فصولٌ جريئة من مسيرة هشام الهاشمي الذي "لن يُعوّضه أحد"

الأربعاء 8 يوليو 202003:39 م

في الأشهر القليلة الماضية لم يكن العراقي هشام الهاشمي مجرد باحث أو محلل سياسي عادي، فقد تحول إلى قلم حر وصوت ثائر يتنقل بين الشاشات وينشر التغريدات التي تنادي كلها بدولة عراقية ذات سيادة مطلقة على أرضها وقرارها من بغداد. دولة ترفض الاصطفاف الطائفي وسلاح المليشيات.

وصلت التهديدات إلى الهاشمي بالقتل، فأبى التراجع، إذ كثف من تغريداته وظهوره على مدار شهر حزيران/يونيو، مهاجماً المجموعات الموالية لإيران وكل مظاهر اللادولة.

يُجمع المتابعون للهاشمي أن نشاطه طوال الشهر الماضي كان بمثابة جرعة قاتلة، لم يخف هو منها، والسلطات لم تتخذ إجراءات لحمايته من التهديدات برغم أن الحكومة كانت تحصل على استشاراته.

"لن يعوّضه أحد"

وُلد الهاشمي في العاصمة العراقية بغداد سنة 1973، وهو حاصل على شهادة بكالوريوس في الإدارة والاقتصاد من الجامعة المستنصرية عام 1994.

اعتُقل الهاشمي في عهد الرئيس العراقي الراحل صدام حسين عام 2002، وظل في السجن لمدة عام واحد حتى أُطلق سراحه عقب دخول القوات الأمريكية العراق.

بعد عام 2003، اتجه للعمل في الصحافة، وبدأ في الكتابة لصحف وقنوات أجنبية، وأصبح من أكثر المتخصصين في رصد خريطة الجماعات المسلحة في العراق بعد الغزو وخلال الربيع العربي.

وعليه، تحول الهاشمي إلى أحد أهم المرجعيات العراقية في مجال الأمن الإيديولوجي والجماعات الإسلامية، وإلى خبير بارز في الجماعات الإرهابية مثل تنظيم القاعدة وداعش وفروعها ومؤيديها في الشرق الأوسط.

وأصدر عدة مؤلفات مطبوعة منها "نبذة عن تاريخ القاعدة في العراق"، و"عالم داعش"، و"داعش… نظرة من الداخل" و"التطرف".

تخطت كتاباته المنشورة حاجز الألف مقالة وبحث ودراسة، في كبريات الصحف والمجلات العراقية والعربية والأجنبية مع التركيز على طبيعة الجماعات الأمنية والمتطرفة.

كما عمل باحثاً في عدد من مراكز الأبحاث منها مركز كارنيغي للشرق الأوسط في بيروت، والجامعة الأمريكية في السلمانية، ومركز الرافدين للحوار في النجف الأشرف، ومركز النهرين للدراسات الاستراتيجية في بغداد.

وكان الهاشمي عضواً في المجلس الاستشاري العراقي حتى استهدافه، واعتاد الظهور على القنوات التلفزيونية سواء المحلية أو الأجنبية للحديث عن المليشيات والجماعات المسلحة باعتباره خبيراً أمنياً.

وقال رئيس مركز صنع السياسات للدراسات الدولية والاستراتيجية حسام بوتاني في تغريدة: "عملنا معاً لسنوات الشهيد هشام الهاشمي ونشرنا أكثر من عشرين دراسة، أقولها بلا مبالغة هشام مركز دراسات لوحده على الطراز العالمي لا العراقي، وفقدان هشام لن يعوضه أحد في المجال البحثي ولن يتكرر ولو بعد نصف قرن قادم".

في الأول من تموز/يوليو 2020، نشر الهاشمي دراسة بعنوان "النزاع الداخلي داخل قوات الحشد الشعبي"، وهو آخر عمل له قبل اغتياله.

من جانبه كشف الصحافي الاستقصائي العراقي معن الجيزاني أنه سينشر بحثاً أعده الهاشمي عن سيطرة حزب الله اللبناني على موارد مالية للدولة العراقية.

يُجمع المتابعون للهاشمي أن نشاطه طوال الشهر الماضي كان بمثابة جرعة قاتلة، لم يخف هو منها، والسلطات لم تتخذ إجراءات لحمايته من التهديدات برغم أن الحكومة كانت تحصل على استشاراته... جولة على نشاط الباحث العراقي المغدور  ومواقفه وكتاباته 

وقال الصحافي المقرب من الهاشمي في تغريدة له: "‏سأنشر ورقة بحثية قيّمة أرسلها الشهيد هشام الهاشمي في شهر آذار /مارس الماضي ولم تُنشر خوفاً على سلامته. المعلومات الواردة تشخص بوضوح الإمتدادات المالية لحزب الـلـه اللبناني في ‎العراق وشركائه المحليين وكيفية حصوله على نحو 300 مليون دولار سنوياً من سيطرته على قطاعات حكومية واقتصادية عديدة".

ما الذي قتله؟

فور إعلان خبر اغتيال الهاشمي، أعاد ناشطون عراقيون تغريدة سابقة له، كشف فيها الهوية الحقيقية لمسؤول كتائب حزب الله أبو علي العسكري واعتبروها أحد أهم الأسباب.

وكان الهاشمي قد غرّد في آذار/مارس: "يقال إنها صورة لصاحب التغريدات المثيرة للجدل والتي سببت أزمات سياسية بين مؤسسات الدولة العراقية الرسمية وخلايا وشبكات اللادولة المسيطرة على الدولة العراقية؛ أبو علي العسكري واسمه الحقيقي بحسب مصادر حسين مؤنس، وهو عضو في مجلس شورى كتائب حزب الله، ويعمل مستشاراً أمنياً وعسكرياً".

وهاجم الهاشمي كتائب حزب الله في تغريدة أخرى ضمن سلسلة تغريدات عن أبو علي العسكري، قائلاً: "كتائب حزب الله، يمكن تصنيفها تتواجد في منطقة اللادولة أو كما يصطلح بالفاعل الهجين، فلديها 3 ألوية داخل الحشد وهي 45،46،47 وتأخذ رواتب وظيفية من أموال الدولة، ولديها جناح مسلحة خارج الحشد الشعبي فيه هيئة سياسية وإعلامية واقتصادية وناطق إعلامي وناطق عسكري، وأبو علي من هذه الفئة".

وكان الهاشمي قد نشر دراسة قبل أيام قليلة بعنوان" الخلاف الداخلي في هيئة الحشد" ، يقول صحافيون عراقيون إنها سبب مقتله، لأنه كشف فيها ولاء 70 ألف من مقاتلي الحشد لإيران.

في الدراسة، تحدث الهاشمي عن خلاف بين جبهتين في المكون الشيعي في الحشد الشعبي، الجبهة الأول أطلق عليها "المليشيات الولائية" لإيران، ووضع في مقدمتها "حزب الله" بقيادة عبد العزيز المحمداوي المعروف باسم "أبو فدك"، والثانية مجموعات العتبات المقدسة التابعة للسيستاني، ووضع في مقدمتها "فرقة العباس" بزعامة ميثم الزيدي.

ودأب الهاشمي على انتقاد إيران على تويتر علانية، إذ كتب في آذار/ مارس الماضي تغريدة قال فيها: "إيران عجزت أن تدخل العراق بكسر الباب أو الحدود، وفشلت أن تدخل العراق، لكنها نجحت بإقناع عراقيين أن يفتحوا لها الباب من الداخل، فالمشكلة ليست بإيران وإنما بالذي فتح لها بوابة العراق من الداخل".

وكان الهاشمي دائماً ينادي في مقالاته بـ"سيادة الدولة العراقية"، وبناء "مؤسسات وطنية تأمر ولا تتلقى الأوامر، وتكون سلطتها مطلقة على كامل أراضيها".

وفي 15 حزيران/يونيو الماضي، كتب في مقال بعنوان"الدولة العراقية" أن "سيادة الدولة قوة مطلقة، فهي تأمر ولا تتلقى الأوامر، وهي غير تابعة لشيء ولا لأحد، سيادة الدولة تنسحب على جميع مواطني الدولة والمقيمين على أرضها ولا تقبل التجزؤ بمعنى أنها واحدة من حيث الجوهر، وإذ تم تفويضها، فإنها تكون كاملة في كل تفويض".

وعندما ألقت قوات الأمن العراقية، الشهر الماضي، القبض على عناصر من كتائب حزب الله في بغداد، أشاد الهاشمي في تغريدة بالعملية قائلاً: "قوات جهاز مكافحة الارهاب يا قرة عيون العراقيين، وقوات الجيش العراقي البواسل، وقوات وزارة الداخلية الصامدين، ويا قوات هيئة الحشد الشعبي عراقية الولاء والانضباط، انتم حراس الدولة العراقية، بيض الله وجوهكم. وخاب وانتكس كل من يسعى لحمل السلاح ضد الشعب والقوات المسلحة العراقية".

وكثيراً ما حث الهاشمي رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي على مواجهة مطلقي الصواريخ في بغداد، مؤكداً أن ردعهم يحتاج إلى الإرادة السياسية الحازمة.

وغرّد الباحث الراحل في 18 حزيران/يونيو: "الأخ مصطفى الكاظمي لديك دوائر معلومات محترفة وضباط تحقيق ماهرين وقوات مطاردة ومداهمة منضبطة وقضاة شجعان، كل ما يحتاج لردعهم هو الإرادة السياسية الحازمة وهي متوقفة على قراركم".

وكان الهاشمي يعارض في تغريداته وظهوره الإعلامي المتكرر الخطاب التحريضي الذي يتم تداوله في العراق ضد دول الخليج وأمريكا.

قال في تغريدة له 6 حزيران/يونيو: "يُريد المغرر بهم إقناع فقراء الشعب العراقي بأن الحرب مع أمريكا والخليج هي حول مبادئ الكرامة والسيادة، وليس حول توزيع النفوذ والثروات".

تخطت كتاباته المنشورة حاجز الألف مقالة وبحث ودراسة، في كبريات الصحف والمجلات العراقية والعربية والأجنبية مع التركيز على طبيعة الجماعات الأمنية والمتطرفة...  هشام الهاشمي وفصول مسيرة مهنية طويلة واجهت "ظواهر اللادولة" بجرأة

وفي آخر تغريدة له على تويتر، حمّل الهاشمي الاحتلال الأمريكي للعراق والأحزاب السياسية والدينية مسؤولية الانقسام والطائفية التي انتشرت في بلاد الرافدين.

وقال الهاشمي ملخصاً المشهد العراقي الذي عاصره منذ عام 2003: "تأكدت الانقسامات العراقية بـ: 1-عرف المحاصصة الذي جاء به الاحتلال "شيعة، سنة، كرد، تركمان، أقليات" الذي جوهر العراق في مكونات".

وأضاف: "2- الأحزاب المسيطرة ‘الشيعية، السنية، الكردية، التركمانية..‘ التي أرادت تأكيد مكاسبها عبر الانقسام، 3-الأحزاب الدينية التي استبدلت التنافس الحزبي بالطائفي".

الفصل الأخير

لم يكن خبر اغتيال الهاشمي مفاجئاً، فقد تم تداول هذا الخبر مرات عديدة، لكن سرعان ما كان يرد الباحث الراحل بنفسه ويؤكد أنه على قيد الحياة، إلا أن هذه المرة كانت أنباء وفاته حقيقية وموثقة بالصورة.

في آذار/مارس الماضي، أذاعت قناة العهد، التابعة لبعض الفصائل المسلحة، خبراً عن اغتيال الهاشمي، والذي اعتُبر تهديداً للباحث الراحل.

ورد الهاشمي بنفسه على تساؤل لأحد المدونين حول مدى صحة الخبر، قائلاً: "لكن على موقعهم الرسمي وعلى القناة لا وجود لهكذا خبر، الله خير حافظ وهو أرحم الراحمين".

ونقلت قناة الحرة عن صحافي عراقي لم تكشف عن هويته لأسباب أمنية، قوله إن الهاشمي أخبره في حديث هاتفي قبل أسبوعين عن تلقيه تهديدات خطيرة بالقتل، أحدها من مسؤول أمني - أبو علي العسكري- لميليشيات كتائب حزب الله.

ونقل الصحافي عن الهاشمي قوله إنه تلقى رسالة من الشخص المذكور تحمل تهديداً واضحاً: "سوف أقتلك في منزلك".

وتداول عراقيون مقطع فيديو لضيف محسوب على المجموعات المسلحة الموالية لإيران في إحدى القنوات العراقية يحرض فيه علانية على قتل الهاشمي، فيما عبّر معلقون كثر عن رفضهم أية رواية تُحمّل داعش المسؤولية عن عملية الاغتيال، إذ يؤكدون أنها لم تعد قادرة على اختراق الطوق الأمني في بغداد، خصوصاً منطقة زيّونة التي اغتيل فيها الهاشمي.

وقال عراقيون إن منطقة زيّونة تشهد تواجداً أمنياً مكثفاً وتقع فيها مقرات ومواقع تابعة لحزب الله، لذا فهي خاضعة لنفوذ الأخير.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard