ونحن على أبواب الشهادة الثانوية... ما هو "الرضّ النفسي" المرافق لقلق الامتحانات؟

الاثنين 15 يونيو 202002:20 م

حينما نتعرض لرض جسدي نعاني آلاماً مبرحة منه، ونحتاج أياماً عدة، وربما في بعض الحالات لشهر، كي نُشفى نهائياً، إضافة للأدوية التي يصفها لنا الطبيب المعالج في أوقات محددة من اليوم.

ولكن ماذا في حالة الرض النفسي وخاصة ما يسببه قلق الامتحان، ونحن على أبواب امتحانات الشهادة الثانوية وشهادة التعليم الأساسي؟

يعرّف الرض النفسي في علم النفس بأنه "جرح نفسي، أو هزّة نفسية، وهو عبارة عن حالة نفسية يدخل بها الشخص نتيجة التعرض لحادث أو واقعة مؤلمة، سواء نفسياً أو جسدياً، كالاختطاف، الاغتصاب، موت أحد الأشخاص المقرّبين، فراق حبيب أو غيرها من الأمور التي تثير الحزن والألم، فتسبب له جرحاً مزمناً، وتؤدي لدخوله في حالة غير طبيعية، قد تستمر لعدة أسابيع وشهور".

ولكن ماذا في حالة الرض النفسي وخاصة ما يسببه قلق الامتحان، ونحن على أبواب امتحانات الشهادة الثانوية وشهادة التعليم الأساسي؟

يحدث الرض النفسي للأشخاص على عدة مراحل وظروف، وذلك حسب نوع ومدى صعوبة الحدث الذي تعرّضوا له، وبحسب تأثيره على نفس المريض.

والحدث الراض نفسياً هو ما يحدث لنا بشكل مفاجئ، فيقلب حياتنا رأساً على عقب، لما يسببه من مشاعر الخوف، الإحباط، القلق، الاكتئاب، التملمُل، السخط، الغضب أو الخدر، وفي كثير من الحالات نصل لحالة من العجز الفكري، أي نعجز عن إيجاد حلول لما يواجهنا من تهديد.

وتختلف درجة ردود أفعال المرء تجاه هذا الرض النفسي من شخص لآخر، فكثيراً ما يبقى من تعرض لهذه الرضوض بمفرده، فيكبر الخطر عليه هنا، لأنه يبدأ بتذكر وتكرار تفاصيل ما حدث من ألم، فتضعف مقاومته النفسية والجسدية ما يهدد بنوبات من البكاء والاكتئاب، كونه في هذه الحالة يفتقر إلى أي إجراءات وقائية قام بها كما في حالة الرضوض الجسدية.

إضافة إلى تحوله إلى شخص هجومي أو عدائي من السهل استفزازه، أو بالعكس، إلى شخص انعزالي يبتعد عن المجتمع ومن وما حوله، وهنا قد يدمن الخمر أو المهدئات كي يخفف من آلامه النفسية.

وعلى الرغم من أن منشأ الكثير من الاضطرابات النفسية يكمن في اختلال فيزيولوجية الجهاز العصبي والنفسي، إلا أن الكثير من حالات الإحباط المرضية والاكتئاب تكون نتيجة تكرار لرضوض نفسية صغيرة، تتحول شيئاً فشيئاً إلى هذه الاضطرابات، وكما يقال بالعامية: "جبل من الهمّ طابق عالصدر".

وعلينا أن ننتبه إلى أن الرض النفسي هو أحد الأسباب التي تجعلنا نستيقظ أحياناً لنجد، على أيدينا، أقدامنا أو أي مكان من جسدنا، كدمات دون أن نكون قد اصطدمنا بشيء في اليوم السابق، ولا نعرف ما سببها، لكنها تعرف باسم "الكدمات المفاجئة للرض النفسي"، وهذا الرض قد ينجم عن الاضطرابات المتلاحقة.

الآن ونحن على أبواب الامتحانات الثانوية، والتي يجهد الطالب نفسه كثيراً فيها، سواء بالدراسة، قلة النوم أو قلة الشهية للطعام بسبب القلق، بهدف النجاح أو التفوق، ما ينتج عنه قلق الامتحان الذي يسبب له بعض الرضوض النفسية.

بداية ما هو القلق؟

هو حالة نفسية وفيزيولوجية تتركب من تضافر عناصر إدراكية وجسدية وسلوكية، لخلق شعور غير سار، يرتبط عادة بعدم الارتياح والخوف أو التردد. غالباً ما يكون القلق مصحوباً بسلوكيات تعكس حالة من التوتر وعدم الارتياح، مثل الحركة بخطوات ثابتة ذهاباً وإياباً، أعراض جسدية أو الاجترار.

ويعرف قلق الامتحان بأنه "قلق عام تصاحبه حالة انفعالية تتّسم بالتوتر والخوف، تصيب الفرد في مراحل مختلفة، وترتبط هذه الحالة بالامتحانات وبعملية التقييم، فتظهر على الطلاب العديد من علامات الاضطراب والتوتر والقلق".

ويتمثل خطر هذا النوع من القلق عند وصوله مرحلة متقدمة، وذلك عند انتقال القلق من مرحلة الدافع الإيجابي والتحفيزي وبذل الجهد والسعي إلى المزيد من الإنجازات والنجاحات، إلى مرحلة غير طبيعية وغير سوية، تقف عندها أعراضه في وجه استقرار الطالب ونجاحه، قبل مرحلة التقييم أو النجاح وأثناءها.

وبرأي كثير من علماء النفس أنه حينما يتعرض بعض الطلبة للضغط النفسي والتوتر بسبب مواقف أليمة اعترضتهم، يقلّ تحصيلهم الدراسي أثناء الامتحانات عن مستوى قدراتهم الحقيقية قبل تعرضهم لهذه المواقف، أي أن هناك علاقة وطيدة بين الضغوط النفسية والتحصيل الدراسي، وهذا تعريف آخر لقلق الامتحان. وبسبب تعرضهم لهذه الضغوط يتعرضون بالتالي لرضوض نفسية سنتحدث عنها لاحقاً.

على الرغم من أن منشأ الكثير من الاضطرابات النفسية يكمن في اختلال فيزيولوجية الجهاز العصبي والنفسي، إلا أن الكثير من حالات الإحباط المرضية والاكتئاب تكون نتيجة تكرار لرضوض نفسية صغيرة، تتحول شيئاً فشيئاً إلى هذه الاضطرابات، وكما يقال بالعامية: "جبل من الهمّ طابق عالصدر"

مكونات قلق الامتحان

أوّلاً، المكون المعرفي: حيث ينشغل الطالب بشكل كبير بالتفكير بنتائج رسوبه، ما يجعله في حالة خوف وقلق مستمر من فقدانه لتقدير ذاته وتقدير من حوله له...

ثانياً، المكون الانفعالي: هو استجابة الطالب الانفعالية التي تظهر على شكل نوبات من الهلع والضيق عند اقتراب موعد الامتحان وأثناءه، تتخللها أعراض فيزيولوجية.

أسباب القلق من الامتحان

هنالك أسباب لا تعد ولا تحصى من أهمها:

الخوف من نتيجة الامتحان: من المعروف أن كل طالب يذاكر بشكل جيد، فهو حكماً يهتم بنتيجة دراسته ومذاكرته، وبالوقت نفسه يخشى من هذه النتيجة لأنها ستضعه بموقف محرج من نفسه وممن حوله، كذلك الأمر مع الطالب الذي أهمل دراسته، فهو حكماً قلق من النتيجة.

إصرار الأهل على دراسته المستمرة وخوفهم من النتيجة: يسبب له خوفاً وقلقاً آخر، إذ يلعب الأهل دوراً كبيراً في تشجيع ابنهم على الدراسة أو كرهه لها، فالأهل الذين يزجرون أبناءهم في وقت استراحتهم ويلحّون عليهم بالدراسة يصيبونهم بالإحباط والخوف منهم، إضافة لخوفهم من النتيجة، وكثيراً ما نرى الأهل يرددون عبارات تزيد على القلق، مثل "يوم تبيض وجوه وتسود وجوه"، "يوم الامتحان يكرم المرء أو يهان"، أو "الوقت كالسيف إن لم تقطعه قطعك"... إلخ.

العادات غير الصحيحة في الدراسة: كالحفظ بصماً، الدراسة دون تركيز، سماع موسيقى أثناء الدراسة، الانشغال بالجوال ووسائل التواصل الاجتماعي أثناء الدراسة، عدم ربط الأفكار، الدراسة لمجرد الحفظ أو تأجيل الدراسة الحقيقية إلى الليلة التي تسبق الامتحان.

وهناك أسباب أخرى كقلة الثقة بالنفس واعتقاد الطالب أنه نسي أو سينسى كل المعلومات التي درسها وإرهاق نفسه بالدراسة لدرجة تصل به إلى تداخل المعلومات وقلة التغذية والإكثار من القهوة وعدم أخذ القسط الكافي من النوم.

الرضوض النفسية المصاحبة لقلق الامتحان

بداية يتعرض الطالب لأعراض فيزيولوجية كثيرة بسبب قلقه من الامتحان وبسبب تعرضه للخوف الشديد الذي قد يتحول إلى رهاب الامتحان منها غزارة التعرق وآلام معدية ومعوية وآلام شديدة في الرأس وتسارع خفقان القلب وضيق التنفس وجفاف الحلق وأحياناً تظهر بعد الحساسية الجلدية على جسمه إضافة إلى اضطرابات في العمليات العقلية كتشتت الانتباه وقلة التركيز والتذكر.

أما الأعراض النفسية فتتباين ما بين الأرق، صعوبة النوم، التوتر، الشرود، العصبية الزائدة غير المبررة، ردات الفعل السريعة والمزاجية وغيرها.

كيف نعالج الآثار السلبية لقلق الامتحان التي يتعرض لها الطالب؟

قبل الخوض في كيفية معالجة ذلك لا بد من التنويه إلى أن هناك حداً أدنى من القلق، وهو أمر طبيعيّ وضروري ولا داعي للخوف منه مطلقاً، بل على العكس ينبغي علينا استثماره في الدراسة واعتباره قوة دافعة للتحصيل الدراسي والتفوق، كي نستطيع إثبات ذاتنا وإرضاءها وإرضاء المجتمع حولنا، من الأسرة إلى المدرسة.

لا بد من التنويه إلى أن هناك حداً أدنى من القلق، وهو أمر طبيعيّ وضروري ولا داعي للخوف منه مطلقاً، بل على العكس ينبغي علينا استثماره في الدراسة واعتباره قوة دافعة للتحصيل الدراسي والتفوق، كي نستطيع إثبات ذاتنا وإرضاءها وإرضاء المجتمع حولنا، من الأسرة إلى المدرسة

إذاً متى وكيف يجب علينا البدء فوراً بمعالجة هذا القلق؟

حسب رأي علماء النفس، يجب علينا البدء بالحد من أعراض قلق الامتحان وتوتره حينما يصلان إلى درجة يمكن أن تؤدّي إلى إعاقة تفكير الطالب، وكلما بكّر الطالب وأسرته بالعلاج كلما كانت النتائج أسرع.

وهنا علينا اتباع طرق دراسية جيدة، في غرفة إضاءتها وتهويتها جيدة والبدء بتصفح الموضوع بشكل عام، ثم الانتقال إلى قراءة كل عنوان فرعي وما يتضمنه بصوت مسموع، لأنّ ذلك يساعد على حفظ المعلومات في الذاكرة، ربط الأفكار بين بعضها البعض، التخفيف من شرب القهوة والمشروبات الغنية بالكافيين لأنها تزيد الإجهاد الفكري والجسدي، والاهتمام بنوعية الغذاء ومحاولة الأكل قبل الامتحان بساعتين على الأقل. وليجرب الطالب أن يضع نفسه مكان لجنة وضع الأسئلة، وليضع الأسئلة بنفسه على ورقة جانبية بعد قراءته الأولى لكل موضوع أو فصل، ثم يجيب عنها في نهاية دراسته له، وأن يتوقف عن ترديد العبارات السلبية وتعويضها بعبارات إيجابية، مثل: أنا متفوق على كل زملائي، أنا ناجح نجاحاً مبهراً، أنا أحفظ بشكل جيد.. إلخ.

دور الأسرة في زيادة أو الحد من قلق الامتحان

بالدرجة الأولى، يعتبر توفير جو عائلي مناسب يسوده المحبة والتقدير من أهم الأسباب التي تساعد الطالب على الدراسة بتركيز. ويجب على الأهل عدم المبالغة في توقعاتهم لنتيجة ابنهم أو ابنتهم، وتخصيص أوقات معينة لترفيهه/ا واستراحته/ا وتقوية عزيمته/ا وتعزيزه/ا من وقت لآخر.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard