المختارات الأدبية... كيف حاورت نصوص التراث حياتنا في الحاضر؟

الأربعاء 12 أغسطس 202006:26 م

يشكل كتاب الأستاذة وداد القاضي "مختارات من النثر العربي" كشفًا معرفيًّا على حقلٍ شاسعٍ من النصوص، ابتداءً بالفارابي ومقامات بديع الزمان وانتهاءً بطه حسين وميخائيل نعيمة. ينعكس ذلك الكشفُ المعرفيّ السهل والمبسَّط على إغناء القارئ من جهة، وتضييعه لاحقاً بين سياقات النصوص وشخوص مؤلِّفيها من جهة ثانية. وكما أشار عبد الفتاح كيليطو في "الكتابة والتناسخ" فإن العلاقة إشكالية بين الكاتب والمتلقّي من باب عدم فهم المتلقّي لدلالة نسبة نصٍّ ما لكاتب محدَّد.

تختصرُ كتبُ المختارات الأدبيّة الكثيرَ في القليل وتكتنزُ الكُلَّ في الاختيار. وقد بدأتْ مؤخَّرًا "سلسلة المكتبة العربيّة للناشئة" بالصدور عن مكتبة جامعة نيويورك أبو ظبي في الإمارات العربيّة المتّحدة. صدر عن هذه السلسلة ثلاثة كتب؛ "حياكة الكلام"، "لِـمَ اشتدَّ عشقُ الإنسان لهذا العالَم؟"، "ما لذَّة العشق إلّا للمجانين". ضمَّ كلُّ كتاب منها مجموعة نصوص مختارة من واحد من كتب التراث العربيّ.

تسعى "سلسلة المكتبة العربية للناشئة"، عن مكتبة جامعة نيويورك أبو ظبي بإصداراتها الأولى، إلى وضع الأدب الكلاسيكي في سياق الآداب العالمية وإحالته إلى واقع الحياة المعاش

اختار نصوص الكتابَين الأوّل والثاني الأستاذ بلال الأرفه لي والأستاذة إيناس خنسه، ونصوص الكتاب الثالث الأستاذان بلال الأرفه لي وموريس بومراتنز. وحرَّرها الأستاذ فيليب كينيدي. ترافقت النصوص برسوماتٍ كانت مشهدية (مع حكايا التنوخيّ: تصوير جنى طرابلسي، وعقلاء النيسابوري: تصوير ورد الخلف)، وكانت تجريدية (مع أسئلة التوحيديّ وردود مسكويه: تصوير ورد الخلف أيضًا).

أتت النصوص كما هي في أصلها دون إثقالها بالهوامش والشروح. هي أقربُ لما تكون عليه النصوص في الكتب المدرسية وقصص الأطفال بما فيها من رسوم وألوان (جاءت رسوم الكتاب الثالث ملوَّنة بينما كانت الرسوم في الكتابين الأول والثاني باللونين الأبيض والأسود).

تضيء موضوعات هذه الكتب وتنوُّعُ نصوصها جوانبَ من الأدب العربيّ الكلاسيكيّ وتحاول تجاوزه لوضع النصوص في سياق الآداب العالميّة. أمّا القائمون على العمل فهم متخصِّصون بكتب المختارات الأدبيّة الكلاسيكيّة (النثريّة والشعريّة)؛ ومن ذلك عملُ الأرفه لي على كتاب "يتيمة الدهر" للثعالبيّ، وعمل خنسه على كتاب "العقد الفريد" لابن عبد ربّه الأندلسيّ.

النص الكلاسيكي... تعدد حياتي وتأويلي

في مختارات "حياكة الكلام" (2020)، تدور النصوص المختارة حول سمة العجيب بما تتضمنه من لهفة وصدفة وخيال. نرى العجيب في القصص سببًا في تحقُّق الفرج بعد انعقاد الشدَّة. ويبدو العجيب على أصعدة عدَّة: الأحلام والتنبُّؤات، الكرم، التوكُّل وغرابة الأقدار، المُضحك والأسطورة، والفطنة والذكاء. ولا يخلو العجيب في النصوص من واقعية تشي بانتماء القصص إلى الأدب بما يحمله من تهذيب وتعليم وأخلاق. يظهر الأدب بمعانٍ موازية أيضًا؛ لنرى آداب الكرم مع معن بن زائدة وعبيد الله بن أبي بكرة، وآداب حفظ الأمانة مع من أضاع ماله واستعاده بعد سنين، وآداب التوكُّل مع من منع عن نفسه أكل لحم الفيل، ومع قصة ذلك الذي أجار حيَّة فأرادت قتله فخلَّصه جميلُ صنعه.



تدور النصوص المختارة أيضًا حول شخصيّات أيقونيّة؛ كالصوفيّ والكريم والمكدِّي والعارف بالتنبُّؤ والعارف بالتوكُّل. ترسم هذه الشُّخوص طيوف المجتمع العبّاسيّ كما رآه التنوخيّ من بوّابة الشدَّة والفرج، وتضيء على جوانب من مجتمعنا اليوم. وكما هو الحال مع كلّ قراءة جديدة لنصوص التراث، تُطرَح الأسئلة حول السبب والغاية من تكرار القراءة. لماذا العودة إلى آداب كلاسيكية؟ كيف نقرأ هذه النصوص؟ وهل بالضرورة فهم سياقها الثقافي مع أوّل قراءة لها؟ يختصر عبد الرحمن بدوي بعض هذه الأسئلة في تقديمه لكتاب "أرسطو عند العرب"؛ يكتب: "لكلّ فكرٍ ممتاز حياة حافلة في الضمير الواعي المتطوِّر للإنسانية على تباين عصورها وأجناسها. وبقدر تعدُّد صور هذه الحياة وعمق تكوينها وتلوينها يكون خصبها وعظمة صاحبها".

تحيلنا مختارات حياكة الكلام -من باب هذا التعدُّد الحياتيّ والتأويليّ- إلى لوحاتٍ من مسلسل حكايا المرايا للفنان ياسر العظمة، منها مثلًا حلقة (الخيّاط أبو معروف من التراث الشعبي- مرايا ٩٨) المأخوذة عن قصّة (الشيخ الخيّاط وأذانه في غير وقت الأذان). وتحيلنا حلقة أخرى من المسلسل بعنوان (خبر حلو.. عن رواية باولو كويلو- مرايا ٢٠٠٣) إلى إحدى القصص المختارة بعنوان (رأى في المنام أنَّ غناه بمصر). أحال العظمة الحلقة الأخيرة على رواية الخيميائي لباولو كويلو غير منتبهٍ لوجودها عند التنوخي.

بالإضافة إلى التناصّ المحتمَل بين كويلو والتنوخي، تضيء محاولتنا لتلقّي نصوص حياكة الكلام في سياق الآداب العالميّة على حبكة القصص وتطوُّرها الدراميّ أيضًا. تذكِّرنا حبكة الفرج بعد الشدة بحبكة القصص البوليسيّة التي تدور على الجريمة المتمثِّلة بالشدّة وإيجاد الحلّ المتمثِّل بالفرج. يشترك النوعان بوجود لغزٍ خفيّ، لكنّ اللغز في الفرج بعد الشدّة هو المحنة، أمّا في قصص الألغاز البوليسيّة فيدور اللغز حول الجريمة.

إن تلقي نصوص العصور الوسطى العربية في سياق الآداب العالمية والتناص المحتمل بينها وبين روايات حداثية، يشير إلى خصوبة هذه النصوص وعمق تلوينها وتكوينها

تتوزع النصوص المختارة في ثلاثة محاور. يقوم المحور الأوّل على فكرة الترحال بما فيها من شدَّة تمثَّلت بالضياع على الصعيد المكانيّ (آلى على نفسه ألّا يأكل لحم فيلٍ أبدًا)، والضياع على الصعيد الماليّ (أضاع هيمانه في طريق الحجّ ووجده أحوج ما يكون إليه)، والضياع على صعيد التأويل (رأى في المنام أنَّ غناه بمصر). أمّا قصص المحور الثاني فلا تجتمع على فكرة واحدة لكنّها تشي للقارئ بفطنة شُخوصها مع (أعراب ثلاثة يتنبَّؤون بموت قاضي القضاة ودفنه في داره، ما ثمانية وأربعة واثنان، الشيخ الخيّاط وأذانه في غير وقت الأذان). تمنح هذه الفطنة شخصيّات هذا المحور السيطرة على مجريات الأحداث فنراهم يشكِّلون الحبكة بفطنتهم لا عن طريق الصدفة أو الكشف. تأتي نصوص المحور الثالث (لقاءات وأقنعة وأدوار متغيِّرة) بحوارات مطوَّلة مع حبكة قد تبدو جانبيّة.

صوَّرت جنى طرابلسي القصص تصويرًا مشهديًّا. وجاءت معظم الرسوم لتنقل المشهدَ المتمثِّل بانعقاد الشدّة؛ وهو المشهد السابق على حدوث الفرج.

 الأسئلة العلمية في الثقافة الشعبية

في كتاب "لمَ اشتدَّ عشقُ الإنسان لهذا العالم؟" (2020) يشكو أبو حيان التوحيديّ في أحد أسئلته الإنسانَ لمسكويه: "وأوسع من هذا الفضاء حديث الإنسان؛ فإنَّ الإنسان قد أشكل عليه الإنسان". هل يشكو عدم فهمه للإنسان؟ أو أنّه يشكو تعاملاته الاجتماعية معه؟ أو أنَّ التوحيديّ يشكو من عدم فهمه لنفسه قبل انتقاله لفهم سواه؟ وهو الإنسان موضوعُ معظم تساؤلات التوحيديّ ومدارُ إجابات مسكويه. يسأل التوحيديّ في النصوص المختارة مسكويه تعليلًا لسِمات ومشاعر إنسانية ولظواهر طبيعية؛ "ما سبب غضب الإنسان؟"، "ما الجبر وما الاختيار؟"، "لِمَ سهل الموتُ على المعذَّب؟"، "لِمَ لا يجيء الثلج في الصيف كما قد يجيء المطرُ فيه؟"، "لمَ صارت مياه البحر ملحًا؟".


ولولا أنّنا نعرف أنّ السائل هو أبو حيّان التوحيديّ لحسبنا أنَّ سائلها من الأطفال. جميعنا سألنا أحد هذه الأسئلة في طفولتنا؛ كالسؤال عن عدم قدوم الثلج في الصيف مثلًا. كان تمنياً، لكنَّه كان تساؤلًا أيضًا. فهل شكَّل هذا النوع من الأسئلة مدار جدلٍ في العصر العبّاسيّ حتّى طرحها التوحيديّ على مسكويه؟ ربّـما تأتي الإجابة مع قراءتنا لردود مسكويه على هذه الأسئلة وتدويره لها حول مَحاور عدَّة أكثرها وضوحًا اثنان: غاية الإنسان وقواه الناطقة والبهيمية والغضبية من جهة، والعناصر الأربعة المشكِّلة للطبيعة من جهة ثانية.

تحيلنا أسئلة أبو حيان التوحيدي في كتاب "لم اشتدّ عشق الإنسان لهذا العالم؟" إلى تساؤلاتنا في الطفولة، بينما تضيء ردود مسكويه على هذه الأسئلة على ثقافتنا الشعبية في معالجتها للأسئلة العلمية

تحيلُنا بعضُ ردود مسكويه إلى ثقافتنا الشعبية في معالجتها للأسئلة العلمية، ويسأل التوحيديّ-الأديب مسكويه-الفيلسوف عن أمور تبدو عبثيّة "لِـمَ لَـمْ يرجع الإنسان بعدما شاخ وخَرِفَ، كهلًا، ثمَّ شابًّا غرِّيرًا، ثمَّ غلامًا صبيًّا، ثمَّ طفلًا كما نشأ؟"، "لِـمَ صار الحيوان يتولَّد في النبات ولا يتولَّد النبات في الحيوان؟". يحاول التوحيديّ في معظم أسئلته أشكلةَ الإنسان على مسكويه، فيذهب مسكويه إلى تفكيك تساؤلات التوحيديّ النفسيّة-الإنسانيّة ليردَّها إمَّا إلى العناصر الطبيعية الأربعة أو إلى المشاعر الإنسانية أو إلى دوافع الإنسان وغاياته.

لعلّ أغرب الأسئلة السؤال الأوّل في النصوص المختارة والذي يحاول فيه التوحيديّ عكس دورة الزمان ليسأل عن إمكانية عودة الكهل طفلًا بعدما شاخ؛ (أمْ أنَّه يشير إلى تناسخ الأرواح؟) وإذا سألنا ما إذا كان من طائل من هذا السؤال؟ فتأتي الفائدة في ردّ مسكويه ليوضِّح أنّه "ليست الشيخوخة والهرم نهاية نشوء الإنسان" وأنّ "غاية النشوء والحركة إنّما هي عند منتهى الشباب". قد تظهر بعض أسئلة التوحيديّ بلا طائل وقد تدلُّ أحيانًا على ترفٍ جدليّ مجرَّد لا فائدة فيه، لكنّ إجابات مسكويه دائمًا ما تعود بالتوحيديّ إلى الغاية التي يكرِّرها ويدور حولها ويؤسِّس لها في العديد من أجوبته وهي الإنسان الكامل وغاية النفس الناطقة. يعيد مسكويه تدوير أسئلة التوحيديّ عن الغضب والضجر في المحور الأول، والاختيار والجبر، وفضائل الشعوب حول محورٍ واحد في أنَّ غاية الإنسان هي في ترقِّيه إنسانيًّا وأخلاقيًّا واجتماعيًّا.

يلحظ قارئ النصوص المختارة اختلاف الأمزجة بين التوحيديّ السائل ومسكويه المجيب، يبدأ التوحيديّ مسألته "في حدّ الظلم" بجعل الظلم طبيعة في الإنسان على لسان الشاعر: "والظلمُ في خُلُق النفوس فإن تجد... ذا عفّة فلعلَّة لا يظلم". يأتي ردُّ مسكويه بتقديم الفلسفة على الشعر ثمَّ يجعلُ الظلمَ عارضًا يعرض على الإنسان لا طبعًا فيه. هذا كلُّه يبقى واضحًا إذا ما قرأنا مسكويه في سياق نظريّته الأخلاقية وإيمانه بأخلاقيّة الإنسان مقابل نظرة التوحيديّ إلى المجتمع التي "بلغت حدًّا متطرفًا من التشاؤم" كما تشير وداد القاضي.

لا يقف مسكويه في معظم الأسئلة عند حدود المفاهيم التي يؤطِّر بها التوحيديّ أسئلته، بل يتجاوزها إمّا إلى التجريد وبالتالي الاستفاضة في التفاصيل والخروج عن السؤال إلى مفاهيم ومشكلات إنسانيّة واجتماعيّة أوسع، أو نراه يُعيد صياغة السؤال ثم يشرع بالإجابة. يبدو من خلال النموذجين اهتمام مسكويه بتطوير طريقة التوحيديّ في التفكير بالأشياء والمجتمع والإنسان أكثر من اهتمامه بحدود الإجابة نفسها. يضيءُ ذلك على أهميّة جانب آخر لتلك المحاورات هو عرضُها لطريقتَين مختلفتين في التفكير وفي اصطناع الجدل وفي أشكلَة المسائل الفلسفيّة والإنسانيّة. فنرى تنقُّل كُلّ منهما بين الفلسفة وعلوم الطبيعة وبين ما يمكن تسميته اليوم بعلم النفس (ضمَّت الفلسفة آنذاك هذه العلوم جميعها).

اقتربت ورد الخلف في رسومها من طريقتَي مسكويه في الإجابة. فجاءت بعض رسومها تجريدية ومُلتَبِسة (رسومها مثلًا على مسألة الغضب والضجر، ومسألة تفاضل النثر والشعر)، بينما حملت رسومٌ أخرى تأويلاتٍ مُحتمَلة لأسئلة التوحيديّ وردود مسكويه (رسومها مثلًا على مسألة الأب والأم، ومسألة في حدّ الظلم، ومسألة المدح، ومسألة العمر).

ما لذَّة العشق إلّا للمجانين

في كتاب "ما لذَّة العشق إلّا للمجانين" (2020) تُحيلنا بعضُ النصوص المختارة من كتاب "عقلاء المجانين" إلى "تاريخ الجنون في العصر الكلاسيكيّ" لمؤلِّفه ميشيل فوكو، لا إحالة توافق وإنما إحالة اختلاف. تتمايز صورة المجنون ووضعه الاجتماعيّ في النصوص المختارة من عقلاء المجانين عن صورة المجنون كما أرَّخ لها فوكو في أوروبا القرن السابع عشر. ففي حين تُحيط نصوصُ النيسابوريّ المجانين بهالة من القداسة لا شكَّ أنّهم اتَّسموا بها آنذاك، لا يظهر المجنون مع فوكو إلّا من خلال الحجر والحجز والإقصاء والازدراء.

غير أنّ فوكو يخصِّص فصلًا بعنوان (تسامي الهذيان) يلتفت فيه إلى آراء بعض الفلاسفة بخصوص الحكمة الممكنة-الكامنة في الجنون. بخلاف ذلك، شكَّل مجانين النيسابوريّ صورًا أيقونيّة (brand names) اتَّصلت بهم في التراث الإسلاميّ؛ فالمجنون المتصوِّف الزاهد (عُلَيَّان) والمجنون الواعظ (بهلول) والمجنون الـمُحبّ (مجنون ليلى). وعلى ذلك جاءت النصوص المختارة في الكتاب- بِحسب تلك الأيقونات وبحسب علاقات المجانين الاجتماعيّة: علاقتهم مع الله، وعلاقتهم مع المحبوبة، وعلاقتهم مع العارفين، وعلاقتهم مع العامّة، وعلاقتهم مع السلطة.

من الطريف أيضًا النظر إلى رسم غلاف كتاب فوكو المترجَم إلى العربيّة (2006)، ومقارنته برسوم وتأويلات ورد الخلف على نصوص "ما لذَّة العشق إلّا للمجانين". تأتي رسوم ورد الخلف على نصوص النيسابوريّ لتصوِّر غرابة عقلاء المجانين لا من خلال غرابتهم هم بل من خلال غرابة تفاعلهم مع من حولهم (نرى بهلول مثلًا مستلقيًا بحضرة الخليفة هارون الرشيد، ونرى مجنون بني عامر يبتدئ تمزيق ثوبه بسبب ليلى). بينما يصوِّر غلاف "تاريخ الجنون" المترجَم أشكالًا كرتونيّة بوجوه ملوَّنة (كمهرِّجين؟) وبأفواه وعيون واسعة وشعر أشعث.

يأخذ الأساتذة عنوان الكتاب عن بيتٍ لأيقونة الجنون في التراث العربيّ، قيس بن الملوَّح:

قالوا جُنِنتَ بِمَن تَهوى فَقُلتُ لَهُم      مَا لِذَّةُ العَيشِ إلا للمَجَانِينِ

تبقى الإشارة إلى إمكانية تضمين خاتمة مبسَّطة في كلّ كتاب تحكي عن الكاتب بما يفيد القارئ في تأطير النصوص وتأويل مضامينها، أو أن تحكي الخاتمة مثلًا عن دوافع الكاتب في التأليف، أو عن ظروف تأليف الكتاب وظروف تلقِّيه. كانت آلية اختيار النصوص غامضة سوى ما وفَّرته المحاور من تأطير لها في ثيمات أدبيّة. يمكن أنْ تتعامل الخاتمة مع أسئلة من قبيل: كيف اختيرت النصوص؟ ما هو معيار اختيار نصٍّ دون نصّ؟ هل المعيار واحد؟ أمْ أنَّه يختلف من كتاب لآخر؟

يخرج المشروع بشكلٍ عامّ عن نمطيّة الاختيار في الكتب المدرسيّة. فمعظم النصوص المختارة في كتبنا المدرسيّة اختيرت لأداء وظيفة لم تكن فكريّة ولم تكن أدبيّة ولم تكن جماليّة. كانت معظمها لادِّعاء قوميّة محدَّدة (العربيّة) ولإلغاء قوميَّات أخرى (لَـم نقرأ مرَّة عن القومية الكرديّة مثلًا).

أشير هنا أيضًا إلى حلقة من مسلسل مرايا، يصوِّر الفنان ياسر العظمة فيها مشكلة مناهج اللغة العربيّة في سوريا، اللوحة بعنوان (أرواح ونفوس، مرايا 2011). يحاول أستاذ لغة عربية في اللوحة إضافة قصائد جديدة على المنهاج فيعترض مدير المدرسة ويستدعي موجِّه اللغة العربية في الوزارة. الاختلاف كان بين قصائد المنهاج (عن الغضب العربي) وقصائد الأستاذ (عن الأنهار والربيع والطبيعة). تنتهي الحلقة بمشهد للطلاب وهم يرمون المدرسة بالحجارة بعد تحطيم سيارة المدير. آخر عبارة في الحلقة كانت مباركة الأستاذ للمدير: "انشالله مبروك.. على شو مبروك؟.. على الكأس اللي ربحتوه بمسابقة الشعر الحماسي النضالي الثوريّ"!!

المشكلة هي في مبدأ الاختيار، عساه أن يكون أدبيًّا -بما يحمله الأدب من معانٍ- وفقط.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard