نجيب سرور... الإباحي المهذّب في مواجهة واقع "قليل الأدب"

الاثنين 1 يونيو 202002:33 م

قالوا مجنون وزجروه... نعتوه بالشاعر الفاسق الإباحيّ الذي ربّته الأرصفة والمواخير... شرّده الأحبة والأصدقاء وغرّبه وطن عاش يمدحه... كل الذين قتلوه كان هو أول مادحيهم.

يعود نجيب سرور دائماً للواجهة بعد محاولات طمسه عبر السنين، فالشاعر، الممثل، المؤلف المسرحي، المخرج والناقد الأكاديمي، كان ملء السمع والبصر منذ عودته من بعثته ببودابست إلى القاهرة عام 1964. أقام بزنازين الستينيات أيام صلاح نصر، رئيس مخابرات عبدالناصر، وخرج منها بثلاثيته المسرحية "يس وبهية"، "قولوا لعين الشمس" و"آه يا ليل يا قمر"، كما كتب ديوانه الأهم "لزوم ما يلزم"، ثم وقعت نكسة العرب عام 1967، ليكتب مسرحيتي "الكلمات المتقاطعة" و"الحكم قبل المداولة"، ثم أتت مذبحة "أيلول الأسود" بحق اللاجئين الفلسطينيين بالأردن ليكتب مسرحية "الذباب الأزرق"، التي لم تُعرض وورّطته مرة ثانية مع أجهزة الأمن المصرية، فتم إيداعه إثرها مستشفى الأمراض العقلية، التي خرج منها على فترات ليكتب نصّه الذي سيُخلده شعبياً رغم عدم نشره، والمعروف باسم "الأمّيات"، باعتباره "نصّاً قليل الأدب".

قالوا مجنون وزجروه... نعتوه بالشاعر الفاسق الإباحيّ الذي ربّته الأرصفة والمواخير. شرّده الأحبة والأصدقاء وغرّبه وطن عاش يمدحه.

"الفن قسـمة ونصيب قول بخت يا أبو بخيت

ما هوش مواهب ولا شهادات ولا بعثات

الفن يا معرّ... له عندنا حواديت

تغطّي مليون سـنه موجات على قنوات"

لم يكن ممكناً لـ"سرور" في أواخر حياته إلا أن يُخرج لسانه المسنون ليحارب به، كآخر سلاح يشهره في وجه من قاتلوه ونهشوا لحمه وعرضه، فقد عاداه الوسط الأدبي والفني بالكامل، وعاش عبقرياً عاقلاً يتنقل بين مصحّات القاهرة والإسكندرية النفسية، قبل أن يودّع الحياة بديواني "الطوفان" و"فارس آخر زمن"، وصار أسطورة يتداولها المثقفون سراً، ولا يمكن لجهة أو فرد نشر بعض من أشعاره وإلا اتهموه بأنه على مِلّة "سرور".

مأساة الأخلاق والمظالم

الأخلاق منظومة قيم يعتبرها الناس جالبة للخير وطاردة للشر وفقاً للفلسفة الليبرالية، وقيل إنها شكل من الوعي الإنساني ومجموعة قيم ومبادئ، كالعدل والحرية والمساواة، تحرك الأشخاص والشعوب، وترتقي لتصبح مرجعية ثقافية لتلك الشعوب وسنداً قانونياً تستقي منه الدول الأنظمة والقوانين.

إذن، الأخلاق تدعونا لإرساء العدل وردّ الظلم، لكنها لم تتطرق إلى الوسيلة التي نحقق بها ذلك، وإن كنا في زمان انتشر فيه القهر، انقلبت فيه الآيات، تبدلت الألوان واختلطت الصور، فإن الوسائل هي الأخرى تتلوّن بحسب الواقع على الأرض، وكلما أسرف الواقع في القبح أسرف اللسان العاجز في سبّه تهذيباً بأقذع الشتائم، فالسبّ والشتم أقدم لغة نقدية استعملها البشر بالإشارة والكلام والرقص واللكز والهمز والغمز والبصق والتكشير، فالشتيمة بالألفاظ المستقبحة من مبادئ النقد الأساسية منذ وعى الإنسان، كما أن لغة الشَّتْم عالمية، يفهمها كل إنسان موجه له النقد بسبب خطأ سلوكي أو انحراف عن السياق الطبيعي، ومادامت الشتيمة تهدف للتصويب والتصحيح فهي مقبولة، بل ومطلوبة أحياناً، فهي آخر حائط مواجهة لمن لم يقتنع بالعدول عن مساره المنحرف، بعد أن يصبح الخصم عنيداً صلباً غير قابل للتفاهم أو الارتداع.

لم يكن ممكناً لـ"سرور" في أواخر حياته إلا أن يُخرج لسانه المسنون ليحارب به، كآخر سلاح يشهره في وجه من قاتلوه ونهشوا لحمه وعرضه، فقد عاداه الوسط الأدبي والفني بالكامل، وعاش عبقرياً عاقلاً يتنقل بين مصحّات القاهرة والإسكندرية النفسية

وهنا يأتي دور الإصلاحيين الثوريين من أمثال الشعراء والنقاد والمفكرين، الذين تتاح لهم معارف وحساسية أعلى من نظرائهم من الحكام والمحكومين، لكن يبدو أن منطق الإباحية يكون مقبولاً بحسب مصدره، فإن خرج ممن نحب أو نوالي فهو مُستحسَن وخفيف الظل، أما إن خرج ممن لا تحبهم السلطات فهم محظورون موصومون بالعار وطول اللسان واستهجان المجتمع.

"الفن قسمة ونصيب يعني النصيب قسمة

قاسمني بالنّكلة وادّي الإذن للصرّاف

اهبـِشْ وشَيّل وشِيل واهجم على اليغمة

ما تخافـش هو اللي فوقك يعني كان بيخاف؟"

وقد كان "سرور" من الصنف الذي عكّر مزاج السلطات وكدّر عيش الكبار، الذين تمكنوا من عِرضه واستباحوا ضعفه، حتى أن أصدقاءه خانوه في زوجته، مثلما يتردد في الزوايا الصغيرة بين المثقفين، وقد ذكر هو بعضاً منهم بالاسم في نص "الأميّات" الممنوع، والذي سجله بصوته بحضور بعض ندمائه، حين كان يُتاح له الخروج من مستشفى الأمراض العقلية.

"مرحباً بالصدق سليط اللسان

اكره واكره واكره بس حب النيل

وحِب مصر اللي فيها مبدأ الدنيا

دي مصر يا شُهدي في الجغرافيا ما لها مثيل

وفي التاريخ عمرها ما كانت التانية"

 هل الذي منع نجيب سرور من أن يكون شاعراً معروفاً ولطّخ سمعته واسمه أحقُّ بأن يخاطب الناس، أم أن الصدق أولى ولو استعمل ألفاظه القاسية المُربّية؟

هل يمكن أن يكون المقطع السابق، الذي يحمل وصايا نجيب سرور لابنه "شُهدي"، قد خرج من رجل قبيح اللسان؟ هل يمكن أن نلوم رجل أذاقه الاعتقال مُرّ الحياة على ألفاظ يسمونها "نابية"، تضمنتها قصيدة سرية علنية صارت شعاراً وردّاً على أي قهر أو ظلم؟ هل يمكن أن نحبس شاعراً وناقداً مهماً في التجربة الستينية عن الدفاع عن نفسه ضد من انتهكوه؟ هل يمكن أن نمنعه حتى عن ذكر أسماء أعدائه الذين عادَوا كثيراً من الناس في الشعب الحاكم؟ هل يمكن أن نقول لصوت الحق "اخرس" لأنك مُزعج لأخلاقنا القويمة؟ وهل تعلو أخلاق المجتمع ذاك، بعيداً عن أناقة الظهور الرسمي وربطات العنق الملفوفة بدقة مفتعلة، على خلق نجيب سرور الذي كتب عشقاً في وطن أهانه ولم يحرّض إلا على المحبة والعدل؟ هل الذي منع نجيب سرور من أن يكون شاعراً معروفاً ولطّخ سمعته واسمه أحقُّ بأن يخاطب الناس، أم أن الصدق أولى ولو استعمل ألفاظه القاسية المُربّية؟

يقول "سرور" في مقطعين متتابعين من "أمّياته"، نوردهما بوضع بعض نقاط بدل الأحرف الأصلية للكلمات، خشيةً على "ذوي الأخلاق القويمة" ومعتمدين على استنتاج ما تبقى من الكلمات بسهولة، وكأن "سرور" يقدم في المقطعين بلاغاً واستغاثة لمن يهمه الأمر بصيغة من لا حيلة له في حماية نفسه وعِرضه، ويتضمن المقطع الأول تصريحاً بما فعله فيه ثروت عكاشة، وزير ثقافة عبد الناصر، أما المقطع الثاني فيشير بشكل شبه واضح، حسبما يُتداول، لاسم الروائي الكبير نجيب محفوظ.

 يبدو أن منطق الإباحية يكون مقبولاً بحسب مصدره، فإن خرج ممن نحب أو نوالي فهو مُستحسَن وخفيف الظل، أما إن خرج ممن لا تحبهم السلطات فهم محظورون موصومون بالعار وطول اللسان واستهجان المجتمع

"ثروت عكاشة خـ ... والعُهدة ع الراوي

وزير ويغلبنى طبعاً لما اكون عاطل

وينـ ... مراتي وأمانة تسألوا الصاوي

طب يعمل ايه الضعيف، لا حق ولا باطل"

"مخرج... ممثل... مدير... حتى الوزير نا.ها

حتى اللى أنا ياما عنه كتبت واسمه "نجيب"

شوفوا حكاية الزنى دمغة على وراكها

وقولوا بعدي "نجيب" رد الجميل "لنجيب"

ومعروف أن الشاعر والناقد نجيب سرور بدأ عام 1958، وهو في موسكو، دراسته حول ثلاثية نجيب محفوظ، ليرسلها تباعاً لتنشر في مجلة "لثقافة الوطنية" التقدمية ببيروت، وصدرت الدراسة بعد 30 عاماً تقريباً في كتاب بعنوان "رحلة في ثلاثية نجيب محفوظ"، وفيها يمتدح "سرور" العمل ويثني على "محفوظ"، الذي يبدو أنه ضمن عبثياته الحياتية كان يلهو بما يخص "سرور"، وهذا ليس خطأ فردياً يقع على عاتق "محفوظ" وحده في رأيي، لكنها مسؤولية الإطار الاجتماعي الحاكم، الذي يضع للأخلاق شكلين متناقضين، ظاهرياً يرتضيه الناس، وباطنياً يحمي الكوارث الأخلاقية من المواجهة، وفي الوقت الذي يُكبِر الناس فيه "نجيب محفوظ الظاهري"، يتغاضون عن سقطاته الباطنية بحجة عدم الخوض في الدناءات والابتذال، وحماية أخلاق مجتمع مزدوج المعايير، ينطحن فيه الضعيف فلا نأسى لآلامه، بل نمنعه من أن يتألم فتزعجنا "قلة أدبه"، ليجتمع عليه سيفا القهر والإسكات.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard