من الحامض والشوكولا إلى التراب... هل وحام الحامل حقيقة أم مجرد "دلال"؟

الثلاثاء 4 أغسطس 202006:17 م

يُعتبر الوحام (Pregnancy Cravings) من أكثر المواضيع التي ترافق فترة الحمل، فالسؤال الأول الذي قد يتبادر إلى ذهن الكثيرين عند رؤية امرأة حامل: "على شو عم بتتوحمي؟ مالح، حلو أو حامض؟".

وقد يذهب البعض حدّ التكهّن بجنس المولود بحسب ما تشتيه المرأة من طعام خلال فترة حملها، فيُقال مثلاً بأنه من علامات الوحام التي تدلّ على الحمل بصبي، هي رغبة الأم بتناول الأطباق الحامضة والمالحة، والميل إلى المخللات والثوم بكثرة، مقابل النفور من الحلويات والسكريات، في حين أن المرأة الحامل ببنت تشتهي الآيس كريم والشوكولا والحلويات على أنواعها، مع العلم أنه لا دليل علمي يثبت بشكل قاطع، أن الوحام على أطعمة معيّنة أثناء الحمل يمكن أن يشير إلى جنس الطفل في أحشاء أمه.

ما وراء هذه الشهية المفرطة والرغبة الغامضة في بعض الأطعمة أثناء فترة الحمل؟ هل المسألة كلها عبارة عن "غنج" و"دلال" بغية أن تختبر المرأة مدى حب شريكها لها واستعداده لتلبية رغباتها، أم أن هناك "نقصاً" معيّناً في المعادن تحاول الحامل تعويضه بالطعام؟

بين العلم والمعتقدات الشعبية

لطالما نسمع عن قصة امرأة حامل، تستيقظ في منتصف الليل وهي تشتهي منقوشة زعتر ساخنة، كنافة بالجبن، قطع دجاج مقرمشة، آيس كريم بنكهة الحامض أو فاكهة استوائية غالباً ما تكون بغير موسمها، فتطلب من المقربين منها جلب ما تشتهيه، وإلا "بتطلع الشهوة بعين الطفل"، بحسب المعتقدات الشعبية والموروثات الاجتماعية التي تنتقل من جيل إلى آخر.

ولكن ما الحقيقة العلمية لذلك؟

أوضحت القابلة القانونية فرح كنج، لموقع رصيف22، أن الوحام يبدأ عادة في أول فصل من الحمل، أي خلال الأشهر الثلاثة الأولى، ويزيد بشكل ملحوظ خلال الفصل الثاني، في حين أنه يتلاشى تدريجياً في الفصل الثالث، مشيرة إلى أن السبب الكامن وراء الوحام قد يعود إلى وجود نقص معيّن في المعادن، تحاول الأم تعويضه بواسطة الطعام، مستدركة بالقول: "لم تتوصل الدراسات العلمية بعد إلى تحديد الأسباب التي تكمن وراء هذه الشهية المفرطة للطعام خلال الحمل بدقة، خاصة وأن هناك بعض النساء الحوامل اللواتي لا يشعرن بالوحام على الإطلاق".

أما عن أكثر الأمور التي تشتهيها السيدات خلال فترة الحمل، فأشارت فرح إلى أنها قد تتراوح ما بين الأطعمة التي تمتاز بمذاقها الحامض القوي وبين الحلويات.

وفي الإطار نفسه، كشفت كنج أن بعض الحوامل يشتهين تناول أمور غريبة مثل: التراب، الرمل والحديد، شارحة بالقول: "هذه الرغبة الغريبة في التهام الأشياء غير القابلة للأكل تندرج ضمن ما يُعرف ب Pica syndrome (متلازمة بيكا) والتي تكون مرتبطة بوجود نقص في المعادن في جسم المرأة، خاصة الحديد والزنك"، مضيفة بأن هذه المتلازمة قد تضر بصحة الأم وجنينها في آن.

ونصحت فرح كنج النساء الحوامل بضرورة الاهتمام بنظامهنّ الغذائي لجهة التركيز على تناول اللحوم، شرط أن تكون من مصادر موثوقة، بالإضافة إلى تناول الفاكهة، الخضار والألياف، والابتعاد قدر الإمكان عن الأطعمة الغنية بالسكر لتجنب المشاكل الصحية، كمرض السكري وزيادة الوزن.

ماذا كشفته التجارب العلمية عن الوحام؟

من المتوقع في أغلب الأحيان أن تكون الرغبة الشديدة التي تدفع النساء الحوامل لتناول بعض الأطعمة، بخاصة تلك الغنية بالسعرات الحرارية والدهون، هو تلبية بعض الاحتياجات الغذائية لهنّ أو للجنين، وفي هذا الصدد يعتبر البعض أن أمراً جذاباً يكمن في كون هذه الفكرة تعكس حقيقة بيولوجية كامنة داخل الإنسان، بخاصة وأن الحمل عبارة عن مسألة مليئة بالتقلبات والتغيرات الهرمونية، وتتسم بالترقب والانتظار حتى يخرج المولود من أحشاء أمه.

هناك أسباب نفسية أو ثقافية تقف وراء الرغبة الشديدة في تناول طعام معيّن، فقد تبدأ الرغبة القوية بفكرة بسيطة، كالحصول على بسكويت أو لوح من الشوكولا أو بطاطا مقلية، قبل أن تنمو هذه الفكرة في الذهن شيئاً فشيئاً وتتحول إلى هوس يصعب مقاومته

واللافت أن إلقاء نظرة على الدراسات والأبحاث العلمية التي تتعلق بموضوع الوحام، تكشف روايات مثيرة للفضول وأكثر تعقيداً.

فقد وجد الباحثون أن ظاهرة الوحام ليست موجودة بالضرورة في جميع الثقافات، كما أن ما قد تشتهيه المرأة الحامل يختلف من ثقافة إلى أخرى، ففي اليابان مثلاً، اتضح أن الطعام الأكثر رغبة في تناوله من قبل الحوامل هو الأرز.

وفي الإطار نفسه، أُجريت دراسات بغية معرفة ما إذا كانت الأطعمة التي تُشتهى عادة خلال الحمل، تحتوي على عناصر غذائية مفيدة للحوامل، ليتبيّن أن تلك المواد الغذائية لا تحتوي على أي مواد مفيدة على الإطلاق، بل تسبب للحوامل الوزن الزائد في تلك الفترة، وارتفاع معدل المضاعفات.

لا يعني ذلك بالضرورة أن النساء الحوامل يتصنّعن الشعور بالوحام، لكن هذه الرغبة الشديدة بتناول بعض الأطعمة قد تكون مدفوعة بسبب آخر بعيد عن الحاجة البيوكيميائية.

بحسب موقع بي بي سي، كشفت أستاذة علم النفس في الولايات المتحدة الأميركية، جوليا هورمز، أن حوالي 50% من النساء الأميركيات يشتهين تناول الشوكولا في الأسبوع الذي يسبق موعد حدوث الدورة الشهرية لديهنّ.

وقد انكب العلماء على دراسة ما إذا كانت هذه الرغبة الشديدة ناجمة عن احتواء الشوكولا على عناصر غذائية مهمة في فترة الحيض، أم أن المسألة مرتبطة بالتغيرات التي تطرأ على الهرمونات خلال هذه الفترة.

في إحدى التجارب، طلب أحد علماء النفس من النساء فتح علبة عندما يشعرن بالرغبة الشديدة في تناول شيء ما، وكانت بعض العلب تحتوي على شوكولا بالحليب، التي تضم جميع العناصر الغذائية الموجودة عادة في الشوكولا وقوامها الذي يذوب في الفم، وفي علب أخرى تمّ وضع ألواح من الشوكولا البيضاء التي تتميز أيضاً بقوامها الجميل، ولكنها تفتقر لمادة الكاكاو التي تُكسب الشوكولا الداكنة والشوكولا بالحليب اللون البني، أما في العلب الثالثة فقد تم وضع حبوب الكاكاو التي تضم المواد المغذية، ولكن تناولها لا يجعل المرء يشعر بتجربة تناول الشوكولا.

ومن خلال هذه التجربة، تبيّن أن الشوكولا البيضاء كان الأكثر نجاحاً في إرضاء شعور النساء بالرغبة الشديدة في تناول الطعام، ما يعني أن اشتهاء هذا النوع من المواد الغذائية، لم يكن ناجماً عن احتوائه مواد غذائية مفيدة أو لا، إذ إن النساء لم يفضلن حبوب الكاكاو، رغم أنها مفيدة بشكل أكبر.

هذا وقد أظهرت دراسات أخرى أنه لا يوجد أي صلة بين الرغبة الشديدة بتناول الشوكولا ومستوى الهرمونات في الجسم، إذ كشفت هورمز، التي تجري دراسات بشأن الرغبة الشديدة التي تراود الناس في تناول أطعمة محددة في سياقات مختلفة، أن النساء يستمرين بالإبلاغ عن رغبتهنّ الشديدة بالشوكولا حتى بعد وصولهن لمرحلة انقطاع الطمث.

وعليه، يمكن القول إنه، وبمعزل عن التغيرات الجسدية التي تختبرها المرأة الحامل، هناك أسباب نفسية أو ثقافية تقف وراء الرغبة الشديدة في تناول طعام معيّن، فقد تبدأ الرغبة القوية بفكرة بسيطة، كالحصول على بسكويت أو لوح من الشوكولا أو بطاطا مقلية، قبل أن تنمو هذه الفكرة في الذهن شيئاً فشيئاً وتتحول إلى هوس يصعب مقاومته.

الشق النفسي

من المثلجات وصولاً إلى قالب الحلوى والمعكرونة بالجبن، إن التفكير في تناول أطعمة تُعرف بـ highly palatable foods (وهو المصطلح الذي يستخدمه الباحثون في العادة للإشارة إلى الأطعمة اللذيذة والمستساغة)، قادر على جعل المرأة الحامل تشعر بالذنب.

وتعليقاً على هذه النقطة، قالت جوليا هورمز إن هناك تناقضاً يحدث في المشاعر وذلك نتيجة إملاءات المجتمع، فصحيح أن تناول الشوكولا يعد أمراً ممتعاً بحد ذاته، إلا أن الأشخاص، وبخاصة النساء، يعيشون في كنف ثقافة تقول لهم إنه يجب عليهم عدم التهام الشوكولا لأنها تزيد الوزن.

وعليه، اعتبرت هورمز أنه في مثل هذه الحالة يجد الإنسان نفسه في موقف يريد فيه شيئاً ما، ولكنه يعلم في الوقت نفسه أنه يجب ألا يحصل عليه.

واللافت أن كبح جماح الرغبة قد ينعكس سلباً على المرء، ويجعله غير قادر على التحكم في نفسه بمجرد وجود الطعام قبالته، وهذا يفسر السبب الذي يدفع البعض إلى تناول عدة قطع من الكيك بدلاً من الاكتفاء بقطعة واحدة.

بالإضافة إلى ذلك، تقوم بعض النساء الحوامل بحرمان أنفسهنّ من تناول أطعمة معينة خلال هذه الفترة، إما بهدف اتباع نظام غذاء صحي وإما استجابة لنصائح الأطباء، وقد يؤدي هذا الحرمان إلى ازدياد الإحساس بالرغبة الشديدة في التهام بعض الأطعمة، لحدّ يصبح من الصعب السيطرة على أنفسهنّ أمام مغريات الطعام.

من هنا أوضحت هورمز أنه يمكن اللجوء إلى عوامل لتشتيت الانتباه، وإمكانية الاعتماد على التأمل واليقظة الذهنية للاعتراف بالرغبة والسماح لها بالمرور بسلام، وتوصي بتناول بضعة مربعات من الشوكولا بشكل منتظم، بهدف قتل الرغبة الشديدة في الانغماس في التهام كميات كبيرة منها.

"لم تتوصل الدراسات العلمية بعد إلى تحديد الأسباب التي تكمن وراء هذه الشهية المفرطة للطعام خلال الحمل بدقة، خاصة وأن هناك بعض النساء الحوامل اللواتي لا يشعرن بالوحام على الإطلاق"

بدورها تناولت الأخصائية في علم النفس، لانا قصقص، موضوع الوحام من الناحية النفسية، مشيرة إلى أن التغيرات الهرمونية التي تشهدها المرأة الحامل قد تكون السبب الكامن وراء شهيتها المفرطة للطعام، أو حتى انخفاض الشهية والنفور من أطعمة معينة.

واعتبرت قصقص أن موضوع الوحام متعلق بشكل كبير بالموروثات الاجتماعية، وبما تسمعه المرأة الحامل من النساء الأخريات وتجاربهنّ الخاصة مع الحمل والوحام، شارحة ذلك بالقول: "الإشيا الغريبة يلي معقول تخطر على بال المرأة الحامل ممكن تكون عبارة عن مفاهيم مكتسبة في المجتمع، عن إنو المرأة الحامل لازم تكون عم تتوحم، فبكون في تحضير نفسي مسبق في اللاوعي حتى قبل الحمل".

وكشفت لانا قصقص لموقع رصيف22، أن الوحام قد يكون ناجماً عن طلب الاهتمام ورغبة المرأة الحامل في الشعور بالأمان، بخاصة في ظل التغييرات الهرمونية والتقلب الحاد في المزاج: "ممكن الحامل تفيّق زوجها الساعة 2 بالليل وتطلب منو cake أو فاكهة غريبة مش موجودة، هيدي كلها أمور بتدلّ كأنها عم بتطلب الطمأنينة إنو الشخص التاني موجود ليدعمها وحاسس فيها وحاسس بالإشيا يلي عم بتمرق فيها".

لا شك أن الحمل في حدّ ذاته صعب ومجهد، ويمكن أن يكون من الصعب على المرأة الحامل أن تتخطى هذه المرحلة المفصلية من حياتها بسلام، من دون الحصول على دعم ومساعدة المقربين منها. وفي هذا الصدد، كشفت دراسة أُجريت على نساء تنزانيات ريفيات تولدت لديهنّ الرغبة الشديدة في التهام اللحوم والأسماك والحبوب والفواكه والخضار والبقوليات، أن توفير هذه الأطعمة كان بمثابة مؤشراً على حصولهنّ على الدعم الاجتماعي من قبل الزوج والأسرة، وعليه فإن المرأة الحامل التي تجد أن شريكها انصاع لرغباتها وأحضر لها ما تشتهيه حتى ولو كان ذلك في منتصف الليل، فإن هذا يجعلها تشعر بالراحة والاطمئنان، وبأن هناك شخصاً يحبها ويدعمها إلى أقصى حدّ.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard