة أمل تسللت إلى قلوبنا من خلال نجاح عمليات إنقاذ لأطفال صغار، كانت قد تناقلتها الشاشات وتحدثت عنها مواقع التواصل الاجتماعي، أبرزها صورة الممرضة "البطلة" في مستشفى الروم، باميلا زينون، التي سارعت لإنقاذ حياة أطفال رضّع، وضمتهم إلى صدرها في تلك الليلة المشؤومة، في مشهد يعكس إرادة الحياة في وجه الموت.

وفي مشهد آخر، بادرت عاملة أجنبية لإنقاذ طفلة صغيرة كانت تلعب على الشرفة لحظة وقوع الانفجار، فتركت كل شيء وسارعت إلى إدخالها إلى المنزل لحمايتها من الموت.

وفي السياق نفسه، كشف مقطع فيديو اللحظات المرعبة التي عاشها ثلاثة أطفال أثناء وقوع الانفجار وانهيار زجاج المنزل، قبل أن تتمكن المربية من إخراجهم من الغرفة.

وفي أحد المقاطع المتداولة، ارتفع صوت صراخ وبكاء صبي صغير وهو يردد عبارة "أنا خائف... بليز ما بدّي موت"، بعد أن كان يشاهد من منزله الدخان المتصاعد من المرفأ، وعند دوي الانفجار نجح الوالد في إبعاد العائلة عن الزجاج وطمأن الصبي بالقول: "ما رح تموت".


فكيف يمكن إزالة مشهد الدمار المؤلم الذي لحق ببيروت وأبنائها من مخيلة الصغار ومن شريط ذكرياتهم؟

لا تستخفوا بمشاعر أولادكم

صحيح أن هؤلاء "الملائكة" الصغار وغيرهم ممن كانوا على مقربة من "مسرح الجريمة"، تمكنوا من النجاة بأعجوبة، و"انكتبلن عمر جديد" كما يُقال، إلا أنهم كانوا شهود عيان على حادثة تُعتبر الأفظع في تاريخ لبنان، مع العلم أن حتى الأطفال الذين كانوا بعيدين عن موقع الانفجار لا يمكن اعتبارهم بمنأى عن التداعيات النفسية، فمن سلمت روحه من الموت ونجا جسده من الأذى، لا شك أن في داخله جروحاً نفسية بالغة قد يحملها مدى العمر.

فكيف يمكن إزالة مشهد الدمار المؤلم الذي لحق ببيروت وأبنائها من مخيلة الصغار ومن شريط ذكرياتهم؟

استهلت الأخصائية في علم النفس، لولوا كالويروس، حديثها لموقع رصيف22، بالقول إن الفاجعة حصلت، وهذا أمر لا يمكن الهروب منه أو تجنب حدوثه من الأساس، مشيرة إلى أنه لا يمكن لأحد أن يزعم بأن ما حدث لم يؤثر عليه وعلى الأطفال، بخاصة أولئك الذين كانوا متواجدين بالقرب من موقع الانفجار.

وبحسب لولوا، فإن هذه الفاجعة ليست نظرية أو مجرد صور تُعرض عبر التلفزيون وأخبار يتم تناقلها، بل هي عبارة عن حدث مؤلم أصاب جسدياً جميع الأولاد، ولو كان ذلك بطريقة غير مباشرة: "حتى إذا ما اتضرروا منه directly (مباشرة) أكيد حسّو فيه، وما بيقدرو يهربو من الضغط يلي صار على جسمن، لأنو حتى الولد يلي ما بيقدر يعبر، جسمو بخزن هالخوف يلي اتعرضلو".

وفي حين أن التأثير النفسي يختلف من طفل لآخر، وفق الفئة العمرية، مكان تواجد الطفل أثناء وقوع الانفجار وتجربته الخاصة مع خسارة أحبائه أو انهيار منزله، إلا أن هناك بعض النقاط المشتركة بين جميع الأولاد، وفق كالويروس، التي شددت على ضرورة عدم استخفاف الأهل بالخوف الذي يشعر به أولادهم خلال هذه الفترة: "ما تعتبروا إنو إذا الولد صغير يعني مش فهمان أو ما بيتذكر".

ونوهت لولوا بالأبحاث العلمية التي أثبتت أن الـ Trauma (الصدمة النفسية) تؤثر سلباً على الطفل ودماغه، حتى لو لم يتذكر في وعيه هذه الحادثة في المستقبل. موضحة بأن الأولاد يتأثرون ليس فقط لأنهم شعروا بأمر غريب قد حدث، بل لأنهم يشاهدون تصرفات غريبة من قبل محيطهم، سواء كان ذلك عبر الصراخ، البكاء، الأحاديث، الخوف البادي على وجوه أهلهم والذي يترجم بصدق معاناتهم الداخلية: "ما حدا بيقدر يمثل دور إنو ما في شي صار، في شي كتير كبير صار وكبير لدرجة إنو أثرو رح يضل موجود".

وفي هذا الصدد، كشفت كالويروس أنها وبحكم عملها، تصادف أشخاصاً يعانون لغاية اليوم من آثار الحرب اللبنانية التي انتهت منذ 30 عاماً: "اليوم في ناس عمرن 40 و50 و60 سنة وبعد عندن خوف وأنواع مختلفة من الـ anxiety (قلق)، كلها سببها الأساسي هو الحرب والتجارب يلي مرقوا فيها".

واعتبرت لولوا أن ما قد "يساعد" نوعاً ما هؤلاء الأطفال، هو أن جميعهم قد تعرضوا للحادث نفسه، أي أن الصدمة لم تكن ذات طابع فردي أو شخصي، بل هي صدمة جماعية، وبقدر ما يكون هولها كبيراً بقدر ما يشعر المرء بأن الآخر قادر على أن يفهمه ويشاركه المشاعر عينها.

وبخلاف الاعتقاد القائل بأن الصغار لا يتأثرون لأنهم ببساطة لا يفهمون حقيقة ما يحصل، إلا أن كالويروس أكدت أن الولد يفهم ويشعر بكل شيء، إنما المشكلة تكمن في كونه غير قادر على التعبير عمّا يدور في رأسه، وفي الوقت نفسه يعجز عن تحليل ما يشعر به.

وعليه، نصحت لولوا الأهل بضرورة الجلوس مع أولادهم والاستماع إليهم: "بعرف إنو كل الأهل اليوم بحالة ذعر وغضب وخوف ويأس، بس المهم إنو إذا في ولد نسأله: بشو عم بفكر؟ بشو حاسس؟ من شو خايف؟ شو خطر ببالو؟ شو بيتذكر؟ شو صار؟".

"نحن فكرنا إنو نحن جيل الحرب ما بدنا ولادنا يقطعوا بيلي نحن قطعنا فيه، بس عم نشوف إنو ولادنا عم بيقطعوا بإشيا شبيهة. هني ما ذنبن نحن جبناهن على هالدني وتعهدنا لإلن إنو نعطيهن حياة حلوة. بس عايشين ببلد ما رحمنا وما رحم حدا"

وفي السياق نفسه، شددت على أهمية أن يعترف الأهل أمام أولادهم بأنهم شعروا بدورهم بالخوف، وأن يفسروا لهم أن هذا الشعور طبيعي وأن مثل هذه الأمور قد تحدث في الحياة، ولكن يبقى الأهم التحدث عن مشاعرنا وعدم كبت أحاسيسنا، بالإضافة إلى عدم تجميل الصورة لأولادنا: "ضروري نخبرهن على قد عمرن وفهماتن شو صار، ونخبرن عن المحاسبة والمسؤولية الاجتماعية، وشو لازم ينعمل وكيف لازم نفكر بغيرنا ومش بس بحالنا. ما نكذب نهائياً عليهن. هيدا حدث تاريخي رح ينحكا عنّو لكتير سنين طويلة، وهنّي عاشوه ولازم يفهموه متل ما هوي".

وتحدثت كالويروس عن بعض الأمور التي قد يلاحظها الأهل في تصرفات أولادهم خلال هذه الفترة: "يمكن يكون عندن عوارض صحية (وجع بطن، آلام في الظهر، تبول لاإرادي) ويخافوا يناموا لحالن بالليل، هيدي كلها أمور طبيعية لأنو بهيدي الطريقة جسمن بعبر عن أي خوف بيمرق فيه".

وأوضحت لولوا أن عملية الشفاء النفسي في مرحلة الطفولة تحصل في العادة بشكل سريع، إلا أنها تتطلب بعض الوقت والمجهود من قبل الأهل: "لازم نلعب مع الولد ونشجعو على نشاطات بتخلي يعبر عن شو في بداخله، متل الرسم والتلوين، وإذا كان أكبر شوي نشجعه على إنو يكتب أو يسجل بصوته شو عم بيحس".

كشفت كالويروس، وبطبيعة الحال في حدث من هذا النوع، فإن الشعور الأول الذي ينتابنا هو الصدمة التي تصاحبها حالة إنكار، "فنسأل أنفسنا: شو صار؟ هل هالشي صحيح؟ يا ريت بكرا منوعا وحدا بيقلنا هيدي كذبة، هيدا كابوس مش حقيقة..."، مشيرة إلى أن الأمر نفسه ينطبق على الأطفال الذين لديهم هواجس رغم صغر سنهم: "من بعد الإنكار في هيدا الشعور إنو ليه نحن؟ ليه مكتبلنا هالقد نتعذب؟ في شعور بغضب ليه بيتي اتكسر؟ ليه أمي صرلها شي؟ ليه مدرستي؟ لازم نستوعب أسئلة الأطفال ونفسرلن إنو هني ما خصن بيلي صار، ونحسسن قديه نحن منحبن. ونخليهن يساعدوا غيرن، لأن وقت نساعد الآخر يعني عم نساعد حالنا بنفس الوقت، وعم نعطي معنى لوجودنا".

وتابعت لولوا كالويروس حديثها بالقول: "أخطر شي منفقدو بهيدا الوقت هو إنو نفقد معنى الحياة، لأنو وقت نشوف الموت بعيننا ما في شي بيعود إلو قيمة"، مضيفة: "المشكلة كبيرة وخوفي على جيل بكامله عم يربى مع مآسي. نحن فكرنا إنو نحن جيل الحرب ما بدنا ولادنا يقطعوا بيلي نحن قطعنا فيه، بس عم نشوف إنو ولادنا عم بيقطعوا بإشيا شبيهة. هني ما ذنبن نحن جبناهن على هالدني وتعهدنا لإلن إنو نعطيهن حياة حلوة. بس عايشين ببلد ما رحمنا وما رحم حدا".

الولد كالإسفنجة يمتص كل شيء

في حديثها مع موقع رصيف22، أوضحت الأخصائية في علم النفس، وردة بو ضاهر، أن التأثير النفسي على الأولاد الذين كانوا في قلب الحدث، بطبيعة الحال، أكبر مقارنة بغيرهم من الأولاد، إلا أنها أكدت بأن هذا لا يعني بأن الولد الذي لم يعش شخصياً هذه المآسي لا يشعر بها، بخاصة وأنه على علم بما يحصل من خلال شاشات التلفزة: "الولد عم بيعيش الحالة من خلال صور الموت، مشاهد الولاد يلي عم بيموتوا، الولد يلي لقيوه تحت التراب، وبالتالي عم بيزرع براسو صور للحادثة".

وأكدت بو ضاهر، التي تتابع دراستها في مجال الصدمات النفسية في جامعة نوتنغهام في المملكة المتحدة، أن مثل هذه المشاهد المؤلمة لها تأثير سلبي على صحة الطفل النفسية، ويمكن أن تعرضه في وقت لاحق لاضطرابات نفسية ولمزيد من المشاكل الجسدية.

ولكن في حال تمكن الأهل من احتضان الولد ومنحه الحب والعاطفة والإصغاء، فهذا قد يساعده على تخطي هذه الصدمة، بالرغم من آثارها السلبية التي قد لا تُمحى بسهولة، وفق قول وردة: "هيدي صدمة بتأثر على حياة الولاد كتير وما فينا نقول إنو بتقطع هيك وبيتخطوها وخلصت. بالنهاية الأهل هنّي بشر، كمان هنّي مصدومين وخايفين، بس دايماً نتذكر إنو الولد متل اسفنجة، بيمتص كل شي نحن منعملو، فإذا كل الوقت عم بيشوف إمو عم تبكي وعم تصرخ، بيتبنى هودي المشاعر وبيصير يتعامل مع الحزن بنفس الطريقة".

دايماً نتذكر إنو الولد متل اسفنجة، بيمتص كل شي نحن منعملو

من هنا نصحت بو ضاهر الأهل بمحاولة إلهاء أطفالهم في هذه الفترة الصعبة قدر المستطاع، عن طريق اللعب معهم، السماح لهم بمشاهدة برامجهم المفضلة على التلفزيون وإفساح المجال لهم للتعبير عن مشاعرهم من خلال القيام بأنشطة معيّنة، مثل الرسم، الكتابة، الغناء...

هذا واعتبرت وردة بو ضاهر أن الشق الأهم في تعامل الأهل مع الطفل يكمن في عدم الكذب عليه والتظاهر بأن كل شيء على ما يرام: "ما نقول للولد ما صار شي وما في شي وإنو عادي بتصير، لأنو الولد شاف وعرف، ولازم يحكي ويقول القصص متل ما هيي ويعرف الحقيقة، أكيد حسب عمرو وبطريقة مناسبة".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard