"لم نعد وحدنا في العزلة"... يوميات لاجئ مع كورونا في المخيّم

الثلاثاء 7 أبريل 202010:45 ص

يرى بعض الناس العزلة، أنها تعني الرومنسية والوحدة للإنصات إلى الداخل، لأنّنا حين نريد أن نقرأ ونكتب، يعني أننا بحاجة ماسة لتلك العزلة التي تدفعنا إلى مناخاتها الخاصة لصناعة الإبداع المختلف، نجلس وحدنا في البيت، نرتّب أشياءنا على طريقتنا، نشرب قهوتنا على طريقتنا، اذ يتضح فينا مفهوم العزلة أكثر، بأننا أسرى وبلا أسلحة، أسرى بين الجدران المسالمة.

وفي زمن كورونا هذا، عدوّنا الصامت الذي لا يَرَى ولا يُرى، هناك عزلة من نوعٍ آخر، ولها يومياتها الخاصة في الفوبيا من الآخرين، وفي الحديث المستمر عن صعوبة السجن وغياب السجّان، أما عزلة اللاجئ في بيته في المخيم فتأخذ شكلاً آخر، فالمخيّم المعزول أصلاً عن محيطه وعن العالم، والذي لا يشبه المكان الطبيعي، أي أنه لا يشبه المدينة، ولا يشبه المنطقة أو القرية، يعني حين تُعزل في مكان مغلق، فإنك تعيش العزلة عزلتين.

أما عزلة اللاجئ في بيته في المخيم فتأخذ شكلاً آخر، فالمخيّم المعزول أصلاً عن محيطه وعن العالم.

أجلس في البيت، في الطابق الثاني، أفتح الشبّاك الملاصق لشبّاك بنت الجيران التي تعيش نفس العزلة، أو أفاجأ بامرأة على السطح الموازي لبيتي، تنشر غسيلها الصباحي، وأخاف من العدوى أن تتسلل إلي عن طريق هذا الالتصاق، أو أسمع صراخ الأم على ابنها": لا تسلّم على أحد في الطريق" وتنظر إليّ، أو أسمع بائع الفاكهة وهو يصيح على النساء كي يخرجن ليشترين منه الفاكهة الطازجة والمعقّمة، البيوت على البيوت أو فوقها كعلب السردين، أغلق النافذة إغلاقاً محكماً كي أشعر بهذه العزلة، فجأة، يسألني والدي عبر الواتس أب وهو في الطابق الأول: هل قرأت مائة عام من العزلة لماركيز؟ إذا لم تقرأه انزل وخذه منّي، أنا انتظرك قرب الباب، يدفعني الضجر لأن أنزل وأخترق العزلة، لكي آخذ مائة عام من العزلة، وأصعد.

سمّاعات وكالة الغوث وتشغيل اللاجئين" الأونروا" تدعو اللاجئين في المخيم إلى التزام الحجر الصحي، كل واحد في المخيم يعزل نفسه، تقول العجوز لسائق السيارة من الأونروا: كيف نعزل أنفسنا؟ ألسنا في بيت واحد هنا؟ "ما احنا كلنا فوق بعضنا البعض يا خالتي"، هذه المرأة تعي ما تقول، لا يملك السائق جواباً واضحاً لها، قال: كورونا انتشر في لبنان يا حجة، ثم تابع المسير في سيارته وهو يدعو للعزلة، في الأزقة الضيقة التي يكاد يمر منها، بينما كنت أقرأ في رواية "الحب في زمن الكوليرا" لماركيز كأنني أعيشها كالفيلم، أتخيل ماذا لو دخل الفيروس لهذا المخيم المكتظ بالبيوت واللحم البشري؟ هل يوجد حجر منزليّ هنا؟ وكل هذا اللحم البشري محجور في حجر مختلف، في حجر من لجوء. يعيش الحجر من الاحتلال الأول الذي سلب المكان الأول، إذن، نحن نعيش في حجر اللجوء منذ اثنين وسبعين عاماً، وليس من الآن، إذن، نحن نعيش مع محتلَّين وفي حجرَين.

سمّاعات وكالة الغوث وتشغيل اللاجئين" الأونروا" تدعو اللاجئين في المخيم إلى التزام الحجر الصحي، كل واحد في المخيم يعزل نفسه، تقول العجوز لسائق السيارة من الأونروا: كيف نعزل أنفسنا؟ ألسنا في بيت واحد هنا؟ "ما احنا كلنا فوق بعضنا البعض يا خالتي"

أطلّ من زجاج النافذة على العالم الآخر، العالم الموبوء في شهر نيسان/ أبريل 2020، الذي يَعدنا بغسيل العالم بالشمس للتخلص من فيروس كورونا المستجد، ذكرى النكبة اقترب، ولكن في هذا العام لم نشعر به، لأننا أيضاً نعيش نكبتين هنا، وغالباً ما يُخطئ الذي يعيش التشابه بكل شيء، فكيف نحن الذين نعيش في حجر النكبات المستمر؟

جرّب العالم الاحتلال والسجن الآن، لم نعد وحدنا في العزلة، ربما هذه هي عدالة كورونا، لكي يشعر المواطن بأنه لاجئ، ويشعر اللاجئ بأنه لا فرق بينه وبين المواطن في الأسر/ الحجر، لذلك أصدّق الذين يقولون بأن العالم تغيّر بعد كورونا، لأن هذا العالم تربع جميعه في سجنه الكبير، مثلما يتربع هذا المخيم المعزول في جرحه/ أو حجره، أفكر وأنا أحمل رواية "مائة عام من العزلة" وأصعد بها إلى حجري المنزلي الجميل في الطابق العلوي المعزول عن العالم المنخفض، أتلقى اتصالاً هاتفياً من صديق قديم، في بداية الكلام، يُطمئن: لا تخف يقولون من أخذ طُعم الأونروا وهو طالب في المدرسة لن يصاب بكورونا، كيف؟ أتلعثم في حديثي، هل يستطيع المخيم الخروج من حجره الآن؟ يقول: لا، لا، لكن نحن أبناء المخيم مناعتنا قوية جداً، لأننا على استعداد دائم لموت قادم.

جرّب العالم الاحتلال والسجن الآن، لم نعد وحدنا في العزلة، ربما هذه هي عدالة كورونا، لكي يشعر المواطن بأنه لاجئ، ويشعر اللاجئ بأنه لا فرق بينه وبين المواطن في الأسر/ الحجر، لذلك أصدّق الذين يقولون بأن العالم تغيّر بعد كورونا، لأن هذا العالم تربع جميعه في سجنه الكبير

يذكرني هذا الكلام بالطبيب الذي عالجني في مستوصف الشفاء الطبي في المخيم، حين أصبت بالاسترجاع الشديد يوماً ما، قال: لا تخف ليس كورونا، قلت له: أعرف ذلك ولم أخف، قال: نحن الفلسطينيين لا يصيبنا هذا الوباء، لأنه فينا منذ خرجنا من بلادنا قسراً إلى المخيم، لذلك جهاز مناعتنا قوي جداً، لا تستطيع الفيروسات أن تهزمه داخل أجسادنا، يضحك الطبيب ويواصل إبرته في جسدي اليابس، الصديق ينهي مكالمته على عجل، ويذهب…

ما هذا الضجر الذي يدعوني إلى أن أتلمس الزجاج الخارجي، وأنظر إلى الغيوم التي تملأ السماء الكئيبة، كأنها تبكي على ما يحدث في كوكبنا الأرضي، كل شيء صامت، لا أحد يتكلم مع أحد، كل الناس أغلقوا أفواههم بالكمّامات وناموا، كأنهم أصيبوا بفيروس الصمت.

في الليل، أسمع نشرة الأخبار الأخيرة، الموتى يتصاعدون، والانتشار يتسع ويجتاح العالم، ساحة الحرب تأخذ شكل المعارك، لكنها الحرب العالمية الثالثة بلا أسلحة وبلا جنود، لا صوت يعلو سوى صوت الضحايا، وتلك المراسلة التي تفتخر بوضع الكاميرا على توزيع المساعدات الإنسانية على الفقراء، يدّعي هذا الإعلام بأنه حيادي، لكنه أثبت للعالم بأنه رأس الفيروس الأول في هذه المعركة الصامتة، تقول: سدّوا أفواهكم واتبعونا، أغلق التلفاز أم أتركه؟ أصحو أم أنام؟ أكتب أم أقرأ؟ أفضّل في نهاية هذا الليل المعزول، إلى أن أدفن رأسي في السرير وأذهب إلى عزلة أخرى.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard