"لم اشتدّ عشق الإنسان لهذا العالم؟" التوحيدي يسأل ومسكويه يجيب

السبت 13 يونيو 202002:03 م

لم اشتدّ عشق الإنسان لهذا العالم؟ لم يرغب البشر بالعلم؟ كيف يسهل الموت على من يتعذب؟ وغيرها العديد من الأسئلة يتبادلها عالمان عظيمان ويطرحها كتاب "لم اشتد عشق الإنسان لهذا العالم؟ مختارات من الهوامل والشوامل: أبو حيان التوحيدي يسأل وأبو علي مسكويه يجيب"، وهو العدد الثاني من مشروع إعادة قراءة أنواع أدبية من العصر الوسيط الإسلامي، في سلسلة من إصدار  المكتبة العربية في جامعة نيويورك أبو ظبي (The Library of Arabic Literature (LAL. 

تتبنى مقاربة المكتبة العربيّة لإحياء التراث واستعادته بأجناسه وثيماته المتنوعة والمختلفة. ومن هنا كان الجزء الأول منها عبارة عن مختارات من كتابين للقاضي أبي علي المحسّن بن عليّ التنوخي تحت عنوان "حياكة الكلام"، في حين جاء هذا الجزء الثاني عبارة عن مختارات من مراسلات بين أبي حيّان التوحيدي وأبي علي مسكويه، وكلاهما من أبرز أعلام القرن الرابع الهجري المساهمين في ازدهار الحياة الثقافيّة والفكريّة في العالم الإسلامي في ذلك الوقت. نطل في هذا المقال على الجزء الثاني منها. 

لم لا نؤسس لتراث عربي مرجعيته النقاش والفكر والإبداع؟ هذا ما تقدمه سلسلة المكتبة العربية للناشئة التي أصدرت كتابها الثاني '"لم اشتدّ عشق الإنسان لهذا العالم؟" أبو حيان التوحيدي يسأل وأبو علي مسكويه يجيب' 

حوار من العصر الوسيط 

عمل بلال الأورفه لي وإيناس خنسه، أستاذا الأدب العربي في الجامعة الأمريكية في بيروت، على إكمال ما بدآه في الجزء الأول من سلسلة الناشئة من انتقاء لنصوص التراث وإعادة قراءتها، ثمّ جمعها وتقديمها لقراء اليوم، في حوار خلاق مع الفن والتصوير. للكتاب ثلاثة محاور معنونة تتضمن تعليقاً بصرياً مرفقاً بالمواضيع المختارة. الكتاب من تصوير الفنان السوري ورد الخلف، تصميم وإخراج نور الدين طبارة، واهتم بتحريره البروفيسور البريطاني فيليب كينيدي، أستاذ دراسات الشرق الأوسط في جامعة نيويورك أبو ظبي. ويقدم مختارات من المراسلات بين أبو حيان التوحيدي وأبو علي مسكويه في محاولة ليعكس واقع السجالات والتفكّر العقلاني في تلك الحقبة من خلال أسئلة يطرحها التوحيدي ويجيب عنها مسكويه متوخياً الإيجاز والسلاسة.

تطرح محاور الكتاب الثلاثة تساؤلات حول مفاهيم تقابل الإنسان في علاقته مع الكون والوجود، والمشاعر الإنسانية المتنوعة ومسائل جدلية تعكس محاولات الإنسان لفهم العالم من حوله من منظور الثقافة العربية الإسلامية في العصر الوسيط.

ثنائيات العالم المتضادة

يتناول المحور الأول، تحت عنوان "أسئلة مقارنة"، مجموعة من الأسئلة التي تقارن بين ثنائيات متضادة أو عناصر متقابلة يصادفها الإنسان في حياته اليوميّة، كالمقارنة بين الكهولة والشباب التي تعبر عن قلق الإنسان من الفناء ورغبته بالبقاء، أو مقاربة مفهومي التأنيث والتذكير في مسألة تأنيث الشمس وتذكير القمر ليطرح فلسفة تناوب المذكر والمؤنث في الخلق والأدوار المسندة لكل منهما في مثال عن "آلة المرأة" التي يعبر عنها بأسماء مذكرة و"آلة الرجل" بأسمائها المؤنثة. كما يضيء المحور على مسائل أدبية كانتقال الإنسان من الآداب الشفوية إلى التدوين ومن الارتجال إلى النقد والتفكير مجسداً ذلك في مقارنة بين "اللسان والقلم"، وإلى سمات المنظوم من الكلام والمنثور منه في مقاربة لمزايا "النثر والشعر".

ويتضمن إضافة إلى قضايا فلسفية وأخلاقية عن مزاج الإنسان المركب وطبائعه المتناقضة لا تخلو من نقاش حول سلوك الإنسان وأطباعه، كمؤالفة الطباع المنفرة وتطويعها مثل "الغضب والضجر" وكون هذه الطباع عاملاً في "تقليل إنسانية الإنسان".

غنى المشاعر الإنسانية

لماذا يحب الإنسان شهراً أو يوماً بعينه؟ ما هي ماهية الظلم وهل مصدره الطبيعة أم الإنسان نفسه؟  لماذا يحب البشر الرئاسة ويفرطون في طلبها ويحاربون لأجلها؟ لماذا يشتد عشق الإنسان للعالم؟ نجد إجابات لهذه الأسئلة وغيرها في المحور الثاني تحت عنوان "الإنسان: العشق والنقص". حيث يطرح مجموعة من المسائل التي تتعلق بمشاعر إنسانيّة مختلفة كالمحبة والإلف والحنين والسرور والظلم والأمل وحب السّلطة وعشق الإنسان للعالم.

يبين هذا المحور أنّ ما قدّمه التوحيدي ومسكويه مقاربة وليس موضوعاً، بمعنى أنهما يتحاوران بمواضيع تمتد من البسيط المباشر إلى السياسي إلى الوجودي في مقاربة واحدة. فيفسران، مثلاً، أن "العادة طبع ثان" لذا وجب اعتياد الصالح من الأمور، وأن "العلم كمال الإنسان" ولذا وجب استعماله في أشرف الغايات. وأن محبة يوم محدد من الأيام دون غيره مرده إلى رجاء راحة بعد تعب أو وعد بتحقيق أمل، أي أن المعنى تابع للسياق. ويتناقشان في أن ما يردّ الظلم عن المجتمع هو التزام الأفراد بأدوارهم، في نظرة سياسية تنظيمية لسيرورة المجتمع ونجاحه. وهنا نجد أمرين اثنين يستحقان الذكر. الأول أنّ الظلم والعدل مفهومان محوريان في ثقافة العصر الوسيط الإسلامية، فنجد أنها تتجلى في أشكال متعددة في أنواع معرفية شتى. والأمر الثاني، أنّ دور الفرد في المجتمع، يحيلنا إلى ميل الثقافة الإسلامية في العصر الوسيط إلى التوافق والتكامل بين الحكام والمسؤولين وشعوبهم، وهذا ما نراه في كتب أدب النصيحة، وفي الأحاديث، وفي الأدب كذلك.  

وفي محاولة لا تخلو من روح تآلف مع البيئة الطبيعية التي تحتضننا،  يطرح التوحيدي ومسكويه، أن عشقنا للعالم سببه أننا جزء منه. فيه بدايتنا واستمرارنا وهو بديل لرحم الأم.

الجدل في المسائل الخلقية والعلمية

يختلف المحور الثالث، وهو تحت عنوان "مسائل جدليّة"، عن المحورين السابقين في أنه إضافة إلى طرحه إلى مسائل أخلاقية لفهم دوافع الإنسان لبعض الأفعال، فهو يطرح مسائل تتعلق بالطبيعة والكون. فيتناول مسائل التبجح بمساعدة الآخرين والإحجام عن الحديث عن مساعدتهم لنا. كما يتناول موضوعات تتعلق بعادات اجتماعية كالكذب في التصريح عن العمر الحقيقي للإنسان، والصيت الذي يلحق بالمرء بعد موته، وعدم استظراف الناس للأحاديث المكررة وكرههم لسماعها. تدهشنا هذه الممارسات الاجتماعية وتقييم العالمين لها بقربها من حياتنا اليومية اليوم، ولو أنّ تناولنا لها وأشكال ظهورها، بالمقارنة، تختلف وتتنوع. 

من السؤال حول سبب ألم الأطفال والكائنات الأخرى غير العاقلة، نستشف همّاً فلسفياً ووجودياً، وفي نفس الوقت، إنسانياً، ومن هنا في هذا السؤال، وباقي أقسام المحور، نجد أن الهمّ الإنساني يخاطبنا حتى اليوم.

هل يمكن أن يقرأ الجيل الشاب التراث العربي بحرية، وأن يتفاعل مع مكوناته الإبداعية دون أن يُطالب بتبني مواقف أيديولوجية أو أخلاقية حياله؟ هذا ما يطرحه مشروع السلسلة العربية للناشئة، في كتابيه "حياكة الكلام" و"لم اشتد عشق الإنسان لهذا العالم"

كيف ننظر إلى هذه السجالات اليوم وكيف نقرؤها؟

يود محققا الكتاب في مشروعهما أن يعود التراث العربي الإبداعي كجزء من وعينا وهويتنا الثقافية، خاصة لجيل الناشئة. ما تعكسه المختارات من مظاهر الحياة الفكريّة للعرب في تلك الفترة ومدى انفتاحهم على الحضارات الأخرى والسابقة والمجاورة، دلالة على غنى التراث العربيّ ومرونته، وقدرته على احتضان التنوع الفكري. وهذا، لا شكّ، يعرّف الناشئ العربيّ عن قرب على تراثه الأدبيّ، ليتفاعل بحرية مع مكوناته الإبداعية دون أن يطالبه بتبني موقف أيديولوجي أو أخلاقي حياله. وختاماً، من خلال العلاقة المباشرة مع نصوص التراث، تأمل هذه السلسلة أن يتشكل وعي ثقافي وهويّة معرفيّة تمتد في التاريخ، وتؤسس لهوية عربية تراثية تعترف بالحوار والنقاش والأدب كجذور وروافد لها، الأمر الذي نحن بأمسّ الحاجة إليه في زمننا هذا.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard