لبنان ينتفض من جديد… والخيبة تنتظر أصحاب الأمل

الجمعة 12 يونيو 202005:52 م

لبنان يغلي كما كل مرة، كأن طبخة "الثورة" أصبحت جاهزة، ليظهر فيما بعد أن الأحزاب نجحت في تحويلها إلى "طبخة بحص" يأكلها المواطن، بينما تأكل الحكومة المنبثقة عن الثورة، الناطقة باسم أوجاع الناس، كما يسميها رئيسها حسّان دياب، في حكاياته اليومية، حصصاً من التعيينات والمكاسب والصفقات.

حكومة بلا خطة أو أفق

فيروس كورونا شلّ العالم، عطّل حركة النقل والتنقل وجمّد الاقتصاد العالمي، إضافة إلى تقييده الشركات والمؤسسات، مسبباً خسائر كبيرة، لكن في لبنان، بالاستناد إلى الواقع السياسي، كان الفيروس مفيداً، إذ أمدّ في عمر حكومة حسان دياب وساهم في بقائها.

سطع نجم وزير الصحة تبعاً للمستجدات الطبية اليومية، ما سهّل على وزير الاقتصاد مثلاً مهامه، فأكمل سباته، بينما الأسعار تناطح الحد الأدنى للأجور، في حين أن رئيس الحكومة المهتم بتعداد إنجازاته التي شارفت على الاكتمال، يخرج على الشعب بخطابات زاهدة في الدنيا ووعود بمحاربة الفساد ومحاسبة الفاسدين، لا يلبث أن يتراجع عنها بعد أن تقضي غرضها الإعلامي.

ينزل الناس إلى الشارع بين الفينة والأخرى غضباً، ثم يعودون مجدداً لاصطفافاتهم الطائفية والمناطقية والحزبية، يعتمد السياسيون على ذلك حتى لو انهار الاقتصاد

الشارع ينتفض من جديد

فتحت انتفاضة 17 تشرين الباب أمام كسر محرمات عديدة، في شتائمها التي قد لا نتفق معها، كما سمحت بإخراج العديد من فضائح الفساد للعلن، كانت هزّاً لعصا الشعب في وجه السياسيين. من تابع الانتفاضة كان ليكون واثقاً من أن السلطة ستفتدي نفسها بفاسدين صغار تحاسبهم، وتمتص غضب الشعب.

لم تحاسب الحكومة، ومن خلفها الأحزاب الداعمة، أحداً، وبدلاً من زيارة الفاسد للسجن، زار القصر الجمهوري محاضراً بالنزاهة. لم تكترث الحكومة ولا رئيسها، صاحب الحكايا، أبداً بالرأي العام.

الشعب يكافح محارباً الجوع ودياب منصرف للتحضير لفيلم مصوّر عن إنجازاته.. وهذه ليست المرة الأولى، فدياب طبع سابقاً كتاباً عن إنجازاته كوزير للتربية، والتي كانت منعدمة بالمناسبة، والكتاب عبارة عن صورٍ له بتكلفة تعدت الملايين من مال الخزينة والشعب.

المستقبل اللبناني... باختصار

يمكن لأي متابع مبتدأ توقع ما ينتظر الاقتصاد اللبناني من انهيار: لبنان بلد باقتصاد مدوّر يعتمد في تعاطيه على الدولار، غير منتج بعد قتل قطاعيه الإنتاجيين، أي الصناعي والزراعي، بفعل دعم الاستيراد على حساب العملة الوطنية.

ينزل الناس إلى الشارع بين الفينة والأخرى غضباً، ثم يعودون مجدداً لاصطفافاتهم الطائفية والمناطقية والحزبية، يعتمد السياسيون على ذلك حتى لو انهار الاقتصاد.

دائماً ما يغضب الشعب اللبناني ثم يعتاد على واقعه الجديد، مشاهدة الناس منتفضة في الشوارع هو مبهج، لكن بناء على تجارب سابقة، فالخيبة تنتظر أصحاب الأمل.

فالنظام اللبناني معقّد، محبوك ومخيّط بشكل طائفي ومصالحي دقيق، يصعب الثورة عليه أو إزاحة حرّاس هيكله، فالمستقبل باختصار، في وطن لا يُنتج، يتأرجح بين خيارين: انهيار شامل، جوع وعملة بلا قيمة، أو بلد إنتاجي يعوّض بعضاً من خسائره، وينجح بمنافسة محيطه الذي سبقه بأشواط.

أميل للخيار الأول، فلغاية اليوم لم يصارح المسؤولون الشعب اللبناني بواقعه المتدهور، يتجاهلون بناء الدولة التي قد تقضي على مصالحهم، لصالح شدّ العصبيات الطائفية والتنفيعات التوظيفية، وليس آخرها فضيحة سلعاتا، سد بسري والتعيينات الرسمية في مراكز وظيفية شاغرة، تقاسمتها الأحزاب برعاية حكومة التكنوقراط "الديابية".. لا أمل بالإصلاح.

لا شك أن كل ملف قد يُفتح في لبنان سيقود تلقائياً لشبكة تجمع مصالح المنظومة الحاكمة بكامل أعضائها الممسكة بالبلاد والعباد في آن، لكن السؤال الرئيسي يبقى كالتالي: ماذا ينتظرنا؟

في مرحلة ما بعد 17 تشرين، قرر القضاء التحرك، فسجن موظفين مشاركين بفضيحة الفيول المغشوش، فأطلق سراحهم صباحاً ليذهبوا إلى عملهم، ثم يعودون بعد الظهر للسجن بعد انتهاء الدوام، لا لأنهم موظفون خارقون لا مجال لاستبدالهم بآخرين، بل لأنهم متمرّسون في لعبة الفساد وإمرار الصفقات التي يستفيد منها المسؤولون.

لا شك أن كل ملف قد يُفتح في لبنان سيقود تلقائياً لشبكة تجمع مصالح المنظومة الحاكمة بكامل أعضائها الممسكة بالبلاد والعباد في آن، لكن السؤال الرئيسي يبقى كالتالي: ماذا ينتظرنا؟

يختلف الوضع الإقليمي اليوم عنه في التسعينيات، لم يعد لبنان موقعاً مغرياً للطامحين بنفوذ سياسي في الشرق الأوسط. لبنان بالنسبة للاعبين الإقليميين هو خزّان مقاتلين، ومعبر محروقات ودولار تستفيد منه سوريا، أما بالنسبة للفريق أو المحور المناوئ لسوريا، فلبنان مركز ضغط ووعاء للاجئين السوريين منعاً "لتسربهم نحو أوروبا"، وعليه، لا مصلحة إقليمية بأي حلحلة لبنانية أو انهيار كامل حتّى.

وعليه، طالما أن السياسيين منفصلون عن الواقع الشعبي، والرعاة الإقليميين لا يعنيهم اللبنانيين، يعني أن الأزمة متواصلة بفصول متعددة، أبسطها سيكون قاسياً، مع مليون عاطل عن العمل اليوم، وانهيار تدريجي لسعر صرف الليرة... طبعاً مع عدد مغادرين دون عودة، أو "منتشرين"، كما يحلو لحاكم الجمهورية، جبران باسيل، تسميتهم، لا يمكن حصرهم عند فتح المطارات والدول أبوابها.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard