في سوريا أو خارجها… ماذا سيقول آباء قتلوا أبناءهم أو بناتهم أمام الربّ؟

السبت 4 يوليو 202005:08 م

"أبي وطن وأنا من دونه غربة..."، نام عيسى بجوار شقيقه، وهو يهمس في أذنه هذه العبارة التي تلقاها اليوم في حصة القراءة، ليأتي صوت أبيه صارخاً: "كفّا عن الثرثرة يا أولاد واخلدا إلى النوم!"

ارتسمت على وجه عيسى ابتسامة مفعمة بالحب والحنان، وحثّ شقيقه الصغير على النوم، بعبارة أخرى وردت في درس "بر الوالدين" اليوم، قائلاً له: "هيا نم... فلا يغفو قلب الأب، إلّا بعد أن تغفو جميع القلوب..".

صدق عيسى القول، لكن غفوة هذه العائلة كانت طويلة، قاسية ومريرة. غفوة إجرامية، لم تصغ براءتها طبطبة أب حنون على كتف ابنه، بل كانت عبارة عن عشر طعنات بجثة الطفل عيسى، وتسع طعنات بجثة أخيه الطفل مارسيل، قطعت أوصال القرابة والأبوة والإنسانية جمعاء.

هي ليست حكاية من نسج الأساطير، إنها جريمة مروعة، استيقظت "قرية بديرة" بمحافظة طرطوس على وقعها، صبيحة العاشر من نيسان/ أبريل هذا العام، فكانت ضحيتها عائلة كاملة، بعد أن أقدم الأب على طعن زوجته عدة طعنات في حمام منزله، ومن ثم طعن ولديه أثناء نومهما.

لا أحد من الممكن أن يتخيل ما حصل، وحده الرب من سجل في دفاتر الحياة البشرية صرخات الأم والطفلين، الذين بقيت أرواحهم تسأل بأي ذنبٍ قُتلت؟!

الأبناء يضرَسون!

"الآباء يأكلون الحصرم والأبناء يضرَسون"، مثل يردده السوريون منذ قديم الزمان، يشير هذا المثل إلى أنه في الخلافات الزوجية والمشاكل العائلية الأبناء هم الضحية، لكن في هذه المادة لم يكن الأبناء ضحية خلافات زوجية فقط، بل ضحية إجرام أب. إنها الحرب وما أكثر مفرزاتها، فأبو عيسى الذي حكمت عليه العدالة الإلهية بالعذاب الأبدي عندما أحبطت محاولة انتحاره، أظهرت حيثيات الجريمة أنه أصيب بحالة نفسية دفعته لذبح زوجته بجرح قاطع في الرقبة، مع طعنات متفرقة بأنحاء جسمها وعشرات الطعنات بجثتي ولديه، ثم تناول كمية كبيرة من الحبوب وضرب يديه بالسكين، لينتهي به المطاف في السجن.

"جباب... دمشق... طرطوس" هي ليست لافتة على شركة باص، تنقل ركابها بين أقصى جنوب سوريا والساحل، مروراً بدمشق، للأسف، هي المدن التي شهدت من بداية العام جرائم قتل بحق الأطفال، بالغالب عندما يخاف الطفل تلقائياً يقول: "يا أمي"، أو "يا بابا"، لكن ماذا سيصرخ طفل قتله وعذبه أمه وأبيه؟ 

وفي الحديث عن الحالة النفسية للقاتل، تحدثت الاختصاصية النفسية مي اللحام، لرصيف22، بأن التقييم الطبي النفسي للحالة يكون عن طريق خبرة طبية حيادية متخصصة، تتكون من لجنة من الأطباء النفسيين لتقييم الوضع النفسي، ويجب التفريق في الأمراض النفسية بين الاضطرابات التي يكون فيها المريض مستبصراً ومدركاً لما يقوم به، وبين اضطرابات الشخصية التي يقدم المريض فيها على القتل وهو غير مستبصر أو مدرك لما يقوم به، مثل الفصام الزوري والاكتئاب الشديد.

يا خالي...

لم تتعرف ابنة الجيل الجديد على أغنية "ياخالي كنك شاعر توصفني من راسي لخلخالي"، بالكاد تستطيع الطفلة ذات الثلاث سنوات وابنة مدينة درعا، لفظ كلمة "خالي" بسلامة لغوية تامة، أما هذا الخال فكان خالياً من المشاعر تماماً، حيث قتل ابنة أخته الطفلة ورماها في أحد البيوت المهجورة، أما الدافع فمجهول، لكن مثلما تحدث فراس (اسم مستعار)، 30 عاماً، من أبناء المنطقة، أن الخال متعاطي مخدرات ومسكرات، لكن بعد ساعتين فقط، ألقت الجهات المختصة عليه القبض. وفيما يخص العقوبات المترتبة على هذا النوع من الجرائم، أشار المحامي أكرم ناقولا، لرصيف22، أن نص قانون العقوبات السوري في مادته رقم 533 ينص على أن "كل من قتل إنساناً قصداً عوقب بالأشغال الشاقة عشرين عاماً"، ثم ذكر المشرع عوامل مشددة لهذه العقوبة تصل بها إلى الإعدام، أحد هذه العوامل، إذا ارتكب الجرم على أحد الأصول والفروع، أي الأب والأم والأجداد، والأبناء والأحفاد، أما بالنسبة لباقي درجات القرابة، فلا تسري عليها ذات ظروف التشديد.

جباب... دمشق... طرطوس

هذا ليس لافتة على باص لشركة بولمان، تنقل ركابها بين أقصى جنوب سوريا والساحل، مروراً بدمشق، للأسف، هي المدن الثلاثة التي شهدت من بداية العام جرائم قتل بحق الأطفال، بالغالب عندما يخاف الطفل تلقائياً يقول: "يا أمي"، أو "يا بابا"، لكن ماذا سيصرخ طفل قتله وعذبه أمه وأبيه؟ سيصرخ حتماً: "يا الله!".

بعد شهر من جريمة قتل الخال لابنة أخته في قرية الجباب بريف درعا، أودى خلاف زوجي بين زوج وزوجة في دمشق، إلى قتل أطفالهما الثلاثة، حيث خنق الأب أطفاله بيده والأم ساعدته بتثبيتهم، والمبرر مجهول! والتساؤلات كثيرة، والمحاكم تبرر بالأمراض النفسية، حيث أرجعت اللحام جرائم قتل الأطفال إلى العديد من الدوافع، مثل الوضع المعيشي المتردي، وشعور الأب بأنه جنى على أطفاله عندما أنجبهم، وكذلك التنشئة الاجتماعية وضعف الروابط الأسرية داخل العائلة.

وتابعت اللحام أن الموضوع شائك جداً، وما نراه من حوادث هي الحالات التي تظهر على السطح، وما خفي أعظم بكثير، خاصة حول الأطفال وما يتعرضون له من اعتداءات متكررة وبمستويات مختلفة من مقدمي الرعاية، على المستوى الجسدي والجنسي والنفسي.

بينما أكمل المحامي أكرم ناقولا لرصيف22، التنفيذ في الأحكام، وفق قانون العقوبات السوري، مشيراً: "بالنسبة لحالة الأب والأم المخمورين، فهذا يسمى قتل تحت تأُثير المسكرات، وهنا تنص المادة 241من قانون العقوبات السوري، يعفى القاتل من العقوبة إذا كان في حالة تسمم ناتجة عن الكحول أو المخدرات"، مردها إلى حادث مفاجئ أو قوة قاهرة، أدت إلى فقدانه الوعي أو الإرادة، أما عندما تنتج حالة التسمم عن خطأ القاتل، فيعتبر مسؤولاً عن كل جريمة غير مقصودة ارتكبها.

بعد كل هذه الجرائم ما يزال العديد من السوريين يخجلون من فكرة زيارة طبيب نفسي في حالي شعورهم بمشكلة ما، والجدير ذكره أن عام 2019 شهد عدة جرائم قتل وتعذيب للأطفال من قبل الأهل وأقارب الدرجة الثانية

مفرزات قاتلة

لم تنته الحرب في سورية بعد، ربما انتهت الحرب العسكرية في بعض الجبهات، وانتهى صراع تثبيت المواقع العسكرية في بعض المدن والشوارع، لكن بين جدران ما بقي من بيوت في هذه البلاد، سواء المصابة بالشظايا والقذائف أو التي لم يمسسها ضر، الآلاف من القصص التي أفرزتها الحرب، قصص كنا نشاهدها في برامج عربية، في مسلسلات درامية أو في برامج الجرائم، وربما كثير منها حضر في أفلام الرعب، لكن كل القصص التي ذكرت في هذه المادة هي من سوريا يا سادة، هي مفرزات حرب انتزعت، باعتراف كل أطباء النفس، أغلى ما نملك من المشاعر، فماذا سيقول أب قتل ابنه أمام الرب؟ وكيف ستبرر أم خنقت طفلها حتى الموت يوم القيامة؟

وبعد كل هذه الجرائم ما يزال العديد من السوريين يخجلون من فكرة زيارة طبيب نفسي في حالي شعورهم بمشكلة ما، والجدير ذكره أن عام 2019 شهد عدة جرائم قتل وتعذيب للأطفال من قبل الأهل وأقارب الدرجة الثانية، وهنا تبقى الجملة السورية المشهورة تردد صداها في البلاد: "عصافير بالجنة"... كل الرحمة للبراءة.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard