تونسيون يركبون "زوارق الموت": هل أخشى الغرق، كورونا أو المستقبل في بلادي؟

الأربعاء 22 يوليو 202011:45 ص

يبدو أن الآفاق قد ضاقت جداً في تونس، وبات الأمل بتحقيق الأحلام صعباً للحد الذي لا تتردد فيه عائلات بأكملها وشباب بعمر الزهور وبمستويات علمية عليا، عن ركوب قوارب الموت، دون الاكتراث لخطر الرحلة التي قد تنتهي بهم في قعر البحر من جهة، ودون الاهتمام بكون مقصدهم بلداً موبوءاً، حصد فيه كورونا آلاف الأرواح، ومازال حتى الآن عصياً على السيطرة، من جهة أخرى.

مغامرة باتت تتكرر بكثرة منذ فترة في هذا البلد، وتبعث على الحزن والاستياء من وطن لم يتمسّك جيداً بأبنائه، ودفعهم لطرق أبواب الموت بحثاً عن وطن بديل يمد يده لأحلامهم التي صودرت في بلدهم.

تجتاحني أسئلة كثيرة وأنا أتابع هذا المشهد: كيف يعقل أن تمتهن الأوطان فعل الخذلان مع أبنائها لهذا الحد؟ وماذا يفعل اليأس بمن ضاعت أمانيهم أو التي على وشك الضياع؟ هل من العدل أن يُدفعوا قسراً لطرق أبواب غالباً ما تكون نهايتها الطوفان كجثث على السواحل البحرية؟

وبينما تحاول الشعوب في هذا العالم، منذ بضعة أشهر، ألا تتجاوز حدود بلدانها خوفاً من الفيروس المنتشر، هناك في تونس يختلف الوضع، فحسب المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، تضاعف عدد الشباب الذين لم يعد يخيفهم هذا الواقع الوبائي، وانطلقوا في رحلات غير نظامية نحو الغرب، وتحديداً نحو السواحل الإيطالية، حالمين بالفردوس الأوروبي ومثقلين بخيبتهم من سياسيين لم يحملوا إليهم سوى الفقر والتهميش والخوف من المستقبل.

يقول أحد الشباب، سامح (اسم مستعار)، 26 عاماً، من محافظة القيروان وسط غرب تونس، وهو أحد الواصلين إلى الأراضي الإيطالية في رحلة غير شرعية، ممن تحدثت إليهم عبر أحد مواقع التواصل الاجتماعي، ساخراً: "عن أي كورونا وعن أي موت تتحدثين؟ نحن منذ البداية في عداد الموتى فما الفرق؟ ركبنا البحر محمّلين بقناعة واحدة: إما أن نموت مرة واحدة أو نصل إلى الوجهة التي سنبدأ فيها حياة جديدة في بلد يحترم كرامة الانسان. انتظرنا طويلاً حتى نفذ صبرنا، حاولنا مراراً أن نبدأ ولو بمشاريع صغيرة جداً، فأوصدوا الأبواب أمامنا وداسوا على كرامتنا دون أي تردد، ودون أن يشعر أحد بما حل بنا".

ويتابع: "صرخنا وتظاهرنا عسى أن يشعر الجالسون في كراسيهم المريحة بحاجتنا وإحباطنا لكن دون جدوى. أنظر في عيني أمي فأخجل من حزنها وهي تشعر بمرارتي وعجزي وقلة حيلتي، أخجل من وعودي التي قطعتها لها يوماً بأنني سأكبر وأنجح وأعمل لأهديها أشياء جميلة، لكن كبرت ونجحت ولم أعمل. طرقت كل السبل بلا فائدة. أبعد كل هذا سأخشى الغرق أو كورونا؟".

مغامرة باتت تتكرر بكثرة منذ فترة في هذا البلد، وتبعث على الحزن والاستياء من وطن لم يتمسّك جيداً بأبنائه، ودفعهم لطرق أبواب الموت بحثاً عن وطن بديل يمد يده لأحلامهم التي صودرت في بلدهم

عندما تستمع إلى حكايات المهاجرين "غير الشرعيين" يهدأ غضبك السابق الذي انتابك وأنت تتابع الحكايات التي تروى عن الأعداد المتزايدة للمهاجرين من تونس. بمعنى أنه رغم حزني على من يختارون هذه الرحلات، إلا أنه في البداية يراودني كذلك شعور بالغضب: كيف يتجه هؤلاء إلى هذا المصير؟ وأقول في داخلي: إنهم متهورون أكثر من أي شيء آخر، وأستخفّ بالمبررات التي أسمعها من هنا وهناك. لكن عندما عرفت حكايات بعضهم من أصحابها، خجلت من نفسي كيف ألقيت باللوم عليهم في بعض المرات، فجميعهم محملون بشروخ عميقة، تركتها خيباتهم المتكررة من آمالهم المتساقطة واحدة بعد أخرى، والهلع الذي يسكنهم: ماذا وكيف سيكون غدهم؟ خوف يحركه وضع يأبى أن يتغير، وساسة تشغلهم معاركهم الضيقة من أجل غنيمة الحكم، ولا يصلهم أنين هؤلاء المنسيين في محافظات مختلفة من البلاد.

أصبحت على يقين بأنه ليس سهلاً، بل ومن غير الممكن، مصادرة حلم شاب بحياة أفضل ما دام كل ما يحيط به يبعث على الإحباط، وليس من المجدي محاكمة من اختار طريقه وسط قوارب الموت بحثاً عن واقع أفضل، حتى البحر الذي بات مقبرة عائمة لن يثنيهم عن التمسك بما اعتبروه طوق نجاتهم من وطن لفظهم بلا مبالاة.

وإذا كان هناك بد من المحاكمة، فإن المسؤولية لا بد أن تلقى على الدولة التي لم ينجح نظامها السياسي والاجتماعي في استيعاب مشاكل هؤلاء، وفاقمت فقرهم وحاجتهم.

في تونس، يدرك الجميع أن الثورة التي اندلعت منذ الـ17 من ديسمبر 2010 كان محركها الأساسي الشباب الذي سئم التهميش وانعدام تكافؤ الفرص وطول سنوات بطالته، رغم حيازة الآلاف على شهادات جامعية والرغبة في صعود نخبة سياسية تتولى التغيير نحو الأجمل والأفضل. لكن وبعد مرور عشر سنوات كاملة، لا يبدو أن ساستها قد استوعبوا الدرس، بل انخرطوا في الصراع على الحكم، فاستفحل الفساد ووهنت الدولة، وبدل الكف عن مهاتراتهم القذرة، يتجهون في كل مرة نحو سرقة جيب المواطن بدعوى حب الوطن، حتى أغرقوا الجميع في ضرائب مرتفعة، أضعفوا القدرة الشرائية وتزايدت نسبة الفقر في البلاد، والأهم، فاقموا بطالة الشباب الذي تطلع لغد أفضل عندما ثار ضد نظام بن علي. وحتى عندما صرخ هؤلاء الشباب في وجوه حكامهم، بعد أن ضاقت بهم السبل وطال تهميشهم، كانت يد القمع جاهزة لتجلدهم دون رحمة، ويد القضاء مرفوعة لترهبهم بأحكام صاغتها لتمنعهم من الاحتجاج، دون أن تقول لمن تسبب في ذلك إنك مذنب.

لنعترف أن النظام السياسي الفاشل في تونس هو المسؤول الأول عما نشهده من تفاقم لظاهرة الهجرة غير النظامية، والتي باتت تشمل الأطفال والشباب والآباء والأمهات، ما دام هذا الوضع المهين لا يثير خجلهم أمام شعوبهم، فلا حاجة للوم من سلك طريق الموت

لا أقول هذا دعماً للهجرة "غير الشرعية" ولا لأبرر لمن ركب زوارق الموت، ولكن جميعنا ندرك أن اليأس قاتل، والفقر والحاجة محبطان، وطالما أن هناك أوطان لا تبالي بمعاناة وهشاشة أبنائها، ولا يعيبها أن يركب البحر أطفال ونساء بحثاً عن أوطان بديلة، فلا جدوى من إدانة هؤلاء.

ولنعترف أن النظام السياسي الفاشل في تونس هو المسؤول الأول عما نشهده من تفاقم لظاهرة الهجرة غير النظامية، والتي باتت تشمل الأطفال والشباب والآباء والأمهات، ما دام هذا الوضع المهين لا يثير خجلهم أمام شعوبهم، فلا حاجة للوم من سلك طريق الموت.

والمثير للسخرية أن في الأيام التي تشهد فيها البلاد موجات هجرة لافتة وتحركات اجتماعية كثيرة، ينخرط الساسة في صراع محوره شيء واحد هو الحكم لا غير، دون الاكتراث لبلاد تهوي على جميع المستويات.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard