"القلب يعشق كل جميل"... طائرات ورقية تزيّن سماء الحجر المنزلي

السبت 6 يونيو 202004:51 م

مع نسمات الهواء تعلو وتعلو، لا يربطها بالأرض سوى حبل طويل، يمسكه بإحكام شاب محترف أو طفل هاو، كلاهما جمعهما حب الطائرات الورقية. ما إن يهل فصل الصيف، حتى تحتل الطائرات الورقية سماء مدن مصر المختلفة، لتصبح علامة مميزة للإجازة الصيفية، وعادة سنوية أنعشتها ظروف الحجر المنزلي لمنع تفشي جائحة كورونا.

تطوّر الطائرة الورقية

تميزت الطائرات الورقية منذ بدايتها بألوانها المبهجة التي تناسب الصيف وانطلاقه، لكنها هذا العام اختلفت اختلافاً كلياً في مصر، حيث بدأت موضة جديدة سيطرت على صناعة الطائرات الورقية، فقد حاول صناعها إغراء محبي الطائرات الورقية بما هو جديد، فقرروا أن تحمل طائراتهم صوراً مختلفة لا يقاومها الزبون، كما قال سعد شرشيرة (35 عاماً)، والذي يصنع الطائرات الورقية بيديه مع بداية كل صيف، ويعتبره "مشروعاً موسمياً مربحاً".

سعد، الذي بدأ كهاوٍ في صباه، تعلم أسرار صناعة الطائرة الورقية من عمه، فصار مع الوقت يصنعها بيديه، وبأحجام مختلفة تحوز على إعجاب رفاقه.

قرَّر سعد منذ عشر سنوات أن تصبح صناعة الطائرات الورقية مشروعه الذي ينتظر قدوم الصيف لانطلاقه، يقول سعد لرصيف22: "الموضوع غير مكلف، فلا يحتاج سوى بوص، بلاستك ملون، شرائط لاصقة، خيوط أصنعها في منزلي، وأحملها لبيعها في مدينة دمياط، ودمياط الجديدة، فالزبون فيهما مختلف يبحث عن الجديد، وبيدفع كويس".

 بدأت موضة جديدة سيطرت على صناعة الطائرات الورقية في مصر، فقد حاول صناعها إغراء محبي الطائرات بما هو جديد، فقرروا أن تحمل طائراتهم صوراً مختلفة لا يقاومها الزبون، مثل شي جيفارا، وشخصيات الكارتون

سعد ورفاقه من بين القليلين جداً في صناعة الطائرات الورقية في دمياط، وكانوا يتوقعون ركود بضاعتهم هذا الصيف، بسبب فيروس كورونا وما فرضه من حظر وتوقف حركة البيع والشراء، لذا فكروا في جديد يضيفونه للصناعة ويغرون به الزبون.

يقول سعد: "الفكرة أتت كطريقة للتحايل على ركود السوق، فالطائرات الورقية الملونة التقليدية لن تغري الزبون، وتدفعه للتضحية بخمسين جنيه تمن الطائرة في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التي نعيشها جميعاً الآن، لكن لو شاهد طائرة ورقية مختلفة عليها صورة نجمه المفضل، أو كارتونه المحبب حتماً سوف يقرر شرائها، وهذا ماتوقعناه وصدق".

"أرسم طائرة أخي الصغير"

التطوير والابتكار لم يقتصر على صناع الطائرات الورقية المحترفين فقط، بل امتد للهواة، مروة فاخر (22 سنة)، طالبة في السنة النهائية بكلية التربية في دمياط، قررت أن تهدي أخيها الصغير طائرة ورقية مميزة جداً.

تقول مروة لرصيف22: "أنا عندي موهبة الرسم منذ طفولتي، وحينما بدأ موسم الطائرات الورقية، كنت أرسم لأخي الصغير ما يطلبه من رسومات بسيطة ليضعها على طائرته، التي يصنعها بيديه بمهارة شديدة، كشعار ناديه المفضل، أو رقم لاعبه المحبوب".

تتذكر مروة لحظة الانتهاء من رسوماتها، وبداية إطلاقها في السماء، وسط أجواء الفرحة، ثم فكرت في أن تصنع لنفسها طائرة خاصة، رسمت عليها صورة أم كلثوم، وأضافت جملة "القلب يعشق كل جميل"، ونالت الطائرة إعجاب الكثيرين، وطلب أخوها أن ترسم صورة تشي جيفارا على طائرة.

وفي النهاية، تقول مروة: "بمجرد انتشار الصور، لفتت انتباه الجميع وطلب مني الكثيرون صناعة طائرات لهم، لكني أخبرتهم أنها فكرة مؤجلة لحين انتهاء أزمة كورونا، فربما العام القادم يتحول إلى مشروع خاص يحمل اسمي.. ليه لاء".

ما يميز طائرات مروة عن غيرها من الطائرات التي تحمل رسومات وصور مختلفة والتي انتشرت مؤخراً في سماء محافظة دمياط، أنها ليست مرسومة بالألوان كغيرها، لكنها مرسومة بالبلاستيك، تقول: "رسمتها بالمشمع البلاستيك، الذي أصنع منه الطائرات، حيث حددت الرسمة عليه بالقلم، وقمت بقصها، ولزقها على مشمع الطائرة".

"منعوا الأطفال من الصعود للسطح"

لم تكن الطائرات الورقية سبباً للبهجة والمتعة فقط، لكنها أيضاً كانت سبباً للفجيعة والموت.

فقد شهدت المحافظة الصغيرة، خلال شهر إيار/ مايو، وفاة ثلاثة أطفال، لقوا مصرعهم بعد سقوطهم من أعلى منازلهم خلال لعبهم بطائراتهم الورقية، وهو ما دفع القائمين على الصحّة فيها، إلى توجيه نداء عاجل، عبر صفحتها الرسمية على موقع التواصل الاجتماعي، بضرورة توخي الحذر ومراقبة الأهالي لأطفالهم، ورفضهم بشكل قاطع صعود أبنائهم إلى أسطح المنازل، ومعهم طائراتهم الورقية.

المأساة لم تشهدها محافظة دمياط فقط، لكنها تكررت في العديد من المدن الأخرى وبطرق مختلفة، فقد شهدت مدينة بلقاس التابعة لمحافظة الدقهلية، مصرع طفل صعقاً بالكهرباء، بعد أن قرر الصعود على عمود الإنارة لتخليص طائرته بنفسه من بين الأسلاك الكهربائية.

الخيط سر نجاح الطائرة

إذا كان لخفة الورق المصنوعة منه الطائرة دور كبير في نجاحها، فللخيط أيضاً دور كبير في جعل الطائرة تطير، وتحلّق إلى أعلى دون عوائق.

"كما يجب أن يتسم الخيط بالقوة لابد أن يتسم بالخفة"، بحسب عصام عبد السميع، البالغ من العمر 26عاماً، والذي يحرص على ممارسة هوايته كل صيف في مدينة دمياط.

تتذكر مروة لحظة الانتهاء من رسوماتها، وبداية إطلاقها في السماء، وسط أجواء الفرحة، ثم فكرت في أن تصنع لنفسها طائرة خاصة، رسمت عليها صورة أم كلثوم، وأضافت جملة "القلب يعشق كل جميل"

يقول عبد السميع لرصيف22: "خيط الطائرات الورقية يجب أن يكون متيناً وخفيفاً في نفس الوقت، حتى لا ينقطع مع ارتفاعها لأي سبب، تضيع بسببه متعة صاحب الطائرة، بل والطائرة نفسها في أوقات كثيرة، وهذا ما استدعى وجود مختصين لصناعة الخيوط الخاصة بالطائرات الورقية، فلا يصلح لها أي خيط".

وللطائرات الورقية تاريخ سياسي وعسكري، ففي فلسطين تحولت الطائرات الورقية إلى سلاح، ففي مسيرات العودة عام 2018، خلال الاحتفال بيوم الأرض، ولدت فكرة الطائرات الورقية الحارقة لدى عدد من الشباب الفلسطيني، حيث تم ربط خزانات الوقود بالطائرات الورقية، وبعد وصول الطائرات الورقية إلى المستوطنات التي يقيم فيها الصهاينة، يتم قطع الخيوط، ويأخذ خزان الوقود بالاشتعال في المنطقة ويبدأ القتال.

وتعود بداية ظهور الطائرات الورقية إلى الصين، قبل ألفي عام تقريباً، حيث استخدمت في الحضارات القديمة كوسائل عسكرية، تنقل من خلالها الرسائل السرية، وعرفت وقتها بالصقور الورقية.

مع مرور الوقت والسنوات انتشرت الطائرات الورقية، وانتقلت من القصور والقلاع العسكرية إلى العامة في الشوارع والطرقات، وأصبحت هواية محببة للكثيرين، يقام لها مهرجانات دولية ومحلية عديدة.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard