قانون الحالم... ليس الماء إلا ضوءا يسيل

الجمعة 3 يوليو 202011:27 م

يخبرنا الكاتب الفرنسي، دانيال بيناك Daniel Pennac، في روايته الصادرة مؤخراً "قانون الحالم"، عن تمرين للكتابة كان يخضع له طلاب البكالوريا الفرنسية، وهو تلخيص ربع نصّ في مقطع مكثّف المعاني، هذا التمرين مرّ به أعظم كتاب فرنسا حسب تعبيره، من بول فاليري إلى رولان بارت، وما زال بيناك يمارسه مع طلابه، وذلك للوصول إلى أسلوب حيّ، ولـ"استخراج معنى الحياة، وحياة المعنى"، و هذا ما قرره حين كتب روايته هذه: رمي الأرباع الثلاثة والحفاظ على "التلخيص" مع حوالي 10% من الحقيقة.

يوميات بين الحقيقة والحلم

هذا الدرس في الكتابة نلاحظه في الفصول الثمانية للرواية الموزعة على 74 مقطعاً، وعدد صفحاتها 169، نذكر هذه التفاصيل لأن الرواية تتحرك بين الحلم والحقيقة، ويراهن فيها بيناك على قدرته على الاختزال، ليبدو ما نقرأه أشبه بيوميات، ربما حقيقة أو متخيّلة، أو ربما ليست إلا "تلخيصات" لأحلامه، ما يجعل العلامات فوق النصيّة إشارات من نوع ما، قد تحيل إلى "ثلاث أرباع" محذوفة. إذ نلاحظ مثلاً غياب الترقيم عن بعض الصفحات، دون سبب واضح، وكأنّها من خارج الترتيب الرسميّ للكتاب، أو "أحلام" لم يستطع ضبط تاريخها فجعلها تبدو بناءً عضوياً ضمن النص دون أن تخضع لترتيبه.

يبدو دانيال بيناك في روايته "قانون الحالم" وكأنه يؤلف صورة متخيلة لذاته هي "صورة الفنان في أحلامه"

كلما أمعنا في القراءة اكتشفنا "كذب" الراوي الذي يؤلف سيرة متخيلة لذاته، وكأننا نقرأ عن "صورة الفنان في أحلامه"، حسب تعبير بيناك، الذي يفضح لنا متواليات عن حلم واحد، يعيد تكراره كلّ مرة بصورة مختلفة، هذا الحلم يدور حول المفاهيم التالية: "الضوء، الماء، السينما، أحلام فريدريكو فيليني، العمل الفني"، والتي يمكن تتبع كل واحدة منها في الكتاب وقراءة دلالاتها وربطها مع بعضها البعض، لكن، سنستنزف بذلك الرواية التي ستتحول حينها إلى محاكاة قصصية للسينما وتفسير الأحلام.

حلقات متداخلة من السرد

تبدو الرواية دليلاً عن علاقة الكاتب مع موضوعه وكيفية بنائه، على أساس عدة حكايات عن حلم واحد يتكشف لنا كل مرة بصورة مختلفة عبر الحكايات المتداخلة، التي نكتشف أيضاً أنها أحلام تتكرر وتختلف، وعلى الكاتب إتقان "سردها"، وهنا يستعيد بيناك فيليني الذي يتحول إلى شخصية متخيّلة تتفاعل مع أسرة بيناك المتخيّلة، إذ يرى بيناك أنه يكتب كما يخرج فيليني أفلامه، فالأخير يغلق عينيه ويحلم، ثم يدون أحلامه بصورة يومية، وهذا قرأه بيناك في "كتاب أحلامي" لفيليني، الذي كان يرسم أحلامه ثم يكتب بينها، بعدها يبحث في "الواقع" عمن يشبهون من رآهم في أحلامه كي يظهروا في أفلامه.

هذه العلاقة مع المخيلة والحلم يكشفها بيناك الذي يسرد لنا حلماً راوده بصورتين مختلفتين، مرة وهو صغير، غمر الضوء القرية التي كان فيها مع أهله، ومرة وهو كبير، أثناء غوصه ومشاهدته للقرية التي غمرت بالضوء لكن هذه المرة تحت الماء. الحكايتان وتفاصيلهما محض خيال، لم يختبرهما بيناك لا في الحقيقة ولا في الحلم، لكن ما يثير الاهتمام أن بيناك، ككاتب، وكأي فنان، يؤكد على فكرة عدم الخوف من المخيلة، بل إطلاق العنان لها للأقصى، تصديق ما فيها وكأنه حقيقة، ذات الأمر مع الحلم، هو مصدر للحكايات التي لا يجب الرعب منها مهما كانت.

لكن ما سبق لا علاقة له بالكتابة، فحين يقرر بيناك "كتابة" الرواية، يتحول إلى مؤلف محترف لا حالم، يحاول إيجاد أصل ما رآه، وهنا يختلف عن فيليني، ما في الحلم نتيجة تراكمات كثيرة، يعيها أو لا يعيها، لم يهملها، لكن في لحظة الكتابة، يرينا أنه يبحث في الإعلانات التي رآها والأماكن التي زارها عن "الأصل" ليبني الحكاية على أساسه.

في كتابته لروايته، يتحول بيناك من حالم إلى مؤلف محترف، يبحث عن الحكاية الأصلية ليبني سرده على أساسها

كيف تصبح الأحلام إذا تحولت إلى رواية؟

يكتب بيناك: "أصبحت كاتباً منذ أن أكدت لصديقي بعمر العشر سنوات أن الضوء هو ذاته الماء"، وكأنه يقول أن الرواية نفسها ليست إلا تمريناً على الاختزال، اختزال مخيلة تحوي 10% من الحقيقة

سؤال المخيّلة هذا وعلاقته بالحلم يقدم صورة رومانسية للفنان، هو "يرى" بشكل كامل في "حلمه" ما يريد القيام به، تصوره عن الموضوع "موجود" في مخيلته قبل وجوده في الواقع، لكن هذا التصور ذاته، ليس صرفاً أو إلهاماً سماوياً، بل بحثاً طويلاً يمتد منذ الطفولة إلى الشيخوخة، وهذا ما يتكرر في أحلام بيناك، كلما طال به العمر تكررت أحلامه لكن اختلفت تفسيراتها. لكن "الفن"، إن تحدثنا عن الكتابة، لا يكمن في تحويل الحلم إلى نص، بل في الإجابة عن سؤال: كيف ستكون هذه الأحلام لو كانت رواية أو فيلماً؟ ما الفرق بين حلم الطفولة ورواية حلم الطفولة؟

الأسئلة السابقة تقنية أكثر منها إبداعية، وبالرغم من أن الرواية تحاول الإجابة عنها للقارئ السطحي، نكتشف نهاية أن الرواية نفسها ليست إلا تمريناً على الاختزال، مخيلة تحوي 10% من الحقيقة، وهذا ما يتضح إن أعدنا قراءة العبارة التالية بعد الانتهاء من الرواية، إذ يكتب بيناك: "أصبحت كاتباً منذ أن أكدت لصديقي بعمر العشر سنوات أن الضوء هو ذاته الماء"، عبارة شعرية في بداية الرواية نقرأها على لسان طفل، لكن مع تدفق الصفحات، تُشرح هذه العبارة للأقصى، نعم الماء يولد الكهرباء التي تنتج الضوء، لكن تأتي الرواية، وبيناك نفسه، ليقولا لنا إن حتى هذا "الأصل genesis" ليس إلا وهماً متخيّلاً للكاتب عن ذاته الذي "يؤّلف" حلماً في وعي ذاته الصغيرة المتخيلة، عبر تمرين امتحانات مرّ به الجميع.

"أنا" الكاتب و"أنا" الحالم

الكتاب بصيغة "الأنا"، الراوي بيناك دائماً يتحدث بصوته، هذه الأنا متخيّلة ذات خصائص واقعية، وكأن بيناك يسأل: "من نحن إن كنا نحلم بأنفسنا؟"، خصوصاً أن الأحلام لا تخضع لأحكامنا ولا تطلب إذننا، ذات الأمر، من "أنا" الراوي، وهل تهم حقيقتها إن وجدت، بالإمكان أن نترك الأسئلة تتداعى، ونتحرك بين التحليل النفسي والنقد الأدبي، لكن النصيحة أو القانون الذي يوصي به بيناك، الكاتب والأستاذ المدرسي، هي أن على كل حالم أن يمتلك أرشيفاً لأحلامه، لا أن يبحث عن معناها أو يحللها، بل أن يدونها مباشرة، أن تكون خزّاناً للحكايات والصور و الهلوسات، أرشيف سرديّ للموضوعات لا لصنعة الكتابة، تلك التي تظهر لاحقاً، و يتم عبرها الاختزال والتحرك بين أنا الكاتب وأنا الحالم.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard