"نصطاد عم إبراهيم بين نباتات فرعون حتى نعيش"... مغامرة تونسيين مع "الدلدل"

الجمعة 15 مايو 202003:57 م

في عمق جبال خمير العاتية والوعرة، وتحديداً في منطقة فج الريح التابعة لمحافظة جندوبة، شمالي غربي تونس، يخرج مجموعة من الشباب في رحلة صيد يطلق عليها "رحلة الموت"، لما فيها من مخاطر نتيجة صعوبة التضاريس، وكثرة الحيوانات المفترسة، كالذئاب، والضباع، والخنازير البرية، غايتهم في ذلك صيد حيوان يسمونه "العم ابراهيم"، المحظور قانوناً، لتوفير قليل من اللحم، بعد أن عصفت أزمة كورونا بأحلامهم، وأحالتهم على البطالة، إضافة إلى ارتفاع أسعار اللحوم الحمراء، والتي بلغت قرابة الـ10 دولارات للكيلو الواحد.

"نحن نفضّل الموت في الجبال بحثاً عن لقمة العيش لصغارنا على الموت بين جدران المنازل، نتضور جوعاً ويائسين، هذه هي الحياة، وعلينا التأقلم مع كل الأوضاع والظروف، نحن اليوم في حرب "حرب فيروس كورونا" والحرب تريد رجالاً ونحن هنا من أجل ذلك"، يقول سامي (42 عاماً) لرصيف22، مبرراً عمليات الصيد المحظورة قانوناً، ومتفاخراً بنفسه في آن.

ودفع فيروس كورونا الذي زلزل اقتصاديات العالم، وأعاد ترتيب الأوراق بعض الناس للعودة إلى تقاليدهم القديمة، ولعل الصيد في البراري أبرز ما كان يميز سكان سلاسل جبال خمير منذ القدم، المعروفة بصيد البقر الوحشي والأرانب والطيور، وكل ما تجود به الطبيعة من خيراتها، لذلك أخذ الحنين، والحماس، وقلة ذات اليد، والظروف المعيشية القاسية سكان هذه المناطق، ليُشمِّروا مُجدداً عن سواعد الجد، لاستعادة ماضيهم الحافل بالقصص المثيرة في عمليات الصيد.
"نحن نفضّل الموت في الجبال بحثاً عن لقمة العيش لصغارنا على الموت بين جدران المنازل، نتضور جوعاً، ويائسين، هذه هي الحياة وعلينا التأقلم مع كل الأوضاع والظروف، نحن اليوم في حرب"

"العم ابراهيم" كما يُطلق عليه الصيادون، هو حيوان بري من الثديات، لونه أسود وأبيض، وأشواكه بيضاء وسوداء، يسمى في تونس "الضربان"، ويعرف عربيا بالدلدل، يصل وزنه إلى 15 كيلوغرام، يتغذى على النباتات البرية والخضراوات والحنظل، الذي له مذاق مر لاذع جداً، ومن هنا جاءت الأهمية الطبية لهذا الحيوان، لكونه يتغذى على النباتات الطبية والأعشاب البرية، بحسب الثقافات الدارجة لسكان المناطق الجبلية في تونس.

تغطي ظهره أشواك أو سهام مجوفة، يتراوح طولها بين 10 إلى 35 سم، تكون منسدلة على جسمه، وما أن يُحَفًّز أو يستفز ويشعر بالخوف، حتى تراه ينفضّ جسمه بحركة قوية، فينطلق معها أحد السهام باتجاه العدو، وهو ما يمثل خطراً محدقاً على الصيادين.

حكاية العم محمد 

قبل ساعتين من موعد الإفطار، يجتمع سامي بأصدقائه استعداداً لليلة جديدة من عمليات الصيد الشاقة، تكون بدايتها كالعادة، بوضع خطة محكمة تضمن حصولهم على مبتغاهم دون التعرض لهجمات "الضربان" المفاجئة، والتي أدت في وقت سابق إلى مقتل كلبين، وإصابة أحدهم على مستوى اليد.


ومثّل فشلهم الليلة السابقة في الظفر بصيد وفير حافزاً لرفع التحدي والتركيز أكثر في عملية المطاردة، وخاصة في عملية محاصرة الصيد والقضاء عليه.

وبعد نقاش حماسي استقر الجميع على خطة تمثلت تفاصيلها في توزيع الشباب إلى أربع مجموعات، وكل فريق يضم 3 أشخاص، حيث ستجوب ثلاث مجموعات الوديان والهضاب والجبال بحثاً عن "العم ابراهيم"، فيما ستستقر المجموعة الرابعة أمام الجحر الذي يسكنه الضربان، وذلك للقضاء عليه حال أفلت من المجموعات الموجودة على الميدان وعاد إلى وكره.

ويخاطر هؤلاء الشباب بحياتهم من أجل بعض الكيلوغرامات من اللحم في جبال مليئة بالحيوانات المفترسة والخنازير البرية، حيث يقول نادر (39 عاماً) لرصيف22، وهو شاب من بين المشاركين في رحلة الصيد: "إن الخطر يزول، الجرح يشفى، التعب ينسى والحياة تتغير بمجرد أن ترى الابتسامة على محيا أطفالك".

يتداول الصيادون  قصص ضحايا "العم إبراهيم"، بعضهم يخشى أن يكون مثلهم، والبعض يشعر بالإثارة أكثر.

يتداول الصيادون هناك قصص ضحايا "العم إبراهيم"، بعضهم يخشى أن يكون مثلهم، والبعض يشعر بالإثارة أكثر، يقول نادر: "هذه الجبال وهذه المغامرات قضت على أحلام بعض الرجال، مثل حكاية عم محمد الذي تعرض إلى هجوم ضربان، ما تسبب له في إعاقة على مستوى ساقه اليمنى، وقضت على مستقبله المهني، حيث كان يعمل كعامل بناء، وهو العائل الوحيد لعائلته المكونة حينها من 5 أفراد".

ويلقي نادر باللوم على الحكومة التونسية، وعلى المسؤولين الجهويين الذين عجزوا عن توفير مواطن الشغل للشباب العاطل عن العمل، إضافة إلى عدم تمكن الوزارات المعنية من القضاء على غلاء الأسعار، والضرب على يد المحتكرين والمتلاعبين بالأسعار الذين ساهموا بطريقة مباشرة في "اشتعال" أسعار المواد الأساسية، وخلق فجوة كبيرة في طريقة العيش.

بداية المغامرة

بعد آذان المغرب، وتناول وجبة الإفطار، يسارع هؤلاء الشباب إلى الاجتماع في مكان يسمى "وادي الليل"، حيث يقومون بإشعال النار، واحتساء القهوة والشاي بانتظار ساعة الصفر، للخروج إلى الصيد الذي ينطلق بعد منتصف الليل.

السكون يعم المكان، لا ضجيج يذكر، فهنا لا تسمع صوت منبهات السيارات ولا القطارات ولا الحافلات، فقط تستمع إلى شقشقة عصافير الليل، إضافة إلى خرير مياه الوادي التي أضاف لها ضوء القمر الذي انتصف كبد السماء جمالاً على جمال.


يقول صابر (37 عاماً) مستعيناً بخبرة السنين في صيد هذا الحيوان: "العم ابراهيم يخرج من جحره في ساعة متأخرة من الليل لتناول طعامه، كي يضمن نقص حركة الانسان وعدم تعرضه للخطر، فهو حيوان ذكي جداً، وله قدرة كبيرة على التخفي، كما يلجأ دائماً إلى الرعي جنباً إلى جنب مع الخنزير البري، كطريقة للحماية وعدم جلب الانتباه".

وعن سرّ تسمية "الضربان" بالعم إبراهيم، يروي صابر أن هذا الحيوان يختفي كلياً في حال ذكرته باسمه الحقيقي عند خروجك إلى الصيد، وذلك عن تجربة، يضيف: "وهو ما علمنا إياه أجدادنا وكبارنا، لذلك نلتجأ إلى تسميته بالعم ابراهيم، كما نستعمل هذا الاسم أيضاً للتمويه، لأن هذا الحيوان يمنع صيده في موسم التزاوج من أجل حمايته من الانقراض".

ويعتمد هؤلاء الشباب على وسائل بدائية في صيده، وتتمثل في شوكة حديدية طويلة، وسكين، بالإضافة إلى الكلاب التي تتقفى أثر هذا الحيوان وتشتم رائحته عن بعد.

"يختبئ في ظل القمر"

الساعة تشير إلى منتصف الليل، تخرج المجموعة الأولى التي ستذهب إلى إحدى المغارات التي وقع عليها الاختيار لانتظار عودة الفريسة في حال نجحت في الهرب من ميدان الصيد، فيما تتفرق المجموعات الأخرى لتجوب الجبال والأودية مستعينة بكلاب الصيد.

يقول سامي إنه سيتم تتبع الأماكن التي يغطيها ظل القمر، وهي أقرب المناطق التي يلتجئ إليها الضربان هروباً من ضوء القمر الساطع.

توغلت المجموعة التي كان يقودها سامي في عمق الجبل، بعيداً عن المغارة التي تتمركز بها المجموعة الأولى بنحو 3 كيلومترات، بحثاً عن المروج الخضراء، التي يكثر بها نبات يطلق عليه اسم "الفرعون"، وهو الطعام المفضل للضرابين، فيما تتجول المجموعات الأخرى في المناطق التي تكثر بها الأعشاب، والمتاخمة للمناطق السكنية.

ويصل متوسط عمر "الضربان" إلى ما يقارب العشرين عاماً، ويتكاثر في فصل الربيع، ويقوم الذكر بالتبول على أنثاه مباشرة بعد عملية التزاوج، وبعد عملية التكاثر، تحمل الأنثى لفترة تبلغ شهرين، حيث تضع من جروين إلى أربعة جراء، فتخرج هذه الجراء الصغيرة كاملة النمو، بأشواك قصيرة ولينة، وتمكث فترة رضاعتها لفترة طويلة، تقترن باعتماد الصغار على نفسها.

الصيد الأول

يتصل صابر ببقية المجموعة، بعد نجاحه في عملية الصيد، ليعلمهم بالقضاء على أول صيد لهم في هذه الليلة، لينبعث الحماس مجدداً في قلوب البقية، وتشتد عزائمهم أكثر.

مع الاقتراب من إحدى المروج الشاسعة في عمق الجبل والتي يطلق عليها "تلة الفأس"، يعطي سامي إشارة إلى أصدقائه بتوخي الحذر، وعدم إصدار أي ضجيج، وكان يتسلل ببطء بين أغصان الأشجار، ويمشي على أطراف أصابعه قبل أن يطل من فوق الربوة دون أن يجد أي شيء ما عدا بعض الخنازير البرية التي طاردتها الكلاب.

"لا يوجد مبرر للصيد العشوائي، وإن كان هناك من يستحق إعانة فليذهب إلى عمدة الجهة، والمسؤولين المحلين، علما أن الدولة قدمت مساعدات بأكثر من 60 دولارا للعائلات محدودة الدخل، والفئات الهشة" مسؤول بوزارة الفلاحة التونسية لرصيف22

الساعة تشير إلى 2:15 ليلاً، يأمر سامي أصدقاءه بالعودة إلى نقطة اللقاء الأول لأن الوقت لم يعد كافياً للمزيد من الابتعاد والتوغل في عمق الجبل، مع اقتراب موعد السحور، خاصة أنهم في شهر رمضان.

اختار محدثنا طريقاً مختلفاً خلال العودة عله يصيب صيداً، حيث دخلوا في طريق ضيق بجانب وادٍ يلفه الظلام، نتيجة الأشجار الكبيرة التي كانت تغطي المكان، هنا اعترضتهم خنازير برية كانت تسلك نفس الطريق من الجهة المعاكسة، فلولا فطنة الكلاب لحصلت كارثة نظراً لضيق المساحة..

ليلة صيد فاشلة

هي رحلة فاشلة بالعودة إلى قيمة الصيد الذي تحصلوا عليه، لكنها تبقى أفضل من عودتهم خاليي الوفاض، يتم اقتسام الصيد بين الأطراف التي تبقى في حاجة ماسة أكثر إلى اللحم، ثم يتم التفاهم حول موعد لقاء الغد قبل الإفطار للخروج كالعادة في رحلتهم الشاقة.

يقول نادر إن الحياة هنا "صعبة جداً، حيث نقوم بالصيد ليلاً ونرعى الأغنام والمواشي نهاراً، إضافة إلى أعمال المنزل التي لا تكاد تنتهي، نحن مجاهدون حقاً في سبيل العيش".

"الحياة هنا صعبة، نصيد ليلا، ونرعى المواشي نهارا".

"أزمة فيروس كورونا أثرت حتى على طريقة عيشنا، فلا بيع ولا شراء، لأن هذه المناطق تعتمد بالأساس على تجارة الماعز والأغنام كوسيلة لتوفير الأموال، ومعظم سكان هذه المنطقة يشتغلون كعمال بناء وقد أغلقت حتى الحظائر"، يضيف نادر.

يعلق يوسف بن محمد، مسؤول بوزارة الفلاحة، في تصريح لرصيف22 إنه يحجر صيد مثل هذه الثديات من أجل الحفاظ على الثروة الحيوانية، وخاصة تلك المهددة بالانقراض.

وعن الظروف الصعبة التي يختبرها سكان القرى القريبة من تلك الجبال، يقول بن محمد: "لا يوجد مبرر للصيد العشوائي، وإن كان هناك من يستحق إعانة فليذهب إلى عمدة الجهة، والمسؤولين المحلين وسيتم توفير إعانة له، علما إن الدولة قدمت مساعدات بأكثر من 60 دولارا للعائلات محدودة الدخل، والفئات الهشة".

العيش في هذه المناطق الوعرة يتطلب جهداً كبيراً ووقفة رجال، فهم في صراع أبدي مع الحياة، وبحاجة ماسة إلى تدخل الدولة لإنقاذهم من هذا الجحيم عن طريق توفير مواطن شغل، خاصة أن هذه المنطقة تتميز بأماكن ساحرة وخلابة ويزورها سنويا الآلاف من المواطنين، للاستمتاع بثلوجها وغاباتها وشلالاتها.

لقد أعاد فيروس كورونا توزيع الأوراق، وعاد سكان الأرياف وهذه المناطق إلى عاداتهم القديمة، وفتح عهد جديد من البداوة التي خالها الجميع انتهت.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard