لأنّ الإنسانية مسكونة بهاجس الطموح إلى الأفضل... كيف تخيل الأدب المدن الفاضلة؟

السبت 4 يوليو 202001:12 م

يطالعنا في الفلسفة والأدب ذلك المفهوم الذي يحاول فيه الفكر والتخييل الإنساني ابتداع المدينة الفاضلة، المجتمع المثالي أو الحضارة المثالية التي يسمح الفكر والأدب الإنسانيان بتخيلها. إنه ولمن الأهمية التعرف على الكيفية التي تخيل فيها الفلاسفة، المفكرون والأدباء، الحضارات المثالية، بأية شروط سياسية، اجتماعية وأخلاقية، تشكل المكان المثالي أو الحضارة المثالية.

جاء في كتاب "أدب الخيال العلمي، محمد عياد وكوثر عياد": "إن الإنسانية بطبعها مسكونة بهاجس الطموح إلى الأفضل، لذلك طالما حلمت بالمدن الفاضلة. اخترعت كلمة إيتوبيا utopia الإغريقية عام 1516 مع توماس مور. وقع اشتقاق هذا اللفظ من الجذر Topos -المكان ومن السابقة u، يمكن أن يحيلنا على الشكل ou الذي يعني اللامكان، أو على الشكل eu الذي يعني المكان الجيد".

المدن الفاضلة المخادعة

يعتبر نص "الجمهورية، أفلاطون، 376 ق.م" أول النصوص التي حاولت تقديم رؤية لكيفية إدارة الحكم المثالي وتأسيس المدينة الفاضلة، لكن دراسة الخصائص التي أقام عليها أفلاطون مدينته الفاضلة، بيّنت أن أي تخيل للمدن الفاضلة سيكون إشكالياً. لقد ألغى أفلاطون دور الشعراء والمسرحيين، وحدد قواعد الفن المقبول والفن المرفوض، وحدد أنواعاً من الموسيقى المقبولة والمرفوضة، كما أنه حدد طبقات الحكم بطريقة مجحفة لبعض الفئات، وإن كانت جمهورية أفلاطون المحاولة الأولى لتخيل مدينة فاضلة، فإنها فتحت الباب على ضرورة النظر ملياً بكل تخيل طوباوي ووجوب النظر في كيفية تأليفه، أما نص "يوتوبيا، توماس مور، 1560"، فهو الذي أعطى لهذا النوع من النصوص اسمها، يقترح فيه توماس مور جزيرة خيالية شيدت عليها بناية اجتماعية تتمكن من تلافي نقائص النظام الاقتصادي والسياسي الإنكليزي في ذلك العصر.

خلق هاجس الطموح إلى الأفضل حلم البشرية بالمدن الفاضلة، ويعتبر "الجمهورية" لأفلاطون  أول نص فلسفي قدمها منذ القرن الرابع قبل الميلاد، لتكتسب اسمها في القرن السادس عشر من نص "يوتوبيا" لتوماس مور

الطوباويات العلمية

في الأدب، يعتبر النقاد رواية "أتلانتا الجديدة، فرانسيس بيكون، 1627"، الحلقة المهمة بين الطوباوية والخيال العلمي، ذلك أن الرواية تتخيل جزيرة طوباوية مبنية على أسس العلم واكتشافاته التي ظهرت في القرن السابع عشر، فقدمت الرواية نصاً أدبياً ذا منظور علمي، وهذا ما ميزها عن الطوباويات السابقة. وفي عام 1771 قدم لويس دي مارسييه رواية بعنوان "عام 244"، تبنّى فها نظرة استشرافية طوباوية ألهبت أفكار الكتاب وخيالهم طيلة القرن الثامن عشر، ومع القرن التاسع عشر، فتح العلم الأفق لإمكانية تخيل عالم طوباوي أفضل، فقدم فداي بولغارين عالماً طوباوياً تأسس بفعل التقدم التقني، في رواية "رحلة إلى عالم القرن الواحد والعشرين، 1834"، وفي رواية "رحلة إلى إيكاريا، 1824"، يقدم إتيان كابي جنة اصطناعية في مجتمع تسوده المساواة، للمؤلف في هذه الرواية ثقة تامة بالقدرات اللامتناهية للتقنية والعلوم لتحسين ظروف الحياة. وفي رواية "سنة 4338، فلاديمير أودوفيسكي، 1844"، يتخيل الكاتب روسيا كقوة عظمى، ويصور ازدهار التجارة العالمية بفضل اختراع ناقلات فضائية لجلب معادن جديدة من القمر إلى الأرض.

في رواية "على الحجارة البيضاء، 105"، تخيل أناتول فرانس أن التقدم العلمي والتقني سيمكن الإنسان من التخلص من ظاهرة الحروب، أما في رواية "المدينة والنجوم، 1956"، فقدم آرثر كلارك مدينة طوباوية ناجية من حرب ذرية، وقد زودت هذه المدينة بكافة الوسائل التقنية ومكتشفات التقدم العلمي. تتجلى الطوباوية في هذه المدينة من خلال خلاص أهلها من الآلام، فهم شباب لا يهرمون، أصحاء لا يمرضون وأحياء لا يموتون، وفي هذه المدينة كل شيء مباح، ويمكن للعلم أن يحقق لمواطنيها أمنياتهم وأحلامهم.

الطوباويات العربية

عند التحدث عن الأدب والعالم المثالي، يدفعنا الفضول للتعرف على العوالم المثالية التي اقترحها الأدباء العرب في أعمالهم، فما هي معايير العالم المثالي من وجهة نظر المخيلة العربية؟ وما أبرز العناصر السياسية، الاجتماعية والثقافية التي أسس عليها الأدباء العرب عوالمهم الطوباوية؟

الطوباوية لفظ عربي وقع اشتقاقه من الجذر "ط ي ب" ومنه كلمة "طوبى" في القرآن، وهي اسم شجرة في الجنة. في كتاب "آراء أهل المدينة الفاضلة"، القرن العاشر الميلادي، يؤسس الفارابي لمجتمع إنساني يقوم على مبدأي العدالة والفضيلة، ويرسم لوحة للمدينة الفاضلة التي يرى أنها تتكون من مجموعة متناسقة من القيم الأخلاقية، وكل تغيير يطرأ على هذه القيم يحول المدينة إلى فوضى، لذلك يشترط الفارابي شروطاً أساسية يجب أن تتوفر في سكان هذه المدينة من ذلك:

- ضرورة وجود محبة متبادلة بين جميع المتساكنين

- التخلي عن قوانين الغاب

- التخلي عن الاستعباد

- التخلي عن التمييز بين البشر على أساس العرق والمعتقد الديني.

في كتاب "أدب الخيال العلمي" يكتب المؤلفان، محمد وكوثر عياد: "بعد الفارابي وابتداء من القرن الحادي عشر، ساد العالم العربي عصور من الانحطاط واتخذت الفلسفة الطوباوية طابعاً تراثياً. إن ظهور النصوص الطوباوية العربية لم يقع إلا بداية القرن التاسع عشر، عند بداية نهضة العالم العربي. انبعثت أولى هذه النصوص من شعور المفكرين العرب بالضيم من قمع الحكم العثماني الاستبدادي من جهة، ومن قهر الاستعمار الغربي من جهة أخرى، فدعوا للتخلي عن الحنين للماضي والتوجه لتوعية الشعوب كي تحسن أوضاعها، فاقترحوا على أفرادها أنماطاً مختلفة من المجتمعات".

نهاية التسلط السياسي

ويعتبر المؤلفان أن نص "غابة الحق، فرانسيس المراش، 1865"، أول نص طوباوي ظهر في العالم العربي. يؤسس هذا النص لمملكة خيالية لا يوجد فيها عنف ولا عبودية، عملة الملك فيها الحرية وعملة الملكة الحكمة، ويصف النص العالم الجديد، أي أميركا، بأنها أرض الأحلام والآمال، وهذا هو المثل الأعلى للنظم السياسية، حسب المؤلف الذي يرى أن ثورة الزنج في أميركا عام 1861 ستنتشر لتلغي العبودية، كي تسود قيم العدالة والمساواة والحرية. وقدم الكاتب أديب إسحاق، في عام 1879، قصة "العهد الجديد"، وهي قصة طوباوية يصف فيها الكاتب عالماً أفضل، ويندد بطريقة غبر مباشرة بتسلط الحكم العثماني، ويتخيل قيام ثورة تقضي عليه فيتأسس نظام جديد تسوده العدالة والرخاء.

العالم الموحد والتسامح الديني

في قصة "الدين، العلم، المال أو المدن الثلاث، 1903"، يبرز لنا الكاتب فرح أنطون، أحد المذاهب الفكرية السائدة أوائل القرن العشرين، حيث يتناول نظرية الملكية عند كارل ماركس، التي تنص على أن الإنسان هو المالك الحقيقي لكل المقدرات الصناعية والزراعية والتجارية، لأنه الأداة الفاعلة في تحريكها، مجسداً ذلك في صورة مدن ثلاث، تجسد مرآة النفس الإنسانية في صور الدين والعلم والمال، يتجاوز فيها البطل ثنائية شرق/غرب ليتحدث عن ثقافة إنسانية تتسامى على الزمن والفضاء، ويحاول المؤلف في هذا النص أن يعرف المشرق والمغرب على مفكري وفلاسفة كليهما. أما في كتاب "لطائف السمر في سكان الزهرة والقمر، ميشال الصقال، 1907"، فيؤسس المؤلف المدينة الفاضلة على سطح كوكب الزهرة، حيث سيعيش الإنسان بسلام تحت راية التسامح الديني.

التطور العلمي

في رواية "مقدمة لطوباوية مصرية، 1924"، كان موسى سلامة أول من استعمل كلمة "طوبى"، وأول من مازج بين الطوباوية والعلم. القصة عبارة عن حلم يستفيق منه البطل عام 3105، ليجد أن مصر تطورت كثيراً وأصبح اسمها "خيمي" وعمت مدنها السعادة والرفاهة والعدالة الاجتماعية. يتخيل الكاتب أن مصر أصبحت مدينة حديثة بفضل العلم، فزالت الفوارق بين الرجال والنساء، وحل العلم مكان الدين وزال التعصب، وساعد الطب على تحسين نوعية الحياة، وأدخلت الآلات الرفاهية على الإنسان، فالعلم يجلب السعادة. وفي قصة "سنة مليون، 1953"، يتنبأ توفيق الحكيم بمستقبل البشرية، حيث يصل الإنسان إلى ذروة الحضارة بعد حرب ذرية تدمر العالم القديم، ولكنها في الوقت ذاته تعيد للإنسان وعيه وشعوره بالمسؤولية، فيقيم حضارته على أسس جديدة من العلم والتقدم والسلام، وأما الناس في سنة مليون، فهم خالدون لا يعرفون الشيخوخة ولم يسمعوا بالموت قط.

وفي مجموعته القصصية "نداء لولو السري، 2009"، يقدم الكاتب نهاد شريف عدداً من القصص الطوباوية. في قصة "قشرة الموز" يتنبأ بعهود الرفاهية التي سيراها الإنسان في المستقبل بفضل الإنجازات العلمية والتقنية عالية الدقة، وتدور أحداث قصة "الهجرة إلى المستقبل" في الألف الرابعة بعد الميلاد، وهي تصور العالم واحة سلام ورفاه. تحدث الكاتب في هذه القصة عن إكسير الحياة، دوام الشباب، زوال الشيخوخة وامتداد عمر الإنسان. الحل الذي تخيله الكاتب انطلق من المبدأ حول التجميد، الذي سيكون مداً للحياة، تجديداً لعناصر الجسد والقضاء على الموت.  

العالم العربي مركز الحضارة

ظهرت عدد من الطوباويات الأدبية التي تجعل من العالم العربي مركزاً للحضارة. مثل مجموعة "الحب خارج الزمن" للكاتب رؤوف وصفي الذي يتخيل مستقبلاً سياسياً، يتشكل فيه كيان عربي موحد يسميه الولايات العربية المتحدة

هناك عدد من الطوباويات الأدبية التي تجعل من العالم العربي مركزاً للحضارة. نجد ذلك في مجموعة "الحب خارج الزمن" حيث يقدم رؤوف وصفي مستقبلاً سياسياً، يتشكل فيه كيان عربي موحد يسميه الولايات العربية المتحدة، ويتنبأ وصفي بأن هذه الدولة، أو هذا الإتحاد، سيصل إلى ذروة تطوره في عام 2000 م، لدرجة أنه سيمتلك منصة ضخمة لإطلاق الصواريخ إلى الفضاء. وتجري أحداث رواية "عودة الفيل، عبد العزيز بن الخوجة، 2007"، في شمال إفريقيا عام 2103. نقرأ كيف أصبحت جمهورية قرطاج الوجهة المفضلة للمهاجرين حول العالم، خصوصاً بعد أن دخلت البلدان الغربية في مرحلة تقهقر، وتبعاً لذلك، وضعت الجمهورية قوانين صارمة لتنظيم الهجرة واختيار نوعية المهاجرين، فتأسس على مستوى كامل الرواية مقارنة دائمة بين قرطاج والغرب، لذلك تتبنى الرواية وجهة نظر مركزية، تجعل من قرطاج المدينة المثالية الأقوى والأكثر تحضراً، حيث لا توجد شرطة، والمدن والنظام محفوظان دون تدخل الشرطة. لقد تخيل الكاتب أن القرطاجيين أعادوا خلق الأوضاع الملائمة لازدهار ديمقراطية حقيقة، يكون فيها الشعب هو الحاكم الفعلي، بينما تحل الديكتاتوريات مكان الديمقراطيات في الغرب وتتقلص الحريات، وبينما الغرب يغرق بالديانات والكنائس، فإن يوتوبيا قرطاج تعيش الحس المدني.

وفي رواية "قاهر الزمن، نهاد شريف"، نرى مدينة القاهرة المستقبلية وقد انتظمت مبانيها الزجاجية الشفافة وغطتها السحب البنفسجية الواقية، وتصبح اللغة العربية سيدة لغات العالم وتسيل على كل لسان، والعلم والتقنيات العلمية تدخل حياة المصريين، فسيارات الأجرة تسير بسرعة الصوت، والسفر بين الكواكب يتم بواسطة صواريخ متطورة جداً. وفي رواية "سكان العالم الثاني، نهاد شريف، 1977"، يقرر فيها مجموعة من العلماء الوقوف في وجه الدول الكبرى التي تتسابق إلى اقتناء الأسلحة النووية التي تهدد الوجود البشري على كوكب الأرض، ويعلنون مبادئهم التي ترتكز إلى التصدي للمشكلات الإنسانية، كالتلوث، الانفجار السكاني، الحروب والمجاعات، فيصنع العلماء غواصة تمثل مدينة فاضلة، يعيش فيها هؤلاء العلماء حياة نباتية ومثالية.

تخيل الأدباء العرب مدنهم الفاضلة مدناً متطورة تقنياً وعلمياً، محققة لنظام سياسي عادل يخضع للرقابة والمساءلة، ما يعني أن تطور العلوم وتحسن الأنظمة السياسية هي الرسالة التي يحاول الكتّاب العرب إيصالها، عبر ابتكار مدنهم الفاضلة.

في كتاب "الخيال العلمي في الأدب"، يكتب محمد ياسين: "وإذا كان الهدف من الطوباوية هو تقديمها كأنموذج يمكن الاهتداء به طريقاً للسعادة، فلماذا لا يكون الأنموذج موجوداً في الفضاء الخارجي على كواكب أخرى تقطنها كائنات تخلصت من أنانيتها وحقدها، فاهتدت بعلمها وعملها إلى الطريقة المثالية للعيش السعيد؟ هذه هي الأمثولة الرئيسية التي يقدمها طالب عمران في كل ما يكتب من قصص أو روايات طوباوية، فمعظم كائنات الفضاء مثالية تقدم للبشر درساً في العلم والفضيلة والسلوك القويم".

في قصة "كوكب الأحلام، طالب عمران"، تكون كائنات المارد الجبار على شكل أزهار جميلة، تصدر أصواتاً موسيقية عذبة وتنادي رواد الفضاء الأرضيين بأسمائهم. وفي رواية "خلف حاجز الزمن، 1985"، يصور الكاتب كوكباً شبيهاً بالأرض، تعيش عليه كائنات تشبه البشر تماماً، وهذه الكائنات تعاونت فيما بينها على إنشاء كوكب للمحبة والعلم والسلام. وعلى العكس من كثير من روايات الخيال العلمي، تسعى روايات طالب عمران لتصوير كائنات العوالم الأخرى ككائنات مسالمة تنقل رسالة المحبة والسلام. أما في رواية "مزون" فتكون اليوتوبيا بالعودة إلى الماضي، فالشخصية الرئيسية في الرواية تعبر في نفق الزمن إلى الماضي، حيث تقابل الأجداد الأشاوس ذوي الأمجاد التليدة، وتتعرف عن كثب على مآثرهم التي تبعث على الاعتزاز بالانتساب إلى هذا العالم، الذي هو العالم العربي.

عبر هذه النماذج الأدبية الطوباوية المتعددة العربية التي وردت في كتب بحثية مثل "أدب الخيال العلمي، محمد عياد وكوثر عياد"، و"الخيال العلمي في الأدب، محمد ياسين"، تظهر أن الأدباء العرب تخيلوا المدن الفاضلة بكونها مدناً متطورة تقنياً وعلمياً، محققة لنظام سياسي عادل يخضع للرقابة والمساءلة، ما يعني أن تطور العلوم وتحسن الأنظمة السياسية هي الرسالة التي يحاول الكتاب العرب إيصالها، عبر ابتكار مدنهم الفاضلة.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard