"جميع الأطراف متورطة"... مَن يوقف "عتمة" الإخفاء القسري والتعذيب في اليمن؟

الأربعاء 1 يوليو 202004:44 م

"في إحدى الليالي، أخذ الجنود صالح (اسم مستعار/ 26 عاماً) إلى غرفة التعذيب حوالى العاشرة مساءً. علقوه على كلاليب (خُطافات حديد) وعذبوه بالكهرباء. اقتُلعت أظافره ونتف شعر رأسه وضرب بطريقة وحشية وتركوه معلقاً. كاد قلبي  يتمزق حين أمرنا الجنود بإنزاله وحفر قبر له. لم يكن الأول الذي يموت تحت التعذيب، هناك مقبرة في فناء قاعة وضاح (في عدن)".

وردت هذه الشهادة في تقرير منظمة "مواطنة لحقوق الإنسان" اليمنية، بعنوان "في العتمة: وقائع الاحتجاز التعسفي والاختفاء القسري والتعذيب في مراكز الاحتجاز غير الرسمية"، وهو يوثق تورط جميع أطراف الصراع في اليمن في هذه الجرائم التي ترقى إلى "جرائم حرب" بين أيار/ مايو عام 2016 ونيسان/ أبريل عام 2020.

بحسب التقرير، تمكنت المنظمة من توثيق 1605 عمليات احتجاز تعسفي و770 واقعة اختفاء قسري، و344 واقعة تعذيب، و66 واقعة وفاة في مكان الاحتجاز.

"التعرية، والحرق، وثقب الأرجل بمثقاب كهربائي، ونزع الأظافر، والتعليق من الأذرع والأرجل، ومنع الماء والغذاء والاغتصاب أو التهديد به"... كل هذا وغيره من صنوف التعذيب والإذلال تُمارس في مقار الاحتجاز غير الرسمية في اليمن وجميع أطراف الصراع متورطة

تتقاسم المسؤولية عن هذه الجرائم الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً (282 من الاحتجازات التعسفية أو المسيئة، و90 اختفاءً قسرياً ، و65 واقعة تعذيب، و14 واقعة وفاة في مكان الاحتجاز)،  وجماعة الحوثي (904 عمليات احتجاز تعسفي، و353 اختفاءً قسرياً، و138 واقعة تعذيب، و27 وفاة في مكان الاحتجاز)، والقوات الإماراتية والجماعات المسلحة الموالية لها (419 احتجازاً تعسفياً، و327 اختفاءً قسرياً، و141 واقعة تعذيب، و25 واقعة وفاة في مكان الاحتجاز).

استندت أرقام المنظمة إلى أبحاث استقصائية أجريت في 20 محافظة يمنية، وإلى نحو 2566 مقابلة مع محتجزين سابقين، وشهود على انتهاكات، وذوي محتجزين، وناشطين، ومحامين.

ظروف احتجاز "مُروعة"

يُفصّل التقرير الانتهاكات التي رافقت الاعتقالات التعسفية والمسيئة، بما فيها التعذيب وسوء المعاملة أثناء الاستجواب في 11 موقع احتجاز غير رسمي في تسع محافظات يمنية، هي: العاصمة صنعاء وعدن وتعز وذمار وحضرموت وإب ومأرب والحديدة وأبين.

وتشتهر مرافق الاحتجاز الرسمية بأنها مكتظة وغير صحية، وتفتقر إلى التهوية الكافية، أو دورات مياه، أو مرافق استحمام. في حين أن المحتجزين لا يتمكنون غالباً من الوصول إلى مواد النظافة الشخصية مثل الصابون. ولا سبيل إلى الرعاية الصحية الروتينية، وفي بعض الحالات يُحرم جميع المحتجزين من هذا الحق.

وبعيداً عن الظروف المروعة لمراكز الاحتجاز الرسمية، تعد أماكن الاحتجاز غير الرسمية أكثر خطورة وإثارة للقلق بسبب تعذّر وصول المراقبين المستقلين والعائلات إليها، واستشراء وقائع التعذيب وغيره من أشكال المعاملة غير الإنسانية والمهينة فيها.

ومع إعلان السلطات الصحية في حضرموت (شرقاً) أول حالة إصابة بفيروس كورونا في البلاد، في 10 نيسان/ أبريل الماضي، تحولت أماكن الاحتجاز إلى "كوابيس" للمحتجزين وأُسرهم في ظل وضعين صحي واقتصادي منهارين وإصرار أطراف الصراع على إعاقة جهود الإغاثة الإنسانية.

وبرغم تفاقم خطورة الأمر مع تفشي الجائحة، تصاعد الاحتجاز التعسفي أثناء النزاع وازداد استخدام أماكن الاحتجاز غير الرسمية وأُخفي المزيد من المدنيين بشكل غير قانوني بـ"تهم كيدية" أو "من دون تهم واضحة".

"بحثت عن ابني حتى في ثلاجات الموتى. اضطررت لرؤية وجوه كل الموتى لكي أعرف مصيره"... تقرير لجمعية "مواطنة" الحقوقية يسلط الضوء على "عتمة الاحتجاز التعسفي والاختفاء القسري والتعذيب في أماكن احتجاز غير رسمية في اليمن" بين عامي 2016 و2020

جميع صنوف التعذيب الوحشي

وشدد التقرير على تورط جميع أطراف النزاع باليمن في "تعذيب المدنيين أو تعريضهم لضروب من المعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة" و"اشتراكهم في السلوكيات غير القانونية نفسها" برغم أنهم يمثلون سلطات متعددة.

ومن أبرز المقار التي ركز التقرير عليها: جهاز الأمن والمخابرات (الأمن السياسي سابقاً) في العاصمة صنعاء، وهو أحد أكبر مراكز الاحتجاز التي تديرها جماعة الحوثي، وسجن الأمن السياسي في مأرب الذي تديره قوات حكومية محسوبة على حزب الإصلاح تتبع الرئيس عبد ربه منصور هادي، ومعسكر الجلاء في عدن التابع للواء الأول دعم وإسناد (أحد ألوية المجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم إماراتياً)، ومطار الريان في حضرموت الذي حولته القوات الإماراتية إلى مركز احتجاز غير رسمي، بحسب المنظمة. 

وفي عداد الانتهاكات التي رصدتها المنظمة في أماكن الاحتجاز غير الرسمية التابعة إلى جميع الأطراف تقريباً، اللكم، والركل في جميع أنحاء الجسم، والحرق، والإيهام بالغرق، والتعليق، ومنع الماء والحصص الغذائية عن المحتجزين، ومنعهم من أداء الشعائر الدينية، والاغتصاب أو التلويح به، والضرب بالكابل والصعق بالكهرباء.

لكن أبشع الانتهاكات شهدتها "قاعة وضاح" التي يشرف عليها المجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم من الإمارات في عدن. وثّقت "مواطنة" لجوء إدارة المكان إلى عدة أساليب تعذيب وحشية، منها: نزع الأظافر، وثقب الأرجل بمثقاب كهربائي، والتعرية القسرية، والتهديد باغتصاب أقارب المحتجزين، وتقييد المحتجزين ورميهم بالحجارة. 

ومن شهادات ذوي المحتجزين تعسفياً:
"قاموا بجلده مستخدمين سياطاً وقضباناً خشبية".
"تعرضنا لأشكال من الإذلال وبعنا منزلنا لمواجهة نفقات قضية ابني".
"بحثتُ عن ابني حتى في ثلاجات الموتى. اضطررت لرؤية وجوه كل الموتى لكي أعرف مصيره".

وأوضحت المنظمة أنه في ما يتعلق بمقار الاحتجاز غير الرسمية للحوثيين و"إلى جانب ظروف الاحتجاز المروعة والحاطة للكرامة، واحتجاز العشرات في مقار وزنازين ضيقة، تتعرض هذه المقار للقصف الجوي من قبل طائرات التحالف، وهو ما حدث لأربعة أماكن احتجاز على الأقل في ذمار والحديدة وصنعاء".

يضاف إلى كل ما سبق حرمان المحتجزين من المحاكمة العادلة، وخاصةً توفير محامٍ والتواصل مع ذويهم.

ولفتت المنظمة، التي تقول إنها تقدم المساندة القانونية لضحايا الاحتجاز التعسفي والإخفاء القسري في 18 محافظة يمنية، إلى أنها قدمت العون القانوني إلى 964 شخصاً خلال الفترة التي يغطيها التقرير.

"الحوثيون نفّذوا 904 عمليات احتجاز و353 إخفاءً قسرياً و138 واقعة تعذيب بينها 27 وفاة. الحكومة المعترف بها دولياً تورطت في 282 عملية احتجاز، و90 إخفاء، و65 واقعة تعذيب، بينها 14 وفاة. قوات الإمارات والجماعات الموالية لها ارتكبت 419 احتجازاً، و327 إخفاء، و141 جريمة تعذيب، بينها 25 حالة وفاة"

"مساءلة الجُناة وتعويض الضحايا"

وقدمت "مواطنة" توصيات مُفصّلة ومنفصلة لكل طرف من أطراف الصراع في اليمن، وكذلك للولايات المتحدة ومجلس الأمن الدولي والمجتمع الدولي.

وشددت المنظمة الحقوقية على أن الممارسات التي فصلها التقرير ترقى إلى "جرائم حرب"، يمكن الاستناد إليها في "مقاضاة العسكريين والقادة المدنيين" باعتبارهم "مسؤولي قيادة" يعلمون أو كان يجب أن يعلموا بارتكاب هذه الجرائم ولم يتخذوا إجراءات كافية لمنعها أو معاقبة المسؤولين عنها.

واعتبرت "المساءلة والتعويض" عن هذه الانتهاكات الخطيرة أمراً حاسماً لـ"إنهاء دائرة العنف وضمان العدالة للضحايا وتمهيد الطريق نحو يمن آمن"، مُنددةً بتفلت العديد من الجناة من العقاب برغم ما كشفته منظمات حقوق الإنسان من انتهاكات ارتكبتها الأطراف المتحاربة في جميع أنحاء اليمن.

وأضافت: "لقد أظهرت جميع الأطراف المتحاربة في اليمن أنها غير راغبة في اتخاذ خطوات جادة نحو المساءلة والتعويض الحقيقيين"، داعيةً مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة إلى "تجديد ولاية فريق الخبراء البارزين، ودعمه لمواصلة التحقيقات". وطالبت في الوقت نفسه مجلس الأمن الدولي بالإعلان عن أن مساءلة مرتكبي جرائم الحرب والإنصاف للضحايا هما الحد الأدنى لأي عملية انتقالية في اليمن، وإظهار جدية المجلس بإحالة الوضع إلى المحكمة الجنائية الدولية. وأشارت إلى أنه فشل حتى الآن في دفع الأطراف إلى الامتثال للقانون الدولي في اليمن بشكل كاف.

كذلك دعت "مواطنة" جميع الدول إلى ممارسة الولاية القضائية ذات الاختصاص العالمي أو أي شكل آخر من الولاية القضائية على النحو المنصوص عليه في القانونين الدولي والمحلي للتحقيق مع المسؤولين العسكريين والمدنيين الذين يُزعم تورطهم في جرائم جنائية وفي انتهاك القانون الدولي، ومقاضاتهم إذا سمحت الأدلة بذلك.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard