"أتهرّب من لقاء حبيبتي"... عن الحب والنزهات والنفقات في غزة

الثلاثاء 28 يوليو 202005:39 م

بات الغلاء يتغلغل في المشهد الغزّي رغم تردي الأوضاع الاقتصادية، جاعلاً من المشهد أكثر قتامة عما كان عليه في عام 2006، سماه البعض في القطاع بـ"عام النكبة الثانية".

وتؤثر الضائقة الاقتصادية على شكل العلاقات، ونوع الاحتياجات بين الناس، خاصة في العلاقة بين المحبين، والأزواج، والمرتبطين؛ فالبعض يلجأ للمشاعر "الحقيقية"، ويقدر الترابط والتضامن، بينما آخرون يزداد تعلقهم بالرفاهية، ويزدادون بها شغفا.

يتهرب الشاب عبد الكريم أبو حميد، الذي يعمل منسق برامج تنموية بمؤسسات في غزة (28 عاماً)، من لقاء خطيبته بشكل دوري، وذلك ليس كرهاً لها، بل هو يحب لقاءها، ولكن صعوبة الأوضاع الاقتصادية تجعله يهرب من لقائها، وذلك لعدم مقدرته على توفير نفقات الخروج معها برحلة ترفيهية.

يقول أبو حميد: "أحاول في الكثير من الأوقات التحجج بالانشغال بأمور عملي، وذلك بالتزامن مع صعوبة الأوضاع الاقتصادية التي نمر بها، حيث لا يتجاوز راتبي 1000 شيكل شهرياً، في حين أصبحت خاطباً منذ سبعة شهور، على عكس بدايات مرحلة الخطوبة، كانت أياما جميلة، كان الخروج أسبوعياً لمناطق وأماكن فاخرة تطل على البحر، وأخرى داخل مدينة غزة".

"أحاول في الكثير من الأوقات التحجج بالانشغال بأمور عملي، حتى لا أقابل خطيبتي، بسبب صعوبة الأوضاع الاقتصادية، على عكس بدايات مرحلة الخطوبة، كانت أياما جميلة، كان الخروج أسبوعياً لمناطق وأماكن فاخرة تطل على البحر، وأخرى داخل مدينة غزة"

ولكن باتت الأمور مغايرة الآن، فأصبح أبو حميد أحرص على تحديد الأماكن غير المكلفة، كالأماكن العامة أو المطاعم الشعبية، يقول: "ما يجعلني سعيداً أن خطيبتي لم تفكر يوماً بطلب يزيد عن حملي، بل دوماً تشعرني بأني أقدم لها أجمل شيء، وفي نفسي أدرك أنها تتعاطف معي وتتعامل مع الأمور بدون إشعاري بمعرفتها ما يدور في ذهني".

"شهران بلا نزهة واحدة"

يحاول الشاب سالم عزيزة (29 عاماً)، يعمل سائق سيارة أجرة، تأمين 20 دولاراً أمريكياً كل يوم خميس من الأسبوع، لينطلق إلى منزل خطيبته الذي تقدم لها بعد قصة حب، التي يعتبرها "من ثوبه"، ومن ذات "الطبقة" الذي ينتمي لها، ما يجعله يحرص على التعامل معها كما كانت الأمور ما قبل خطوبته.

يحكي عزيزة عن نزهاته مع محبوبته لرصيف22 قائلا: "كنت أخرج معها خلال الشهر مرة، وأحياناً يمضي شهرين دون الخروج سوياً، وكنت أقوم بوضع قائمة أماكن فاخرة أضعها في مخيلتي، وعند لقائنا كنت أجعلها تقرر المكان الذي تختاره من الخيارات التي أفاجئها بها، وكنا نحظى بجولات يسودها تناغم".

"وبعد ترتيب أموري ذهبت للتقدم لها، وبالفعل حصل، وأصبحت اليوم أخرج معها أسبوعياً"، ويبتسم مضيفاً، "أجرينا سوياً عقب انتهاء مراسم الخطوبة اتفاقاً ضمنياً، حيث تكون الطلعة كل يوم خميس وتكون لأحد المطاعم الشعبية أو المقاهي، مع جولة في السيارة بين طرقات غزة، فأنا أهوى رؤيتها أكثر من أي شيء آخر بحياتي"، يقول عزيزة.

على عكس عزيزة، سالم عبد الرحمن (32 عاماً)، قرر هو وزوجته الخروج مرة كل شهر برفقة طفليهما، حيث يعمل موظفاً في السلطة الفلسطينية، وأصبح كورنيش بحر غزة محط قدمهم في كل جولة، حيث يضع بعين الاعتبار عدم تكبد نفقات كبيرة.

ويعبر سالم عن سعادته أن والدته عثرت له على رفيقه حياته من أحد الأحياء الشعبية شرق مدينة غزة، يقول لرصيف22: "قالت لي والدتي خد من ثوبك لا تتعب بحياتك، كون زوجتي من تدير أمور حياتي اليومية، ولا أقوم بالمراجعة خلفها بما تقوم به كوني أثق بفعلها".

يصف سالم علاقته بزوجته بأنها "الحب الحقيقي الصادق".

"تفسحنا في مكان عمل زوجي"

يقوم محمود علوان (36 عاما)، يعمل في مجال العلاج الطبيعي، بالتحضير للخروج يوم الخميس برفقه زوجته، إلى أحد المرافق العامة، لكي يحتسيا كوباً من القهوة، غير مهتم لنظرة الآخرين له، وعما يفعله، باعتباره مكانا "غير مناسب" للتنزه مع زوجته.

يقول علوان لرصيف22: "أتحرّك بكل حرية وتناغم مع زوجتي جراء سيرنا وجلوسنا في جولاتنا ولا نهتم لنظرة الآخرين، فالمحبة والسعادة متواجدة بكل لحظة ومكان في الحياة، وأشعر دوماً أني أسعد رجل، رغم صعوبة الحياة، فزوجتي غيرت معالم أيامي".

وفي المقابل، امتنعت سوزان يحيى، اسم مستعار (34 عاماً)، وتعمل محاضرة جامعية في غزة، وتعود أصولها لأحد الأحياء الشعبية، عن طلب الذهاب للأماكن الفاخرة، بعد زواجها من شاب أحبها،  رغم صعوبة أحواله المادية، حيث يعمل مزارعاً، وذلك مراعاة لظروفه الاقتصادية.

"لم أذكر يوماً أني طلبت منه الذهاب لأحد الأماكن الفاخرة، ودوماً أشعره أني لا ينقصني شيء من المستلزمات الترفيهية".

توجز سوزان فلسفتها في السعادة والحب، قائلة لرصيف22: "السعادة أن تجد من تحب دوماً سعيداً، قريب منك دوماً، يشعر بمشاعرك دون كلمات، وأن يعرف ما أحتاج دون أن أطلب، هنا السعادة الضائعة لدى العديد من الفتيات، وليست السعادة التبهرج في الفنادق والمطاعم الفاخرة".

وتتذكر سوزان ذاك اليوم الذي قام زوجها بمفاجأتها، بترتيب نزهة أسرية برفقة أخوتها وأمها والعائلة، إلى الأرض التي يعمل بها، وقاموا بتمضية يوم سجلته ضمن الذكريات الخالدة، تقول: "ليست الأماكن الفاخرة هي من تسطر الذكريات الجميلة في الحياة الزوجية، بل ترابط القلوب، وتقارب العقول هي الجمال الخفي".

"الرفاهية ترف مسرف"

"لم أتصور يوماً أن أفكاري سوف تؤدي بي إلى التهلكة"، هكذا وصف الشاب عزمي علي، اسم مستعار (36 عاماً)، موظف بإحدى مؤسسات القطاع الخاص، وذلك عقب إصراره على الزواج من فتاة من "الطبقات المرفهة" في غزة، اللواتي يتبعن نمط حياة، اعتبره "ترفا مبالغا فيه"، ولكنه في النهاية وجد نفسه أمام عدة مشكلات.

يقول عزمي إنه أصبح اليوم ملزماً أن تكون كافة عملية المواصلات من خلال طلبات خاصة عبر مكاتب، وإضافة إلى تناول الغداء مرتين أسبوعياً بمطاعم فاخرة، اعتادت عليها زوجته قبل الزواج.

"تتذكر سوزان بحب ذاك اليوم الذي قام زوجها بمفاجأتها، بترتيب نزهة أسرية في مكان عمله، تقول: "ليست الأماكن الفاخرة هي من تسطر الذكريات الجميلة في الحياة الزوجية، بل ترابط القلوب، وتقارب العقول هي الجمال الخفي"

وبحسب تقارير صادرة عن وزارة التنمية الاجتماعية في قطاع غزة خلال شهر أكتوبر عام 2019، أفادت بلوغ نسبة البطالة في القطاع العام الى ما يقرب من 75%، وأظهرت إحصائيات صادرة عن الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني خلال عام 2019 معدل إنفاق الفرد الشهري بالدينار الأردني في قطاع غزة 91.2 دينارا (128 دولار).

وأفادت إحصائية صادرة عن مركز المعلومات في وزارة الداخلية–الشق المدني، صدرت مؤخرا، بأن عدد سكان قطاع غزة حتى نهاية شهر أبريل من العام الجاري، بلغ مليوناً و867 ألفاً و744 مواطناً، بلغ عدد المتزوجين منهم 631 ألفاً و178 مواطناً، بنسبة 33.7%.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard