"موظّف كبير وصوت ذلك الزمان"... عن عبد الحليم حافظ و"الثورة"

الأحد 21 يونيو 202003:58 م

في رحلة البحث والتنقيب وسط ما قدمه المغني الراحل عبد الحليم حافظ، تستوقفك أغانيه الوطنية، تلك التي انقسم حولها كثيرون، فبينما يرى البعض أنها جاءت لتعبر عن حسٍّ وطني مرهف لدى العندليب، يرى آخرون أنه تم توظفيه وتوظيفها لخدمة نظام عبد الناصر، واليوم في ذكرى حليم، نعيد طرح التساؤل: هل كان صوت الثورة، صوت السلطة أم صوت الشعب؟


"حليم صوت ذلك الزمان"

"كان عبد الحليم صوتاً للزمن، لذلك العصر"، يقول الكاتب والناقد أشرف غريب، لرصيف22.

يوضح غريب وجهة نظره أكثر: "عبد الحليم كان صوت الثورة، والثورة كانت هي اللي راكبة السلطة، والثورة والسلطة مكنش في خلاف بينها وبين الشعب، فلما تيجي تحسبها من الآخر، عبد الحليم كان صوتاً للزمن، لهذا العصر، صوتاً لنظام قائم في خمسينيات وستينيات القرن العشرين، وإذا أردنا التدقيق، عبد الحليم كان صوتاً للسلطة والثورة في أغنياته السياسية، وصوتاً للمواطن المصري والعربي في أغنياته العاطفية".

"حليم هو الصوت الذي يشبه البكاء المختنق، صحيح أنه صوت تتعاطف معه، وتدندن بالكلمات العاطفية التي يرددها، لكنه يظل موظفاً ربطته السلطة بإحدى الدرجات الوظيفية كي يغني للثورة وإنجازاتها، والقائد وحكمته وحنكته"

ويشير غريب إلى أنه كان ذكياً لدرجة أنه كان يعرف جيداً كيف يستغل الظروف، عرف كيف يتقرب من السلطة ومؤسسة الرئاسة عبر صوته، "المصلحة كانت متبادلة بين الطرفين، كان ذكي في أن يصنع لنفسه غطاء سياسياً عبر علاقته بعبد الناصر".

وعلى الرغم من أن عبد الناصر كان يميل إلى فريد الأطرش، ولكن حليم كان "يبالغ جداً، ويضخم في فكرة قربه من ناصر والمشير عامر، كان مفيداً للتوجهات وإدارة ناصر في توصيل أفكاره وتوجهاته إلى الجماهير"، يقول غريب.

"موظف كبير في عالم الغناء"

يضع الكاتب الصحفي ياسر ثابت، في تصريحات لرصيف22، أيدينا على بدايات مسيرة حليم، يقول: "لم تكد تنجح ثورة يوليو 1952 حتى بدأ عبد الحليم مسيرته في تقديم الأغنيات الوطنية بنشيد "العهد الجديد"، وكان ترجمة غنائية لشعار "الاتحاد والنظام والعمل"، الذي نادى به الرئيس محمد نجيب، بعدها قدم أغنية "وفاء"، ومنها إلى "بدلتي الزرقا" ثم أغنية "ثورتنا المصرية.. أهدافها الحرية، وعدالة اجتماعية، ونزاهة وطنية"، وتحول بصوته إلى كبار الموظفين في عالم الغناء".

يشبّه ثابت صوت عبد الحليم بـ"الصوت الذي يشبه البكاء المختنق، صحيح أنه صوت تتعاطف معه، وتدندن بالكلمات العاطفية التي يرددها، خاصة إذا عرفت ما يكفي عن طفولته اليتيمة وصحته المعتلة، لكنه يظل موظفاً ربطته السلطة بإحدى الدرجات الوظيفية كي يغني للثورة وإنجازاتها، والقائد وحكمته وحنكته".

يقيّم ثابت علاقة حليم بالسلطة في مراحلها المختلفة آنذاك، قائلاً: "كان يحلو لحليم أن يطلق على نفسه لقب "ابن الثورة"، وكان يرى أن أغنيته في حفل 23 يوليو عنوان لهذا النظام، وربما يتعين هنا تصويب هذا الخطأ غير المقصود، بالقول إن عبد الحليم "موظف الثورة"، الذي استثمر عادة الانضباط القديمة التي اكتسبها من نفخ الأوبوا ليكون مطرب الأغاني الوطنية والأناشيد الحماسية، التي تتحدث عن شعب تورط في حروب وصراعات تمتد من اليمن إلى الكونغو، حتى صحا ذات يوم على هزيمة يونيو 1967. ومنذ ذلك اليوم انكسرت أحلام الشعب الذي كان يردد أغاني عبد الحليم الوطنية ويصافح بها عنان السماء".

"أغنية كالمنشور السياسي"

"لقد اندفع عبد الحليم فـي تقديم عشرات الأغاني الوطنية، والمواكبة للأحداث السياسية الملتهبة ومعارك الثورة داخلياً وخارجياً، إلى درجة يصفها كمال الطويل بقوله: "كان يغني الأغنية زي المنشور السياسي.. الناس ترددها فـي اليوم التالي"، وهنا مكمن الخطورة، ربما يجوز القول إن غناءه الوطني أصبح أشبه بوظيفة رسمية، ولذا استمر في أداء مثل هذه الأغاني بعينين ذاهلتين تستجديان وتتوسلان الجمهور، واستمر في الوقت نفسه فـي تقديم أغنيات عاطفية بوجهه الشاحب الذي يعطيك إحساسه بالمرض واليتم، مراهناً على أن الذاكرة القصيرة للجمهور ستمنحه صكوك العفو، وتغفر له أغانيه الوظيفية.. أي الوطنية"، يقول ثابت.

ويتذكر ثابت الأغاني السياسية التي تعاون فيها عبد الحليم مع عبد الرحمن الأبنودي وكمال الطويل، المتعلقة بالمعركة، أشهرها: "أحلف بسماها"، "إنذار"، "راية العرب"، "بالدم"، "اضرب"، "بركان الغضب"، "ابنك يقولك يا بطل".

وبعد حرب أكتوبر 1973، غنى عبد الحليم "عاش اللي قال"، وكانت أول أغنية أشاد بها بدور الرئيس السادات فـي تحقيق النصر العسكري، وجاء موعد آخر عمل بين عبد الحليم وكمال الطويل مع أغنية "صباح الخير يا سينا" عام 1974، وبعد افتتاح قناة السويس أمام الملاحة العالمية عام 1975، غنى عبد الحليم آخر أغانيه الوطنية "النجمة مالت على القمر"، بحسب ثابت.

يختم ثابت حديثه لرصيف22 قائلاً: "إننا نتحدث عن فنان ارتضى لنفسه السقوط فـي براثن الدعاية السياسية وبيع الأوهام للمواطن العادي، ولعل البعض ينتبه إلى أن عدداً لا يستهان به من أغنيات عبد الحليم الوطنية كانت تردد اسم الرئيس أو القائد، كأن الوطن يتلخص فـي شخص هذا القائد، ومن ذلك أنه غنى "ناصر يا حرية" و"أبو خالد نوارة بلدي" و"ريسنا ملاح ومعدينا.. عامل وفلاح من أهالينا" و"ضربة كانت من معلم'".

"نعم… حليم صوت الثورة"

يقدر د. محمد أمين عبد الصمد، الناقد الفني والمشرف على إدارة التراث الشعبي بالمركز القومي للمسرح، من أهمية فهم الخلفية السياسية لبروز عبد الحليم حافظ، يقول لرصيف22: "بسبب التغييرات المجتمعية الكبرى مثل الثورات السياسية أو الاجتماعية، وتغير النظم الحاكمة أو صفتها، من ملكية مثلا إلى جمهورية، وأياً كان التوجه السياسي الذي سيتم تبنيه من السلطة الحاكمة الجديدة، يظهر الاحتياج إلى أصوات ووجوه جديدة في مجالات الفن والثقافة، حاملة توجه النظام الجديد ومروجة له، على قطيعة تامة أو جزئية مع ما سبق، لذا لم تكن ثورة يوليو مستثناة من هذا، فظهر أدباء وفنانون يحملون خطاب الثورة، مروجين لها ومروجين لمشروعاتها".

"حب حليم لناصر كان من القلب".

ويضع أمين حليم مع أسماء أخرى أدبية وثقافية، ظهر الاحتياج لها بسبب تلك التغيرات السياسية والاجتماعية، مثل صلاح جاهين، كمال الطويل وغيرهما، يقول: "كانت هناك بعض الأصوات الأدبية أو الفنية التي تعيد توجيه بوصلتها في إطار ما يُسمى بـ"إعادة الروح" أو "إعادة الوعي"، وهناك أصوات ووجوه جديدة تبدأ رحلة لمعانها مع الثورة والتغير السياسي والاجتماعي، وأظهر نموذج لهذا هو المشروع الفني للمطرب عبد الحليم حافظ، الذي بدأ ظهوره 1951 ودخل دائرة الضوء مع الثورة، وكان صوتاً مهماً في الاحتفالات السنوية بذكرى الثورة أو الأحداث السياسية المهمة".

ويشير أمين إلى أن صوت وملامح عبد الحليم عكَس ملامح "الجيل الجديد" آنذاك، فهو "يعكس الاعتيادية في الشكل، شاب نحيف متوسط الوسامة بمقاييس زمنها، نمط آخر بعيد عن النمط الهوليودي المروج من السينما (أنور وجدي نموذجاً)، وكذلك الغناء والموسيقى التي تتجه إلى تقديم الجمل القصيرة بعيداً عن 'التتريك' والاستغراق فيه، وكان عبد الحليم حافظ من الذكاء حيث أنه التقط الخيط، فكانت الصورة النمطية عنه، الشاب البسيط المحب الذي يصعد باجتهاد، الوفي لأبناء مجتمعه، متواصلاً معه مهما ارتفع قدره الاجتماعي/ الاقتصادي".

"لم تكد تنجح ثورة يوليو 1952 حتى بدأ عبد الحليم مسيرته في تقديم الأغنيات الوطنية بنشيد "العهد الجديد"، وكان ترجمة غنائية لشعار "الاتحاد والنظام والعمل"، الذي نادى به الرئيس محمد نجيب، بعدها قدم أغنية "وفاء"، ليتحول بصوته إلى كبار الموظفين في عالم الغناء"

"كان تاريخ عبد الحليم الاجتماعي وصعوده والتذكير دائماً بأصوله البسيطة والتي لم تقف حائلاً دون صعوده وحصوله على فرصته، في مجتمع يروج لمبادئ اشتراكية تنحاز للمجتهد ولمن يحاول، حتى ولو كانت إمكانياته غير خارقة أو شديدة التميز، لذا يمكن القول إن عبد الحليم كان صوتاً لثورة يوليو، وكانت ثورة يوليو هي القاطرة التي حملت صوت عبد الحليم وشخصيته الفنية لأبعد مدى جغرافي ولأطول فترة زمنية".

ويتفق مع أمين، أستاذ النقد الفني بأكاديمية الفنون، زين نصار، يقول لرصيف22: "عبد الحليم كان صوت الثورة والشعب ولم يكن صوت النظام".

ويصف نصار حليم بـ"الوطني جداً"، ويشدد على حب المصريين لعبد الناصر آنذاك: "لمست ذلك بنفسي، كانت الناس بتحدف نفسها على عربيته في شارع رمسيس والأمن كان بيعاني عشان يفرقهم".

"الحب كان من القلب، وما قاله عبد الحليم ليس نفاقاً للرئيس أو النظام، عبد الحليم كان يتمتع بثلاث صفات مهمة جداً، الذكاء الخارق، الموهبة الغزيرة والجرأة الشديدة، وعلى المستوى الفني أتي بأسلوب جديد في الغناء لم يكن معروفاً من قبل".

ويشيد نصار بأغانيه الوطنية، قائلاً: "شوف العبقرية وهو يلخص حدوتة السد العالي سنة 1960 في أغنية مدتها ربع ساعة، اللى مبيعرفش يقرأ أو يكتب هيعرف كل حاجة عن السد من الأغنية".

وعن إخفاقات النظام في أشياء قدم حليم بصوته دعاية لها، يقول نصار: "مش مشكلته، هو مش مسؤول عن حل المشاكل، فقط ومن خلال الأغاني يسلط الضوء على المشكلة والمسؤول يحلها، باختصار عبد الحليم قدم أغاني الثورة وأغانيه الوطنية، من منطلق حبه للبلد وحبه لعبد الناصر اللي الناس كلها كانت بتحبه".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard