بين "كسر الجليد" واستنزاف الطاقة... كيف تعبث مكالمات الفيديو بعقولنا؟

الخميس 4 يونيو 202006:53 م

سواء كنتم تجرون مكالمات الفيديو عبر زوم، سكايب أو غيرهما من التطبيقات الإلكترونية، فعلى الأرجح أنكم تتسمرون وراء الشاشة، تضعون السماعات على أذنيكم وتتأملون بدقة وجوه الآخرين التي تظهر في المربعات، هذا المشهد قد يبدو مألوفاً للكثيرين منّا، خاصة في الآونة الاخيرة.

ففي ظل إجراءات التباعد الاجتماعي المفروضة علينا بسبب تفشي فيروس كورونا، باتت مكالمات الفيديو جزءاً لا يتجزأ من الحياة اليومية للأشخاص الذين يعملون من منازلهم، بحيث انتقلت الاجتماعات الى العالم الافتراضي، كما تحولت هذه المكالمات إلى "جرعة أوكسيجين" لأولئك الذي خسروا وظائفهم، وباتوا يشعرون برغبة ملحة في التواصل مع أحبائهم.

وبالإضافة إلى بعض النواحي الإيجابية التي تحملها مكالمات الفيديو، بخاصة أنها جعلت العمل عن بعد ممكناً للملايين من الناس حول العالم، كما نجحت بإزالة الحواجز الجغرافية بين الأشخاص، هناك الكثير مما يحدث نفسياً منذ اللحظة التي نضغط فيها على الزر للدخول إلى جلسة Hangout عبر الإنترنت.

Zoom Fatigue

عندما فُرض على الناس البقاء في منازلهم بعد تفشي فيروس كورونا، هرع الكثير منهم لإيجاد طرق لضمان البقاء على اتصال بالعالم الخارجي، وكان من الواضح أن التكنولوجيا هي "خشبة الخلاص"، بحيث تمكنت وسائل التواصل الاجتماعي والتطبيقات التي تسمح بإجراء المكالمات، من "اختراق" التباعد الاجتماعي وتقريب المسافات بين الأشخاص، فلم يعد المرء يشعر أنه بمنأى عما يدور حوله، بل على العكس، ازداد التواصل عن بعد.

ولكن قد يكون العالم الرقمي مرهقاً من الناحية العاطفية والنفسية، كونه يستهلك جهداً وطاقة أكبر من اللقاءات المباشرة التي اعتدنا عليها في الحياة اليومية، والتي تعتمد بشكل رئيسي على حواسنا.

"إن مشاهدة أنفسكم على Zoom يشبه النظر إلى شخص جديد، ولكن لأنكم ترون أجزاء من سلوككم الخاص، فقد يكون الأمر مربكاً"

وفي هذا الصدد، اعتبر موقع سيكولوجي توداي، أن الوجود المادي للشخص الآخر يحمل في طياته قوة لإثارة المشاعر وإيقاظ جميع الحواس، مشيراً إلى أنه عندما نتواصل عبر الشاشات، فإننا نفتقد هذا الجزء، بحيث أن الاتصال يقتصر فقط على البيانات السمعية والبصرية.

واللافت أنه بعدما أبلغ المستخدمون عن شعورهم بالإجهاد والإرهاق بعد كل اجتماع عبر الفيديو، أطلق علماء النفس على هذه الظاهرة مصطلح Zoom Fatigue: "نظراً لكون الملايين من الناس يبقون في منازلهم بسبب تفشي فيروس كورونا، انتقل العمل والمتعة على حد سواء، إلى العالم الافتراضي. وهذا يعني أن كل تفاعل يقوم به معظم الأشخاص عبر الإنترنت تقريباً، وسواء كان ذلك بسبب سهولة استخدامه أو انتشاره، فإنه يحدث غالباً على زوم".

مع العلم أن هذا الإجهاد لا ينحصر فقط بتطبيق زوم، بل بإمكان المرء اختباره مع جميع التطبيقات التي تسمح بمكالمات الفيديو.

ما هي أسباب التعب والإجهاد بعد مكالمات الفيديو والاجتماعات الافتراضية؟

هناك عدة أسباب تقف وراء الشعور بالإجهاد من مكالمات الفيديو، فقد اعتبرت شارلوت أرميتاج، وهي أخصائية نفسية في مجال الإعلام والأعمال في YAFTA، أن القدرة على رؤية أنفسنا وقضاء الكثير من الوقت في مراقبة سلوكياتنا هو على الأرجح سبب شعورنا بالتعب الشديد.

وشرحت شارلوت ذلك بالقول، إن المعالجة النفسية التي ينطوي عليها الاهتمام بالسلوك الشخصي كما تعكسها المنصة الإلكترونية، يمكن أن تكون مستنزفة لعدة أسباب: "تضيف مستوى إضافياً من المحفزات التي لم نكن نواجهها في اللقاء الذي يحدث وجهاً لوجه"، على حدّ قولها.

وأضافت شارلوت أرميتاج: "عندما ينعكس سلوكنا، سواء كان ذلك من قبل شخص آخر أو من خلال رؤية أنفسنا عبر الإنترنت، فإن ذلك يلفت انتباهنا إلى بعض السمات أو السلوكيات التي لم نكن على علم بها من قبل. إن مشاهدة أنفسكم على Zoom يشبه النظر إلى شخص جديد، ولكن لأنكم ترون أجزاء من سلوككم الخاص، فقد يكون الأمر مربكاً. إنه مفهوم غير عادي بالنسبة لكم، أن تروا كيف تظهرون للآخرين أثناء المحادثة اليومية العادية".

بالإضافة إلى الإجهاد الذي تحدثه مكالمات الفيديو، هناك الكثير من المشاكل المرتبطة بالعالم الافتراضي، نذكر منها التالي:

التوقعات المخيبة للآمال: إحدى المشاكل التي نواجهها في مسألة الاجتماعات الافتراضية هي الآمال الكثيرة التي نعقدها، والظن بأنها لن تكون مختلفة عن اجتماعاتنا المعتادة التي نجريها وجهاً لوجه، إلا أن الواقع مختلف.

وتعليقاً على هذه النقطة، قال الأخصائي في علم النفس الدكتور آرون باليك، إن الأشخاص انتقلوا إلى تطبيق زوم ظناً منهم أنه بالإمكان نقل اجتماع حقيقي الى اجتماع زوم، إلا أن الاجتماع الذي نجريه على هذا التطبيق لا يعتبر بديلاً عن الاجتماع الشخصي.

ومن أهم الأمور التي يجب أخذها بعين الاعتبار بهدف عقد الاجتماعات عبر الإنترنت بسلاسة أكبر، هو أن يكون هناك شخص ينظم الاجتماع، يدرج جدول الأعمال ويحدد الترتيب الذي يتحدث به الناس، يجب أن يقلل هذا من قيام المشتركين بالتحدث مع بعضهم البعض في نفس الوقت.

افتقاد التفاعلات الاجتماعية: على الرغم من أن بعض التطبيقات التي تسمح باجراء مكالمات الفيديو جعلت العمل عن بعد ممكناً للملايين، وبقدر ما تساعدنا هذه المنصات الإلكترونية في البقاء على اتصال بالأصدقاء والعائلة، فإنها غالباً ما تحدّ من جودة تفاعلاتنا الاجتماعية، فالتفاعل الذي يحدث عادة بالصدفة بات غير موجود، إذ علينا تحديد موعد متفق عليه للتفاعل "أونلاين".

غياب لغة الجسد: بمجرد أن ننتقل إلى مكالمة الفيديو، نركز على اللقطات التي أمامنا للتعويض عن عدم وجود إشارات غير لفظية في الاجتماع، هذا وتواجه الاجتماعات مع أكثر من شخص تحديات إضافية، لأنه كلما زاد عدد الوجوه، زادت صعوبة تعقيدها.

وفي هذا الإطار، أوضح الدكتور آرون باليك، أننا عادة نلتقط جميع أنواع الاتصالات غير اللفظية الضمنية في الاجتماعات التي تحصل وجهاً لوجه، يمكن أن تكون علامات خفية، على سبيل المثال، إذا كان شخص ما يميل إليكم، فهذا دليل على أنه مهتم، أما إذا كان يشيح بنظره عنكم، فهذا يدل على أنه فقد الاهتمام، لذا يمكنكم مراجعة ما تقولونه، أما عندما نجري مكالمة فيديو، فإننا لا نرى سوى وجه الشخص وأكتافه، وبالتالي بحسب آرون، فإننا نخسر 90% من الإشارات التي نستخدمها في العادة. لذلك يعوض الناس هذه الخسارة من خلال استخدام أجزاء أخرى من أدمغتهم، للنظر عن كثب في الوجوه وملء فجوات الاتصال، لهذا السبب قد نصاب بـ"إجهاد تطبيق الزوم"، لأننا في العادة نتلقى هذه المعلومات بشكل سلبي.

وأوضح آرون باليك أن عدم وجود إشارات اجتماعية قد يسبب سوء تفاهم: "قد ينهون الاجتماع بشعور أسوأ، لأنهم لم يحصلوا على دفء لغة الجسد الخاصة بشخص ما، التواصل البصري أو التربيت على الكتف التي تعني: لا بأس، أنا معك".

"أَنْسَنة" العمل

ينظر البعض إلى مكالمات الفيديو نظرة إيجابية، بحيث يعتبر هؤلاء أن العمل عن بعد "أَنْسَن" أماكن عملنا، وساعدنا على التقرب من الزملاء وأرباب العمل، بعد أن بتنا نشاهدهم في منزلهم، في زاويتهم الخاصة وعلى كنباتهم المفضلة، فيما الأطفال يتجولون في الخلفية، وهذا أدى إلى انفتاحنا على هؤلاء الأشخاص، الأمر الذي مهّد الطريق أمام مشاركة الأحاسيس والمشاعر والتحدث عن المشاكل والمخاوف.

وعن هذه النقطة، قال آرون باليك: "في بعض الحالات، يكون الناس مسؤولين عن قول المزيد عن مشاعرهم العاطفية"، وأضاف: "ليس لديكم كل هؤلاء الناس من حولكم (في الحياة الواقعية) الذين قد يجعلونكم تشعرون بالخجل من التحدث عن رأيكم".

ينظر البعض إلى مكالمات الفيديو نظرة إيجابية، بحيث يعتبر هؤلاء أن العمل عن بعد "أَنْسَن" أماكن عملنا، وساعدنا على التقرب من الزملاء وأرباب العمل، بعد أن بتنا نشاهدهم في منزلهم، في زاويتهم الخاصة وعلى كنباتهم المفضلة

بدوره أوضح الأخصائي في علم النفس، هاني رستم، أنه في ظل هذه الظروف الحياتية الصعبة التي يمرّ بها العالم كله، ومع إغلاق الحدود وإرغام الناس على الالتزام بالحجر المنزلي، فإن الإنسان وكونه خلّاقاً بطبعه، حاول البحث عن طريق جديدة للتأقلم والاستمرار في الحياة، معتبراً أن تحويل حياتنا إلى مكان افتراضي هو من آليات التأقلم في الوقت الراهن: "انها آلية ايجابية تجعلنا نتواصل بأبسط ما لدينا وبأقل الإمكانيات".

وتحدث رستم لموقع رصيف22 عن نجاح تجربة الاجتماعات الافتراضية عبر مكالمات الفيديو، لناحية "كسر الجليد" وتعزيز الحميمية، كاشفاً أن بعض علماء النفس لجؤوا الى هذه التطبيقات الإلكترونية لمتابعة مرضاهم، ولو كان ذلك عن بعد: "اليوم بات البعض يلتقي مع مرضاه عبر تطبيق زوم. إنها المرة الأولى التي يتم فيها زيارة المرضى في بيوتهم والاطلاع على بيئتهم، الأمر الذي خلق نوعاً مختلفاً من العلاقة بين الطرفين".

وأضاف هاني أنه حالياً عندما يقوم بورش عمل "أونلاين"، فإنه يطلب مثلاً من الأشخاص اختيار غرض ما موجود في غرفتهم والتحدث عنه: "هيك بياخدونا على عالمن الخاص، منصير Connected (متصلين) أكتر ونطلع على يلي عم بيعيشوا...".

واللافت أن رستم تمكن من الاستفادة من الفضاء الإلكتروني لخلق مسرح افتراضي على تطبيق زوم، يجمع من خلاله ما بين 40 إلى 50 شخص من حول العالم، حيث يقوم هؤلاء بتبادل قصصهم وخبراتهم الشخصية، بخاصة لناحية تجاربهم مع الحجر المنزلي.

وفي الختام، أكد هاني رستم أنه وبالرغم من أن مجتمعاتنا العربية تعتمد كثيراً على الـhuman contact (التواصل البشري) والاحتكاك الجسدي، لناحية المصافحة باليد والعناق والتقبيل، وهي عناصر غير موجودة في المحادثات التي نجريها عبر التطبيقات الإلكترونية، إلا أنه اعتبر أننا نتأقلم اليوم مع نوع آخر من التواصل يفرضه علينا الواقع الجديد.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard