عربة نحو الزمن الماضي... إلى "تحت السّور" في تونس

الثلاثاء 17 مارس 202007:57 م

يأتي هذا المقال ضمن الملفّ الذي أُطلق منذ شهر مارس/أذار 2020, في قسم "رود تريب" بـرصيف22، والمعنوَن: "داوِ الهمومَ بقهوةٍ سوداءِ... المقاهي العربية".


لا يمكن لأيّ دارس أو مهتمّ بالأدب التونسي وتاريخه ألّا يعترضه خلال بحثه اسم "مقهى تحت السّور". هذا المقهى الموجود في حيّ "باب سويقة العتيق"، والذي يستمدّ اسمه من موقعه تحت سور باب سويقة التاريخيّ.

منذ أواخر العشرينيات ومطلع الثلاثينيات من القرن العشرين، برز في تونس جيل جديد من الأدباء والمفكّرين أثروا تأثيراً بالغاً في الفكر والأدب والثقافة التونسية عموماً، ومن هؤلاء: أبو القاسم الشابي، والطاهر صفر، وزين العابدين السنوسي، والهادي العبيدي، والطاهر الحدّاد، وبيرم التونسي في سنوات منفاه، ومحمد الصالح المهيدي. وكان ّمقهى "تحت السّور" هو المكان الذي يضمّهم ويحتضن لقاءاتهم الفكرية ومطارحاتهم ونقاشاتهم.

هذا المقهى البسيط الذي لا يضمّ من الأثاث غير بعض الطّاولات والكراسي الخشبية، وبعض الحصَر و"الكليمات" القماشية التونسية المفروشة مباشرة على أرضية المقهى، كان مشتلاً لأعظم حركة ثقافية عرفتها الساحة التونسية في تاريخها، حيث أنّ جماعة تحت السّور لم تضمّ فقط أدباء وشعراءَ، بل ضمّت موسيقيين وملحّنين، وفنانات غيّرن وجه الموسيقى التونسية والعربية. أطلقت هذه الجماعة على نفسها: "جماعة تحت السور".

أحداث هذا العصر ماثلة في آثار هؤلاء الروّاد الذين نَجَحُوا في تصوير الواقع التونسي تصويراً صادقاً؛ فكان بعضهم يدعو إلى تعليم المرأة، ويلحّ على منحها حقوقها، وبعضهم الآخر يدافع عن الشخصية التونسية العربية الإسلامية المهدّدة بالذوبان. وهناك من آزر الزّعيم النقابي محمد علي الحامي، مؤسّس "جامعة عموم العملة التونسية" في محنته، ومنهم من شهّر بسياسة التجنيس، مثل الطاهر الحدّاد، الذي خاطب الشعب قائلاً : "أفقْ أيها الشعب المهان، فقد أتوا إليك بتجنيس لعلّك تخدعُ/ وأيّد لهم بالحسّ أنك ماجد وإن كنت في بؤس فجنسك أرفعُ".

هذا المقهى البسيط الذي لا يضمّ من الأثاث غير بعض الطّاولات والكراسي الخشبية، وبعض "الكليمات" القماشية التونسية المفروشة مباشرة على أرضية المقهى، كان مشتلاً لأعظم حركة ثقافية عرفتها الساحة التونسية في تاريخه

مواكبة الأدباء لهذه الأحداث لفتت الأنظار ووحّدت مسؤولية النخبة ودورها في تصعيد المقاومة، كما عالجت مواضيع جديدة أمْلتها الظروف السياسية آنذاك.

كانت مجموعة "تحت السور" على صلة بنخبة من الموسيقيين والمطربين والمطربات، أمثال الهادي الجويني، والصادق ثريّا، وصالح الخميسي، وحسيبة رشدي، وفتحيّة خيري. وكانت لهم علاقات بعدد من رجال المسرح والتمثيل، منهم صالح الزواوي، ومحمد عبد العزيز العقربي، وأحمد بوليمان، وشافية رشدي. وكان على صلة بهم أيضاً بعضٌ من الرسّامين، من أمثال علي بن سالم، وحاتم المكّي، وعمر الغرايري الكاريكاتوري.

مثّلت "جماعة تحت السور" من الأدباء والصحافيين والفنّانين والرسّامين، أسرة أدبية تشابهت في المشاعر والأحاسيس، وكانت لأكثرهم ميول إلى الحياة الهامشية. وبالرغم من ذلك فقد كانت لجميعهم مواقف تقدّمية رائدة من القضايا السياسية والاجتماعية والثقافية التي شغلت بال الرأي العام التونسي طيلة الثلاثينيات والأربعينيات من القرن الماضي.

كلّ هذه الأسماء يعتبرها الكثير من النقّاد من وضعت الأسس الأولى للثقافة التونسية الحديثة التي تؤمن بتحرّر المرأة. وقد أشار الأديب التونسي عزّ الدين المدني في مقدّمة كتابه "تحت السور" إلى روّاد هذا المقهى بقوله: "لم يكن في وسع هؤلاء الروّاد، أيّام شبابهم، أن يواصلوا تعلّمهم في المدرسة الصادقية لقلّة ذات اليد، فانكبّوا يثقّفون أنفسهم بصورة عصاميّة، بالمطالعة، بالتأمّل، بالاحتكاك الاجتماعي المستمرّ، بالتتلمذ لأدباء سبقوهم في الميدان، بالدخول في صلب الحركة الوطنيّة التحريريّة، والذّود عنها على أعمدة الصّحف أو على أركاح المسارح... كانت السياسة الاستعماريّة تعمل عملها فيهم، بقطع آمالهم وتقويض رجائهم، بتفريقهم وعزلهم، وبثّ البوليس والخائن والمُخبر في صفوفهم...".

اكتسب هذا المقهى شهرة واسعة بين سنتي 1929 و1943، لأنّه كانت تؤمّه مجموعة من الأدباء والصحفيين والرسّامين والفنّانين التونسيين

ويصف الأديب علي الدوعاجي، أحد أعضاء الجماعة،  مقهى  "تحت السور" في جريدة "الأسبوع" (عدد 25 حزيران، 1946)، فيقول: "كان خادم المقهى يرشّ أرض الشارع بالماءِ وهو يغنّي أغنية (يا وابور رايح على فين)، على لحن (يا للّي لهبت نيراني)، ولا أدري كيف وفّقه الله لذلك. وكان يرتدي بلوزة أطول ممّا يجب، وينتعل حذاءً من جلد لامع ممّا يلبس في حفلات الأغنياء، وخلفه، وأمام مشرب المقهى وقف وكيل المقهى يراقب عملَ الخادم ويستمع إلى غنائه، ولا يمكن أن تفهم من تقلُّص أعصابِ فمِه أنّ امتعاضه كان من نشاز أنغام الخادم أو من شيءٍ آخر لا يعلمه إلاّ هو".

ذلك هو الواقع الذي عاش فيه أدباء "تحت السور"، وهو واقع مليء بالمتناقضات، ووصفهم  مصطفى خريّف  "بجماعة منسجمة تشابهت في الفلس وحبّ الفنّ والشيخات". ونعتهم آخرون "بجماعة البطالة والتسكّع"، وهم البوهيميّون الذين لا تُرجى منهم فائدة.

ولم يكتف علي الدوعاجي الذي يُعتبر من ألمع وجوه هذه المجموعة، بهذه الأوصاف، بل عرّفنا بفضل معايشته لهم بأمزجتهم، وكان يكنّيهم بـ"العيون"، إذ أغلبهم تبتدئ أسماؤهم أو ألقابهم بحرف العين.

وقد شهدت مدينة تونس منذ الثلاثينيات من القرن العشرين ظهور عدد من المجالس الأدبية في بعض المقاهي بالأحياء الشعبيّة، مثل مجلس الشيخ محمد العربي الكبادي، بمقهى "البانكة العريانة" بحيّ "باب المنارة"، وكانت تحضرُه نخبة من الأدباء، أمثال البشير الفورتي، والهادي العبيدي، ومحمّد المرزوقي؛ وكذلك مقهى "الشواشين" المشهور بجلسات الإنشاد الصوفيّ خلال شهر رمضان، ومقهى "المرابط"، قرب جامع الزيتونة الذي كان في عهد البايات مجمع الجنود الانكشاريين خارج أوقات العمل، ومقهى العطّارين الموجود بسوق يحمل نفس الاسم، داخل المدينة العتيقة.

ولكن مقهى تحت السور بباب سويقة  يبقى أشهر المقاهي في هذا المجال، وقد عُرف أيضاً باسم "مقهى سيدانة"، أو "مقهي خالي علي"، وهو يقع في الزاوية المحصورة بين بداية نهج "حمام الرميمي"، وبداية نهج "علي البلهوان" الحالي.

وقد اكتسب هذا المقهى شهرة واسعة بين سنتي 1929 و1943، لأنّه كانت تؤمّه مجموعة من الأدباء والصحفيين والرسّامين والفنّانين التونسيين، من أبرزهم: علي الدوعاجي، وعبد الرزاق كرباكة، والهادي العبيدي، ومصطفى خريّف، ومحمد العريبي، ومحمود بيرم التونسي، وعبد العزيز العروي، وعلي الجندوبي، ومحمد بن فضيلة. وكان بالنسبة إليهم بمنزلة النادي الأدبي، فيه تجري المطارحات والمناقشات والأسمار الأدبيّة.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard