"أهلي ضربوني ليحافظوا على صورتهم"... أن تكون ملحداً في غزة

الخميس 5 مارس 202002:34 م

لاحظ ساري في بدايات تأملاته حول الإسلام، التناقض بين من يحملون اسم الدين وبين أخلاقياتهم، ما دفعه لطرح تساؤل على نفسه: "كيف لي أن أؤمن بدين من لا يملكون ديناً".

هذا التناقض دفعه للتخلي عن فكرة الدين بالأساس، واعتباره "أكذوبة ممولة بالإعلانات"، وعلى الرغم من قناعات ساري  (29 عاماً)، يعمل في مجال التجارة الإلكترونية، تجاه الدين والإسلام إلا أنه لم يمتلك القوة لإعلان الإلحاد، وترك الدين الذي كان يعتنقه.

يقول ساري لرصيف22: "وجدت التجرد من كافة المعتقدات حقيقة يجب التحلي بها، والعيش ضمن قناعات فكرية متحررة حرية، لا تخضع للدين أو تحكّم الآخرين".

ويثمّن ساري ممارسته للقراءة التي علمته أن يفكر بشكل نقدي، يقول: "شغفي بالقراءة كان السبب الحقيقي خلف عدم الاقتناع بالدين الإسلامي، الذي وجدت فيه تناقضات، حيث يتحدث الدين عن معتقدات، وعلى أرض الواقع نجدها تنفذ بطرق وأساليب مخالفة، ما يدل أن من يعزفون على أوتار الإسلام ليسوا إسلاميين".

بالنسبة لساري، الإلحاد قائم على ثلاثة مستويات: الأولى هي الإلحاد بقناعة وحجة ومنطق، والثانية هي لا دينية، يتساوى فيها التدين في ذهن الشاب مع عدمه، فهو في موقف الحياد، والمستوى الثالث هو عدم الاكتراث، ورغم ما يتوهم من تساوي المستويات الثلاثة، إلا أن الواقع يقدم معطيات مخالفة، بحسب ساري.

"خطبة الجمعة كنشرة أخبار"

سمير، اسم مستعار (33 عاماً) ليس ملحداً بالمعنى الكامل، لكنه "لاديني"، كما يحب أن يصف نفسه، ويحمّل حكومة حماس في غزة مسؤولية بعده عن الدين، وعدم قيامه بالشعائر الدينية، مع بقاء إيمانه بوجود الله والأنبياء، ولكنه لا يؤمن بكل ما يقوم به الإسلاميون داخل المساجد أو في الحياة.

يشير سمير في حديث لرصيف22، لمظاهر الدين التي تحولت لأداة سياسية، يقول: "تحويل خطبة الجمعة من درس دين إلى نشرة أخبار سياسية، إضافة إلى تحويل حضور الصلاة لسجل حضور وغياب، جعلاني أشعر بالاشمئزاز، والنظر لمن لا ينتمي لحركة إسلامية على أنه كافر، جعلني أتخلى عن فكرة الدين المزيف، والمضي في الحياة مجرداً من كافة الشعائر الزائفة".

"تحويل خطبة الجمعة من درس دين إلى نشرة أخبار سياسية، إضافة إلى تحويل حضور الصلاة لسجل حضور وغياب، جعلاني أشعر بالاشمئزاز، والنظر لمن لا ينتمي لحركة إسلامية على أنه كافر، جعلني أتخلى عن فكرة الدين المزيف"

وتوافقه سهى، اسم مستعار (29 عاماً)، في الرأي، فقد تخلّت سهى التي تعمل كسكرتيرة عن الشعائر الدينية في وقت مبكر من حياتها، وهي بعمر 16 عاماً، متبنية الإلحاد، بعد رؤيتها ما تصفه بـ"سفك الدماء والقتل في عام 2007 بغزة باسم الدين، ليسود غزة نظام سياسي ديني يتبنى أفكاراً دينية متشددة لا تتقبل الرأي الآخر".

وتوجز سهى رأيها لرصيف22: "ليس جديراً بنا الإيمان بدينهم المزيف، واليوم أرى نفسي أتحلى بفكر يضمن حريتي".

وترى سهى أن سلوك الأحزاب الدينية المتطرفة في غزة دفع الشباب قسراً للكفر بها، وبالدين الذي تنتمي إليه، ما جعل من الواقع السياسي سبباً في الكفر بما يروجون له باسم الدين.

"أحبّ من الإسلام أعياده"

"ولدت مجبرة على اعتناق الدين الإسلامي بشكل إلزامي، كوني أنتمي لأسرة ملتزمة بالشعائر الإسلامية، وكل شيء يدرج ضمن حرام وممنوع، ما جعلني أبحث عن مهرب، لأجد الإلحاد حلاً منطقياً في كل ما أرغب بعمله"، تقول ريم (25 عاماً)، طالبة جامعية.

"أصبحت أتحلى بحرية الفكر منذ 5 سنوات، وحافظت على سرية الأمر حتى 3 أعوام، وبدأت في الحديث حول معتقداتي وأفكاري لصديقتي التي تقبلت رأيي، ولكن اعترضت على تبني فكرة الإلحاد".

وتضيف ريم لرصيف22: "أحاول تجنب كافة الأحاديث والحوارات التي تدور حول الدين والشعائر الدينية، كوني أمتلك نظرة مغايرة لرفيقاتي وأقاربي".

"أحاول تجنب الأحاديث التي تدور حول الدين والشعائر الدينية، لأني مختلفة".

ولدى ريم شغف بالمشاركة في الأعياد، التي ترى أنها "الجانب الوحيد الإيجابي في الدين بما فيها من جماليات رائعة".

وأما سعاد (23 عاماً) فقد تحلت بالشجاعة، وأفصحت عن الإلحاد لوالدتها بعد تخليها عن فكرة الدين بسبعة شهور.

ولكن سعاد لاتزال تخفي الإلحاد عن أبيها، والذي يحمل "أفكاراً دينية متعصبة"، حسب وصفها، وتتوقع تعرضها للضرب والطرد من البيت نتيجة علمه بالأمر.

وتقول سعاد عن الطريق الذي سلكته لتصل إلى الإلحاد: "إلحادي أتى نتيجة تراكمات فكرية، وكثرة اطلاعي وقراءاتي للأدب الغربي، الذي وجدت به حرية كبيرة في الفكر والتفكير والتعبير".

"ضرب مبرح تعرّضت له بعد شعور أخوتي الثلاثة بإلحادي، خاصة أنهم أبناء أحزاب إسلامية في غزة، والسبب الحفاظ على صورتهم"

وترى سعاد جهرها بإلحادها "سيجعلها تمر بمحطات مغايرة بحياتها"، كون المجتمع وأهلها ينظران للإلحاد على أنه أمر مشين ومرفوض، ما جعلها لا تفصح عنه إلا لوالدتها.

"تخليتُ عن التديّن التقليدي"

"إنني لا أنكر وجود صاحب الوجود، إنما لا أصدق الموجودات، ونحاول الحصول على الحقيقة بشكل ذاتي، ولا نقبل توارث الدين عن الآباء دون البحث والمعرفة"، هكذا وصف صدام، اسم مستعار(31 عاماً)، مندوب مبيعات، الإلحاد بلغته، وفق المعتقدات التي يتبناها.

ويرى صدام أن عدداً من الشبان المقربين له على علم بما يحمله من أفكار، ويوافقه بعضهم الرأي، وباتوا يرون "التدين التقليدي أمراً سلبياً، ويجب التحلي بالجرأة لتحديد ما يجب أن تكون في الحياة، بعد مرحلة من العصف، والبحث، والدراسة في خفايا الأديان التي يتم التغني بها".

أما محمود (35 عاماً)، لا يعمل، فكانت ردود الأفعال على إلحاده مغايرة، حيث تعرض للعنف من أهله.

"ضرب مبرح تعرّضت له بعد شعور أخوتي الثلاثة بترك الإسلام وإلحادي".

"ضرب مبرح تعرضت له بعد شعور أخوتي الثلاثة بإلحادي وترك الدين الإسلامي، وخاصة أنهم أبناء أحزاب إسلامية في غزة"، يقول محمود (35 عاماً)، والذي ترك الدين الإسلامي منذ سبعة أعوام.

وعن تفسيره للعنف الذي تلقاه من عائلته، يقول محمود: "كانت دوافعهم فقط الحفاظ على صورتهم أمام المجتمع، ولكن لا ينظرون لما يفعلونه بالبشر باسم الدين، من اعتقال وضرب باسم حفظ الأمن وعدم المساس بالحكومة، فكيف لدين أن يحمي حكومة، طريقة تصرفاتهم تلك دفعتني للإصرار على الإلحاد".

ويرفض أستاذ الفقه الإسلامي في الجامعة الإسلامية، طالب أبو شعر، كل أشكال التفكير البعيدة عن الدين، ويعلق على حالات الإلحاد بين الشباب لرصيف22، قائلاً: "لا تصلح الحياة بلا دين، الله أنزل الدين الإسلامي على البشر ليكون دين الفطرة، وهو مناسب لواقع الإنسان وحاجاته على مستوى النفس والعقل، ويخاطب كل حواسه وجوارحه".

ويشدِّد أبو شعر على أن الأوضاع السياسية والمعيشية أوقعت الشباب، ووصفهم بـ"المهددين بالضياع"، بحسب تعبيره، في إطار "ردة فعل عنيفة تجاه الدين، نتيجة التطبيقات السيئة والسلبية لبعض المنتسبين للإسلام".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard