"نتائج سياسة الاندماج الفاشلة"... مهاجرو السويد يدفعون الثمن مضاعفاً

الخميس 30 يوليو 202002:44 م

كثرت الأخبار والتقارير التي تتحدث عن ارتفاع عدد الإصابات بكورونا بين المهاجرين في السويد، وهو ارتفاع دفع بعدد من الباحثين للتحقق من الأمر علمياً، وبحث الأسباب الكامنة وراءه والآثار الناجمة عنه. لكن قبل التطرق لتلك الأسباب والنتائج، ثمة بعض الأرقام التي تعكس واقع المهاجرين في السويد وحجم تواجدهم.

بحسب آخر الإحصائيات الرسمية، والتي أصدرها المركز الوطني للإحصاءات في كانون الأول/ ديسمبر عام 2019، فإن أكثر من مليوني نسمة هو عدد المولودين خارج السويد والمقيمين فيها، من أصل ما يزيد عن عشرة ملايين نسمة هو مجموع سكان هذا البلد الاسكندنافي، أي أن نسبتهم تصل إلى 20 في المئة من عدد السكان.

في طليعة المهاجرين، يأتي السوريون الذين بلغ عددهم في السويد حوالي 191 ألفاً، يليهم العراقيون بحوالي 146 ألفاً، وبعد الفنلنديين والبولنديين يأتي الإيرانيون بثمانين ألفاً، والصوماليون بسبعين ألفاً، والأفغان بحوالي 58 ألفاً.

يتركز المهاجرون في ضواحي المدن الكبرى، ويتكتلون في تجمعات خاصة بهم، لدرجة أنهم يُشكّلون 26 في المئة من مجموع سكان العاصمة استوكهولم، و25 في المئة من مجموع سكان مدينة مالمو و21 في المئة من سكان مدينة يوتوبوري.

أما على مستوى البلديات فإن النسبة تتجاوز الأربعين في المئة في عدد منها، حيث تأتي بلدية بوتشيركا، الواقعة جنوبي استوكهولم، في الصدارة، إذ وصلت نسبة المهاجرين فيها إلى حوالي 43 في المئة، أما بلدية هاباراند في مقاطعة نوربوتن فقد بلغت النسبة فيها حوالي 41 في المئة وهي النسبة نفسها تقريباً في بلدية سودرتاليا.

"11 شخصاً في منزل واحد"

وسط هذه التجمعات، انتشر الوباء بسرعة أكبر من انتشاره في أوساط السويديين الذين ولدوا وعاشوا تاريخياً في البلاد. 

يقول سائق التاكسي السوري محمد حبيب (50 عاماً)، وهو من سكان أنكيريد في ضواحي مدينة يوتوبوري، لرصيف22: "في بداية شهر آذار مارس، شككتُ أن الأمر يتعلق بكورونا، فاتصلت بالمستشفى، لكنهم لم يزيدوا على أن طلبوا مني البقاء في البيت، والابتعاد عن أفراد العائلة، وأوصوني إذا اشتد علي الأمر ووجدت صعوبات في التنفس، أن أعاود الاتصال بهم، فكان أن عزلت نفسي في غرفة، وتعاطيت بعض الأعشاب والمشروبات الساخنة، إلى أن تعافيت تدريجياً".

يواصل حبيب مردفاً: "استغرق مني الأمر حوالي أسبوع، والحمدلله لم أنقلها لعائلتي، نحن 11 شخصاً نعيش في منزل واحد، زوجتي وأنا وأبناؤنا السبعة، بالإضافة لوالديَّ".

الازدحام في الأحياء السكنية الهامشية التي تعرف نوعاً من التدهور في الصحة العامة، نقص المعلومات وعدم توفرها بداية بلغة أخرى غير السويدية، الاكتظاظ في المنازل... عوامل رأى خبراء أنها تقف وراء ارتفاع عدد المهاجرين المصابين بكورونا مقارنة بغيرهم من أبناء البلد 

وحبيب هو حالة وسط آلاف الحالات بين مهاجرين أصيبوا بالعدوى، من سوريين وعراقيين وصوماليين وإريتريين، يعيشون وسط ظروف سيئة داخل الضواحي المكتظة في استوكهولم ويوتوبوري ومالمو، وغيرها من المناطق التي يشكل فيها المهاجرون نسباً مرتفعة.

البحث في أسباب الانتشار

منذ البدايات الأولى لانتشار الفيروس في السويد، شهر مارس/آذار الماضي، كانت الأرقام حينها، تشير لإصابات كثيرة في صفوف المهاجرين من أصول صومالية، حيث أعلنت "الجمعية الطبية السويدية الصومالية" أن من أصل 15 شخصاً توفوا بسبب كورونا في استوكهولم في ذلك الشهر، كان ستة منهم من أصول صومالية.

عزت الجمعية الأمر إلى "الازدحام في الأحياء السكنية الهامشية التي تعرف نوعاً من التدهور في الصحة العامة، ونقص المعلومات وعدم توفرها بداية بلغة أخرى غير السويدية، وأيضاً الاكتظاظ في الشقق والمنازل".

وقالت جيهان محمد، وهي طبيبة صومالية وعضو في مجلس إدارة "جمعية الأطباء السويديين الصوماليين"، في مقابلة على التلفزيون السويدي، إن المسؤولية تقع على كاهل الجميع، فـ"المعلومات والإرشادات والتوجيهات لم تكن متوفرة باللغة الصومالية في بداية الأزمة الصحية، وثمة عوامل أخرى قد تكون لعبت دوراً أيضاً".

بقي المهاجرون من أصول صومالية يمثلون النسبة الأعلى من الضحايا، رغم أنهم يشكلون أقل من واحد في المئة من مجموع السكان، بحسب تقرير لهيئة الصحة العامة على موقعها الرسمي، يوم 17 أبريل/ نيسان عام 2020.

ثم بدأت تنتشر التصريحات والبلاغات من هيئة الصحة وغيرها حول أن الصوماليين والإريتيريين والعراقيين والسوريين والإيرانيين والأتراك، هم الأكثر تضرراً من انتشار الفيروس في السويد. 

وعلى مدى أربعة أشهر، بقيت أرقام المصابين والوفيات في صفوف المهاجرين تتزايد بوتيرة مقلقة، وبحسب تقرير أصدرته الهيئة العامة للصحة، وهو نتيجة فحوصات تم إجراؤها في الفترة الممتدة بين 13 آذار/مارس و7 أيار/مايو، فقد وصلت الإصابات إلى 7800 إصابة في صفوف المهاجرين، بين كل مئة ألف حالة تم إخضاعها للفحص، مقابل 189 حالة فقط بالنسبة للسويديين من أبناء البلد.

وبحسب إحصائية نشرتها الهيئة العامة للصحة، وصلت نسبة الإصابات في صفوف المهاجرين إلى حدود 7 أيار/ مايو الماضي إلى حوالي 32 في المئة، من مجموع الإصابات، رغم أن نسبتهم حوالي 20 في المئة فقط، من مجموع سكان السويد.

هذه الإحصائيات أكدتها دراسة صدرت قبل شهر فقط نشرتها المجلة الطبية السويدية "Läkartidningen"، شارك في إعدادها عدد من الباحثين في جامعة يوتوبوري نهاية شهر يونيو/ حزيران.

وأرجعت هذه الدراسة سبب ارتفاع خطر الإصابة بالعدوى إلى التكوين الاجتماعي للمهاجرين في السويد وأسلوب معيشتهم، والصعوبات السكنية التي تواجههم، فضلاً عن الأعداد الكبيرة للعائلات، والازدحام والقدرة المحدودة على العمل من المنزل، والاعتماد على وسائل النقل العام وأيضاً أساليب التواصل بين السلطات وهذه المجتمعات.

من جهته، صرّح الأخصائي النفسي ورئيس جمعية "قطار المستقبل" السويدية يوسف الجباري لرصيف22، قائلاً: "السويد فشلت في حماية المهاجرين في الأماكن المزدحمة بسبب عدم ثقة المهاجرين بالسلطات السويدية، وبسبب الجهل المنتشر على نطاق واسع بين المهاجرين لا سيما حول المعلومات الطبية والوقائية، كما أن التقاليد والعادات السلبية لهذه الشريحة الكبيرة كانت سبباً آخر في انتشار وباء كورونا بين أفرادها بهذا الشكل".

في ظل التقارير التي أشارت إلى ارتفاع نسبة الإصابات بكورونا في صفوف المهاجرين، استغل اليمين المتطرف الوضع فحمّل المهاجرين المسؤولية، وانطلقت دعوات لمحاصرة منازلهم من طرف الجيش وطردهم، بموازاة السخرية من إصاباتهم والدعوة لوقف حقهم باللجوء

ويضيف الأخصائي ذي الأصول المغربية معلقاً: "من جهة، سياسة الاندماج الفاشلة هي التي أوصلت لهذه النتائج الكارثية بين الأجانب الذين يعيشون في أوساط وأماكن منعزلة عن المجتمع السويدي، ومن جهة أخرى يعود الارتفاع في عدد الإصابات بينهم إلى التكوين الاجتماعي للمهاجرين في السويد وأسلوب المعيشة والصعوبات السكنية والأعداد الكبيرة للعائلات والأسر".

خطاب الكراهية

في بداية الترويج لتلك الأرقام، حاولت بعض الأصوات استغلالها لإشعال خطاب الكراهية، وتحميل الضحايا المسؤولية عن إصابتهم بالفيروس وتهديد المجتمع.

زعيمة الحزب المسيحي الديمقراطي إيبا بوش تحدثت، في تصريحات تناقلتها وسائل الإعلام، مطلع نيسان/ أبريل، عن أسباب انتشار الفيروس في أوساط المهاجرين، خاصة الجالية الصومالية والجاليات ذات الخلفية الآشورية والسريانية المسيحية، مشيرة إلى أن كنيسة سورية في استوكهولم فقدت لوحدها 8 من رعاياها وأصيب في أوساطها 40 آخرون بالعدوى، رابطة الأمر بـ"الخلفيات الثقافية".

اليمين المتطرف استغل الوضع للترويج لخطابه وأطروحاته، فحمّل المهاجرين المسؤولية، وانطلقت الدعوات لمحاصرة منازلهم من طرف الجيش، وحتى لطردهم، لكن هذا الخطاب بقي محصوراً ببعض المواقع ولم يلق صدى واسعاً.

عند التواصل مع مؤسسة "إكسبو" السويدية، المعنية بمحاربة العنصرية والكراهية ورصد خطاب اليمين المتطرف في السويد، لسؤالها عما إذا تم تسجيل أي حوادث عنصرية في هذه الفترة، ردّت بالإشارة إلى تقرير أعدته المؤسسة ونشرته يوم 23 أيار/ مايو، فيما أشار معد التقرير مورغان فينسيو لرصيف22 إلى "رصد وتسجيل بعض حوادث الكراهية المتعلقة بانتشار الوباء في أوساط المهاجرين، وتحميلهم المسؤولية حول تأزم الوضع، والمطالبات بإيقاف حق اللجوء... ووصل الأمر إلى السخرية من المصابين والفرح بإصابتهم".

وكان التقرير قد وجّه اتهامات لليمين المتطرف، محذراً من أن الأمر قد يزداد سوءاً.

من جهتها، ردّت جيمي بولينج، وهي مديرة "معهد الحياة المستقلة" المعني بحقوق اللاجئين من كبار السن وذوي الاحتياجات الخاصة، على سؤال لرصيف22 حول إمكانية أن يؤدي ترويج مثل هذه الدراسات وهذه الأرقام المرتفعة إلى تفشي الكراهية والوصم بحق المهاجرين، قائلة: "ليس من السهل الإجابة حول هذا السؤال عن جرائم الكراهية، لكن يمكن أن يكون الأمر كذلك، في الوقت نفسه من المهم ألا يتوصل الناس إلى استنتاجات سريعة تؤدي إلى الوصم".

ولا تزال السويد تسابق الزمن للتغلب على هذه العقبات، لكن لا يبدو أن هناك حلاً في الأفق، مع الارتفاع المستمر في أعداد الإصابات التي وصلت إلى حوالي 79 ألف إصابة، بحسب آخر الأرقام الرسمية الصادرة في 28 تموز/ يوليو 2020.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard