التطبيقات الجديدة... العالم الذي لا نعرفه

الثلاثاء 12 مايو 202004:30 م

في نهاية نيسان/ أبريل الماضي، انتشر مقطع مصوّر على صفحات التواصل الاجتماعي للطالبة الجامعية المصرية حنين حسام، تتحدث فيه عن إنشائها لـ"وكالة" على تطبيق اسمه "لايكي"، وتطلب فيه فتيات للعمل معها، شريطة أن تكون الفتاة مقبولة الشكل، ومستعدة لفتح الكاميرا، والتعرّف على متابعين والتواصل معهم، لتجني من وراء ذلك راتباً شهرياً قد يصل إلى ثلاثة آلاف دولار.

أثار الفيديو حالة استياء عامة، وسرعان ما تطور الموقف، لتتحول موجة الهجوم على الفتاة الملقبة بـ"فتاة التيك توك" إلى حزمة اتهامات شديدة الخطورة وُجّهت لها من قبل النائب العام، بدءاً من الاعتداء على مبادئ وقيم أسرية، وانتهاء بالإتجار بالبشر، مروراً بتسهيل أعمال منافية للآداب، وهي حزمة تُهم إنْ ثبتت عليها فقد تلقيها في غياهب السجن لمدة تتراوح بين ثلاث وعشر سنوات.



صيغة الحديث والمفردات المُستخدَمة من قبل حنين جعلت كثيرين يقتنعون تماماً بأننا إزاء "قوادة" سيبيرية، تستغل عوز الفتيات الصغيرات من أجل استقطابهنّ للقيام بأعمال منافية للآداب، وإلا فكيف ستكسب فتاة شهرياً مبلغاً كهذا فقط من فتح الكاميرا والحديث مع الآخرين؟

لكن هل فعلاً "حنين" قوادة، وهذة "التطبيقات" لا تعدو كونها سوقاً جديداً للدعارة، أم أننا إزاء عالم مغاير من "التطبيقات" لا نفهمه ولا ندرك قواعده، عالم تمتزج فيه السياسة بالاقتصاد بالإعلانات، بصيغة لا نستوعبها، وبالتالي أحكامنا عليها منقوصة أو خاطئة؟

صراع التطبيقات الأممي

باتت "التطبيقات" جزءاً من الصراع على السيطرة الذي امتد ليشمل العالم الافتراضي، بين أمريكا والصين.

وفي ظل الهيمنة الأمريكية على هذا العالم من خلال امتلاك شركاتها لغوغل، يوتيوب، فيسبوك، أمازون، إنستاغرام، وتويتر... سعت الصين إلى كسب مساحات عبر تطبيق "تيك توك" والذي بدأ كتطبيق صيني تحت اسم Douyin، قبل أن يخرج إلى العالمية بعد نجاحه في شراء تطبيق Musical.ly وضمّه، لتُطلَق نسخة عالمية منه وهي Tik Tok.

تعتمد فكرة "تيك توك" ببساطة على إنتاج فيديوهات قصيرة على إيقاع موسيقى ما، والمستهدَف منها بالأساس كان جمهور المراهقين للخروج بهم من تحت عباءة يوتيوب (المهيمن على عالم الفيديوهات الطويلة) وفيسبوك/ تويتر (المهيمنين على عالم التواصل الاجتماعي).

وتحركت الصين عام 2016 لتثبيت أقدامها في عالم التطبيقات الافتراضي عبر قيام شركة "بيجينغ كونلون تك" بشراء Grindr، تطبيق المواعدة الأبرز في العالم للمثليين، وعام 2018، أعلنت شركة "شيجي" الصينية استحواذها على تطبيق StayNTouch الخاص بتشغيل الفنادق.

هاتان الخطوتان واجهتا اعتراضاً أمريكياً، بذريعة أنهما تمسّان بالأمن القومي الأمريكي لما يجمعه التطبيقان من "داتا" خاصة بمواطنين أمريكيين. وفي الحالة الأولى مورست ضغوط من سياسيين وأجهزة أمن قومي أسفرت عن بيع الشركة الصينية للتطبيق، وفي الحالة الثانية أصدر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في آذار/ مارس الماضي، قراراً يطلب من المالكين الصينيين الانفصال عن شركة StayNTouch الأمريكية خلال 120 يوماً.

بيزنس التطبيقات

صراع التطبيقات ليس صراعاً سياسياً فحسب، بل هو في الأساس تناحر اقتصادي. نتحدث هنا عن مشاهدات بالملايين، تُترجَم إلى إعلانات بالمليارات. أموال مذهلة دفعت البعض، وبعيداً عن صراع الهيمنة الأمريكي-الصيني، إلى إيجاد "بيزنس موديل" مغاير، يمكن من خلاله تحصيل أموال أكثر وبشكل أسرع.

في النموذج الأمريكي التقليدي، ينشئ أحدهم قناه له على يوتيوب يقدّم فيها المحتوى الخاص به، فإذا نجحت في تحقيق 4000 ساعة مشاهدة واشتراك 1000 عضو، يتم إخطار صاحب القناه بأن قناته صارت مؤهلة لتلقي الأرباح، وإبلاغه بأنه يستطيع تسجيل حسابه في برنامج يوتيوب الربحي، وبأنه يحق له حظر تصنيفات معيّنة من الإعلانات أو معلن بعينه، ويتم اقتسام الأموال بين غوغل (مالكة يوتيوب) وبين صاحب القناه بنسبة 55% للأولى و45% للثاني.

مفهوم أن يسعى ثري لدفع أموال لفتاة للتعرف عليها وربما إقامة علاقة معها على أرض الواقع لاحقاً، لكن هنالك تطبيقات عليها ملايين المتابعين، والباحثون عن الجنس لا يهيمنون عليها، بل يهمين عليها أشخاص عاديون يتحدث أغلبهم لساعات في "كلام فارغ" ويجدون مَن يدعمهم بالمال

الإعلانات في ذلك النموذج تُعرَض وفق اهتمامات المستخدِم الشخصية، والمادة التي يبحث عنها في غوغل وخارجه. أنا أبحث عن السيارات مثلاً، فتظهر لي إعلانات لها علاقة بالسيارات ومستلزماتها. أنت تبحث عن الملابس فتظهر لك إعلانات خاصة بالموضة... وهكذا.

لا توجد علاقة مباشرة هنا بين المُشاهِد والمُعلن مطلقاً... المشاهِد لا يدفع لصاحب القناه، أو حتى لغوغل، بل فقط يدفع اشتراكه الشهري في الإنترنت لشركة الاتصالات، وليس له أي علاقة بما سيحدث بعد ذلك.

أما في التطبيقات المباشرة الحديثة مثل Likee، Tango، BIGO وMico، الناشئة في الصين وسنغافورة، وبعضها مجهولة المصدر، فتتم العلاقة الاقتصادية بشكل مباشر بين المشاهد و مقدّم المحتوى.

الفكرة هنا أن أحدهم، ويسمى "المضيف"، يقدم فيديوهات مباشرة Live على التطبيق، وإذا نجح في استقطاب عدد من المشاهدين، منهم مَن سيكتفي بالمشاهده فيظل "مشاهداً"، ومنهم مَن سيقرر أن يدعمه مادياً فيسمى "الداعم". هذا "الداعم" يشترى أونلاين عملات افتراضية (كوينز) ويعطيها لمقدّم المحتوى (المضيف)، تحفيزاً ودعماً له، ويتم بالطبع لاحقاً تحويل تلك العملات الافتراضية إلى أموال حقيقية عبر إدارة التطبيق، بشرط أن تصل إلى حدّ معيّن يسمى "التارغت".

المضيف في هذة التطبيقات لا يعمل منفرداً، بل يعمل تحت إدارة شخص مسؤول عن عدد من الأشخاص، في ما يعرف باسم "الوكالة"، وهذه "الوكالة" تكون همزة وصل بينه وبين إدارة الشركة مالكة التطبيق في الخارج… بالمناسبة، حنين حسام كانت تسعى إلى إنشاء "وكالة" خاصة بها حين تحدثت عن رغبتها في ضمّ فتيات للعمل معها.

إذاً، الشكل الهرمي لهذه التطبيقات هو: إدارة الشركة (تأخذ أكبر نصيب من الأموال)، وكالة (تأخذ حصة أقل من المال)، مضيف (يأخذ أقل القليل رغم أنه هو مقدّم المحتوى)، داعم (وهو مَن ينفق على الجميع) ومشاهد (يتابع دون أن يتكلف أي شيء).

الأموال تذهب إلى الشركة المالكة عبر شراء "الكوينز" ببطاقات الائتمان أونلاين، وحصة "الوكالة" تعود إليها عن طريق تحويل بنكي، وتقوم الوكالة بإيصال النقود إلى "المضيف"، إما عن طريق خدمات شركات الهاتف (فودافون كاش في مصر مثلاً)، أو عبر حوالة. وبالطبع من الصعب حصر الأموال الذاهبة والعائدة في تلك التطبيقات، وهل الوارد إلى دولة ما أكبر أم الخارج منها.

داخل عالم التطبيقات المباشرة (Live Applications)

بشكل عام، تعتمد التطبيقات المباشرة بأشكالها المختلفة على فكرتين: الأولى، بث فيديوهات مصوّرة قصيرة، سواء لصاحب الحساب (أكاونت) نفسه أو لغيره، وغالباً ما يغلب عليها الطابع الكوميدي؛ والثاني، وهو الأهم، الظهور في بث مباشر (لايفات) والحديث مع الناس منفرداً، أو بشكل ثنائي، بحيث تُقسَم الشاشة ويتناقش أو يتحاور أو ربما يتعارك شخصان على الهواء مباشرة.

سواء كنت من المحافظين أم لا، فالمؤكد أن هناك عالماً جديداً من التطبيقات تَشَكَّل بالفعل، وأصبحت له مفرداته وعلاقاته وتشابكاته، والمؤكد أيضاً أن التعامل مع ذلك العالم السيبيري غير ممكن بمفردات وقناعات من خارجه

وهنا يأتي المأزق الأخلاقي المجتمعي. بعض هذة التطبيقات مثل Mico أو Likee عليها رقابه من الشركة المصدرة لها، وبالتالي يصعب أن تجد عليها فيديوهات عارية ويصعب أن تتحول إلى مكان للدعارة السيبيرية، ولكن هناك تطبيقات أخرى مثل BIGO وTango لا توجد معايير صارمة عليها، وبالتالي يمكن أن تجد هنالك مثل تلك الممارسات بطريقة أو بأخرى.

لكن تعميم الحكم على كافة التطبيقات بأنها إباحية، وبأن مستخدميها هم فقط مقدمي ومستهلكي جنس هو تعميم خاطئ تماماً. الحقيقة أن هناك نجوم مثل منة فضالي، علا رامي، وائل علاء، عصام كاريكا، وغيرهم لهم حضور على تلك التطبيقات ومتابعون بالملايين، وهؤلاء وآخرون هم مَن يحققون أرقاماً ربما تتجاوز الثلاثة آلاف دولار شهرياً، أما باقي "المضيفين" فأغلبهم لا يحققون أكثر من 200 دولار على أقصى تقدير.

السؤال هنا: ما الذي يدفع أحدهم لدفع أموال لدعم شخص يتحدث يومياً في الـ"ولا حاجه"؟

مفهوم أن يسعى ثري عربي لدفع أموال لفتاة للتعرف عليها وربما إقامة علاقة معها على أرض الواقع لاحقاً، لكن هنالك تطبيقات عليها ملايين المتابعين، والباحثون عن الجنس لا يهيمنون عليها، بل يهمين عليها أشخاص عاديون يتحدث أغلبهم لساعات في أحاديث لا يمكن وصف أغلبها بشيء سوى بأنها "كلام فارغ"، ومع ذلك تجد ملايين المتابعين، ومنهم مَن يدعم "المضيف" مالياً عن طريق شراء الـ"كوينز" وإهدائها له، رغم أن الداعم هنا ليس ثرياً بالضرورة… فلماذا يحدث هذا؟

داليا (اسم مستعار) طبيبة في الثلاثينات من عمرها وتقيم في إحدى مدن الدلتا، تروي قصتها مع تطبيق BIGO وتقول: "علاقتي بدأت بهذا التطبيق في فترة خواء في حياتي، لم يكن لدي عالم أتحرك فيه، كنت مهزومة وأشعر بالوحدة، أصدقائي تحدثوا أمامي عن ذلك التطبيق، دخلته وبعد فتره أصبح شقاً هاماً وحيوياً من برنامجي اليومي، صرت أتابع عدداً من الأشخاص، وكنت أدعمهم بالنقود (الكوينز) والتي أحياناً قد تصل إلى 200 دولار في الشهر، مع العلم أنني لست ثرية، وهذا الرقم يمثل جزءاً كبيراً من دخلي. الموضوع أقرب إلى الإدمان، وأشبه بأن تكون متابعاً جيداً لحساب (أكاونت) شخص ما على فيسبوك، لكن على هذة التطبيقات الموضوع أشد إثاره، هنا أنت تراه وتصبح جزءاً من عالمه، أين يخرج؟ مَن يقابل؟ ما الذي حدث له اليوم؟ كيف تطورات أزمته مع جاره؟، إلخ. خطوه بخطوه تتوحد مع عالمه وينتابك الشغف الدائم لمتابعته ومعرفة ماذا يحدث، خصوصاً إذا كان راوياً جيداً، خفيف الظل، يعرف كيف يشدك، وهنا يكون دعمك المادي له ليس لشيء سوى لأنك تحبه وتريده أن يستمر في الظهور وتقديم المحتوى الذي أصبحت متابعته جزءاً من برنامجك اليومي ولا تستطيع الاستغناء عنه".

وتختم داليا حديثها بالقول: "تعافيت من إدمان تلك التطبيقات وأصبح لديّ عالمي الحقيقي، لكن كثيراً ما ينتابني الحنين للدخول ورؤية ماذا حدث لمَن كنت أهوى متابعتهم... ربما بدافع العِشرة".

الدولة تظهر في المشهد

ظهور الدولة المصرية في المشهد أتى دراماتيكاً عبر القبض على الطالبة حنين حسام وتوجيه حزمة تهم لها. ربما حظ الفتاة العاثر هو ما جعل الفيديو الخاص بيها ينتقل من جمهور التطبيقات الذي يفهم مفرداتها مثل "كوينز"/ "وكالة"/ "تارغت"، إلخ، إلى جمهور أوسع بعيد كل البعد عن هذا العالم وبالتالي يفسّر المصطلحات وفقاً لقواعد مغايرة. وهنا أصبحت "حنين" ومَن على شاكلتها مجموعة من القوادين في نظرهم، فحدث تلاقٍ بين مزاج الجمهور الأوسع مع توجهات الدولة المحافظة في نقطة نجم عنها إلقاء القبض على "فتاة التيك توك".

وربما اكتشف الأمن أن هنالك ثقباً أسود يحوي ملايين من شباب لا يعرف عنهم شيئاً، ولا عن ماذا يفعلون، ولا يستطيع حصر الأموال الداخلة والخارجة عبر تلك التطبيقات. وهنا يأتي بيان النيابة العامة الذي تحدث عن حدود جديدة سيبرانية للدولة، مجالها المواقع الإلكترونية، وتحتاج إلى ردع واحتراز تام لحراستها كغيرها من الحدود...



سواء هذا أو ذاك، وسواء كنت من المحافظين أم لا، فالمؤكد أن هناك عالماً جديداً من التطبيقات تَشَكَّل بالفعل، وأصبحت له مفرداته وعلاقاته وتشابكاته، والمؤكد أيضاً أن التعامل مع ذلك العالم السيبيري غير ممكن بمفردات وقناعات من خارجه. علينا فهمه واستيعابه أولاً، قبل تقييمه وتقويمه، هذا بفرض أن لدينا القدرة على تقويمه أصلاً.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard