شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

قدّم/ ي دعمك!

"الأم الحديدية" ليلى سويف ورحلة إنقاذ علاء... "مش هسيبهم يموّتوا الواد وأقعد أبكي"

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

سياسة

الجمعة 15 مايو 202003:59 م

في الحادية عشرة صباحاً من كل يوم (عدا الجمعة/ عطلة رسمية)، تتجه ليلى سويف إلى سجن شديد الحراسة 2، حيث يستمر حبس نجلها الناشط والمدون علاء عبد الفتاح، حاملة معها "شنطة احتياجات علاء" التي تحوي بعض المطهرات والأدوية والفيتامينات وخطاباً، أُزيد عليها عقب إضرابه عن الطعام محلول معالجة الجفاف.

تبقى هناك نحو سبع ساعات آملةً أن يصدر قرار "رشيد" بالاستجابة لمطلبها البسيط بإدخال هذه المستلزمات الضرورية إلى ابنها أو تلقي خطاب منه يطمئنها عن حالته.

عند الحديث عن سويف تزدحم الصفات، هي الأستاذة في قسم الرياضيات في كلية العلوم جامعة القاهرة، والناشطة اليسارية والسياسية والحقوقية، وزوجة المحامي الحقوقي والناشط السياسي الراحل أحمد سيف الإسلام عبد الفتاح، والمعروفة على نطاق أوسع بوالدة الناشطين علاء ومنى وسناء سيف.

48 عاماً من عمرها قضتها سويف في "المناكفة"، بحسب تعبيرها لرصيف22، أي الاشتباك مع الأنظمة الحاكمة المتتالية، إذ بدأت "المعافرة (النضال)" في عمر الـ16 ضد اعتقالات الطلبة إبان حكم الرئيس الراحل محمد أنور السادات.

كان هذا التقديم ضرورياً قبل الانتقال إلى التفاعل الواسع مع "الصور الملهمة" التي التقطت لسويف أخيراً من أمام سجن شديد الحراسة 2 في طرة، والتي جعلت الكثيرين يطلقون عليها لقب "الأم الحديدية" ويعربون عن دهشتهم لاستماتة "الأم المناضلة الشجاعة" في الدفاع عن نجلها. فضلاً عن استنكارهم الشديد "عدم احترام النظام مكانتها العلمية أو تاريخها النضالي، أو التعاطف مع أمومتها الموجوعة".

في إحدى الصور، ارتدت سويف قميصاً طبع عليه: "لا أصدق أنني ما زلت مضطرة للاحتجاج على كل هذا الهراء" و"#FreeAlaa". وبعد لحظة، ظهرت وهي تفترش الأرض حتى تستريح من التعب ثم ممددة تسند رأسها إلى حقيبتها.

أستاذة في الجامعة، ناشطة سياسية وحقوقية... 48 عاماً قضتها ليلى سويف في "مناكفة" الأنظمة الحاكمة، واليوم تقدّم مثلاً ملهماً لـ"حماية" ابنها علاء عبد الفتاح. تقول لرصيف22: "أغلب الأمهات كدا مبتفكرش لما بيكونوا أولادها في خطر"

علّقت ابنتها منى على الصورة التي نشرتها عبر حساباتها: "طب نيجي (نأتي) بعد كدة بشلت (وسادات قطنية) أو فرشة بدل البهدلة اللي ماما فيها دي؟ هل طبيعي ومنطقي تقعد بالساعات والأيام على باب السجن عشان (تدخل لعلاء) جواب ومحلول جفاف! إيه يا بلد، مابقاش فيه بني آدمين شغالين في أي مؤسسة؟ كل خطوة، كل إجراء، كل تنتوفة حق لازم تيجي على حساب صحتها ووقتها وطاقتها؟! وعلى حساب صحة وجسم وحياة علاء؟ #FreeAlaa #جبنا_اخرنا".

حوار سريع مع "الأم الحديدية"

- إزاي مستحمله كل دا؟

- في ظروف الواحد بيكون فيها مضطر ومش عنده فرصة الاختيار. وضع علاء دلوقتي وإضرابه قالقنا جداً، مش قادرين نسكت ولازم نعمل أي حاجة… هتقعدي في ركن وتعيطي مثلاً؟

- مبتحسبيش المخاطر؟

- أبداً، وأغلب الأمهات كدا مبتفكرش لما بيكونوا أولادها في خطر، مفيش معنى لأي استشعار للخطر على النفس وابنك مش آمن.

- مبتزهقيش؟

- أحياناً بكون زهقانة أو محتاجة هدنة، لكن مش في ظرف فيه خطر مباشر على حد من أولادي. تيجي منين الراحة!

- حاسة إنك بتعملي حاجة ملهمة؟

- عقلي مدرك إني بعمل حاجة مختلفة لكن إحساسي كأم أن دا العادي والمفروض. أي أم في ظروفي وعندها القدرة هتعمل كدا. جزء من الموضوع هو التعود والخبرة، أنا بقالي سنين "بناكف". الناس مش بسهولة تدرك إيه اللي تقدر تعمله. أنا طول الوقت عارفه إن في حاجات تتعمل، بكون مش ضامنة النتائج خالص لكن بقول لنفسي مفيش حاجة أخسرها أكثر.

- عارفة هتعملي إيه المرحلة الجاية؟

- لأ. كل اللي أعرفه أني مينفعش أسكت… قربت أني أعتصم أدام (أمام) السجن. ما هو (طالما) بتموتوا الواد جوا، فأنا هموت هنا وأعملكم فضيحة. مش معقول نفضل شهر بنحاول ندخل محلول معالجة جفاف، وكل حد يطلع لنا يقول حاولنا والموضوع اتصعد لأعلى مستوى! في ظرف زي دا ليه كل دا ومين أعلى مستوى اللي هيحدد الاستجابة لسقف مطالب محدود جداً زي كدا؟

كل اللي عايزاه جواب من علاء يطمئنني على حالته ويسمحوا بدخول محلول معالجة الجفاف له حتى لا ينهار جسده.

"مش جديد عليها، دايماً بتفاجئنا"

ما تفعله سويف حالياً ليس جديداً عليها، فهي التي كانت تتصدر تظاهرات ضد السلطة أثناء حملها، وخلال شهر رمضان من العام الماضي، كان علاء طليقاً لكنه كان يبدأ فترة المراقبة الشرطية الليلية (12 ساعة يومياً/ من 6 مساءً إلى 6 فجراً) قبل موعد الإفطار. ظلت والدته تفطر يومياً أمام مركز الشرطة حتى اضطر المسؤولون إلى تعديل موعد المراقبة ليتمكن من الإفطار مع أسرته.

"إيه الصورة المرعبة دي؟ ليلى سويف أمام كتيبة (أمن) واحدة بس؟ من الأساطير التي تحكى عن أمك أنها كانت بتتقدم صفوف التظاهرات وهي حامل (مش متأكد كانت حامل فيا ولا فيكي بس أنتِ اللي شكلك كده اتخبطي على رأسك وأنتِ جنين)"، كان هذا تعليق علاء على تدوينة لشقيقته منى عام 2007 بعنوان "أقدملكو ماما" تصدرتها صورة لسويف محمولة على الأكتاف وتشتبك مع الأمن.

تستذكر منى التعليق وتقول: "دايماً في حاجة جوايا بتقولي إنه لو أي حد فينا اتعرض لأي خطر، ماما هتعمل كل اللي تقدر عليه عشان تحمينا. بتتعامل بقوة واندفاع. مبتفكرش هل ممكن تتأذى ولا بتدرك التبعات الجسدية والنفسية عليها... هي مامتي لكن تفاجئني دايماً".

وتروي: "يوم احتجازنا بسبب وقفة المطالبة بالإفراج عن السجناء أمام مجلس الوزراء، الضابط كان بيزعق (يصرخ) لي. في أقل من ثانية كانت ماما واقفة بينا وبتقوله متعليش صوتك على بنتي. رغم أننا كنا في منطقة سيطرته. بحس أن فيه زرار حماية بيتضغط عليه أتوماتيك لو حد من ولادها في خطر".

وتتابع: "بيبهرني فيها كمان قدرتها على التكيف مع الظروف، مثلاً في الصورة هلكت فبتريح عشان تقوم تكمل اللي هي بتعمله. بستغرب أن عندها نفس القدرة على المقاوحة والتأثير من أيام السادات".

بعد أكثر من 30 يوماً على إضرابه عن الطعام، يزداد وضع علاء عبد الفتاح خطورة... والدته تحضر لساعات طويلة يومياً أمام السجن، في جعبتها أغراض تحاول إدخالها لـ"حماية" ابنها، تتحدث إلى أهالي معتقلين، و"تجمع القمامة" في رسالة للسجّان والمجتمع 

تلفت منى إلى أن حرص والدتها على "حماية الصغيرين يشمل أولادها وطلابها والناشطين الشباب وكل مظلوم"، لكنها تشدد على أن علاقتها بعلاء استثنائية.

وتضيف: "علاء وماما مقربين، بينهم تفاصيل واهتمامات وحاجات مشتركة كتير. لما بنحتار في حاجة ازاي علاء هيتصرف فيها بنسأل ماما".

ولا تنفي أن لدى الأسرة، وتحديداً والدتها، "نوعاً من الحماية" التي تجعل سلطات السجن تتحمل عنادها في البقاء كل هذا الوقت يومياً هناك "من غير ما حد يمد إيده زي ما بيحصل مع أهالي تانيين".

وراء هذه الحماية "اسم ماما وتاريخها ومنصبها الأكاديمي ونضالها وسمعتها المحلية والعالمية، وجهد المحامين الجدعان تلامذة بابا. ومساندة الصحافة والمنظمات الحقوقية"، حسب ما تقول منى لرصيف22.

وضع علاء يزداد خطورة

تجاوز إضراب علاء الـ30 يوماً، بدأه في 12 نيسان/أبريل الماضي، احتجاجاً على حرمانه من حق الزيارة وجميع أشكال التواصل مع العالم الخارجي إذ تتذرع وزارة الداخلية المصرية بالخشية من انتقال فيروس كورونا إلى المعتقلين.

تشعر أسرة علاء بالقلق الشديد عليه من أثر الإضراب على صحته في وقت يحتاج إلى مناعة قوية في مواجهة أي احتمال للعدوى نظراً لازدحام السجون والاتهامات التي توجه باستمرار للسلطات المصرية بإهمال السجناء وعدم توفير بيئة نظيفة في السجون. تتضاعف المخاوف في ظل صعوبة الحصول على معلومات عن تطور حالة علاء الصحية.

وفي 21 نيسان/أبريل الماضي، ناشدت منظمة العفو الدولية النائب العام حمادة الصاوي "التحرك العاجل" جراء "بواعث قلق" حيال صحة علاء ومحاميه المعتقل أيضاً محمد الباقر. وزادت وفاة المخرج الشاب شادي حبش في السجن وسط اتهامات بإهمال علاج أعراض مرضية ظهرت عليه طوال يومين المخاوف على حياة المعتقلين.

طقوس ورسائل

منذ تأكد أسرة علاء خوضه إضراباً عن الطعام، بدأت رحلة سويف اليومية إلى السجن، 4 إلى 8 ساعات يومياً (أحياناً حتى الثالثة عصراً وأحياناً أخرى إلى ما بعد الإفطار) تقضيها في المكان المخصص لأهالي السجناء وقت الزيارة. تطالع خلالها بعض الكتب، وتتحدث إلى أهالي المعتقلين الموجودين، وأخيراً طرأ طقس "جمع القمامة".

توضح منى: "أول مرة جمعنا الزبالة كنا قرفانين من المنظر، فجمعناها في أكياس وفكرنا نرفق بيها رسالة لإدارة السجن بخصوص علاء. فجأة تحول الأمر لطقس يومي كل ما بنروح بنعمله، منه نعمل حاجة مفيدة ونحمي نفسنا والأهالي وحتى العاملين في السجون. كمان بنوصل رسالة أن في ظرف استثنائي ولازم تعامل إدارة السجن (في الاهتمام بالنظافة) يتغير".

رسالة أخرى أبعد من وراء هذا الطقس، موجهة إلى المجتمع، مفادها أنه "إذا كانوا مش قادرين يحافظوا على نظافة المكان الخارجي الظاهر للأهالي، ازاي هيحافظوا على سلامة ولادنا جوة وإحنا مش عارفين عنهم حاجة"، بحسب سويف.

كانت الرسالة السابعة التي وجهتها الأسرة في 14 أيار/مايو وفيها: "النهار دة هتكون رسالة مختصرة؛ تكسبوا معانا جايزة أكتر مؤسسة بتهدر القانون وكل قيم العدالة. بتكدروا الناس على محلول جفاف؟ مش مكسوفين؟! أسرة علاء عبد الفتاح".

تقول سويف إن إدارة السجن المحتجز فيه نجلها "مبهدلين الناس آخر بهدلة، تسليم احتياجات السجناء بالحجز و10 بس كل يوم. إجرام يمارس على المئات. السجون التانية بتسمح بدخول بعض الحاجات"، لكنها تعتقد أن "التعنت ضد علاء أشد لأنه مضرب عن الطعام".

وتضيف: "النظرية عندهم يا تتكسر يا تموت لكن مش مسموح لك تكون صاحب قرار على نفسك بأنك تقرر تضرب أو لا. بيحسوا أنه تحدي ليهم".

لا تنوي سويف مطالبة نجلها بكسر إضرابه عن الطعام، فهي "خلفه لتدعم قراراته أياً كانت"، لكنها تريد أن توضح له الظرف الاستثنائي الذي يمر به العالم ليكون قراره نابعاً من فهم للتحديات التي قد يواجهها وتبعات الإضراب على حياته.

رغم هذا، سألت سويف المسؤولين في السجن ماذا لو كانت ترغب في إدخال رسالة إليه لتطالبه بفك إضرابه. ردوا عليها "هنسأل ونرد عليكي"، حتى الآن لم يأت الرد المزعوم.

حملة تشويه إعلامي ممنهج

"منذ نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، تتعرض ماما لحملة تشويه ممنهجة عبر كل وسائل إعلام الدولة. اتهامات لنا كأسرة بأننا نتلقى تمويل خارجي وعملاء وخونة، لا أعرف كيف. لو تعبوا نفسهم وفكروا شويه: فلوس إيه اللي تخلي أي حد يتحمل ما نتعرض له من مرمطة كل يوم أما السجون وأقسام الشرطة؟ مفيش حد يعمل كدا إلا لو عنده حبيب معتقل موجوع عليه. رجعوا لنا علاء وأنتم ترتاحوا منا"، توضح منى.

وكانت عدة تقارير قد نُشرت على مدار الأشهر الماضية تتهم سويف بـ"الكذب ونشر الشائعات عن وضع علاء، ومحاولة تشويه صورة البلد، وتلقي تمويلات خارجية، وخدمة أجندات كيانات إرهابية" وغيرها. وحاولت بعض الشائعات الترويج لأن سويف "ورطت نجلها وعادت لتتباكى عليه".

ضمن هذه الحملة، تقدم محامي "بلاغات المشاهير" المثير للجدل سمير صبري، في نيسان/أبريل الماضي، ببلاغ للنائب العام ونيابة أمن الدولة العليا ضد الأكاديمية البارزة مطالباً بتقديمها إلى "محاكمة جنائية عاجلة" باعتبارها إحدى "أفاعي الجماعة الإرهابية اللواتي يحاولن الإساءة إلى مصر وتشويه كل نجاحات الدولة المصرية".

في الأثناء، تمضي والدة علاء في نضالها الذي تصفه بـ"الغريزي"، هذا النضال الذي لا تستريح منه إلا يوم الجمعة إذ يقتصر روتينها فيه على "الراحة ومطالعة السوشيال ميديا والطبخ لسناء".

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

Website by WhiteBeard