لا أريد لهذا الحجر أن ينتهي… لأنني لم أعش من قبله حياتي

السبت 9 مايو 202002:58 م

لن يداهمنا الموت هذه المرة، سنمشي نحوه بخطى ثابتة ووفق التعليمات الحكومية السورية، فبعد اجتماع رئاسة الحكومة الأخير، بدأت القرارات الجديدة تطفو كالعفن: استئناف الدوام الجامعي، عودة صلاة الجمعة وعودة المواصلات العامة، ولمن لا يعرف باص النقل الداخلي السوري فهو بؤرة لتكاثر المتحرّشين واللصوص.

وأعتقد أن المهمة المستحيلة في الفترة القادمة ستكون إقناعهم بإبعاد أعضائهم وأيديهم عن أجسادنا وحقائبنا، فالتحرّش والسرقة اليوم قد تكلفهم حياتنا وحياتهم.

بعد أسبوعين تقريباً سأعود للحياة الجامعية في كلية الصيدلة، وبالنسبة لوالدي، التغيّب عن المحاضرات يُعتبر تمرداً على عادات العائلة، وبالنسبة لوالدتي، البنت ليس لها إلّا شهادتها الجامعية، وهكذا سأعود لحياتي التي أهرب منها منذ خمس سنوات بالضبط، حتى كدت أنسى أنني أقترب من منتصف العشرين دون أن أعرف نفسي.

سأخرج من البيت بعد ثلاثة أشهر من الحجر المنزلي الذي بدأ طوعياً ثم تحول لإجباري، مجرد فكرة الخروج للشوارع تخيفني، ككائن روتيني، هذا الانقلاب المفاجئ الذي يقترب لعودة المعاناة من الأرق الليلي مجدداً، فمنذ صدور القرار وأنا أبحلق في السقف طوال الليل، وأنفجر غضباً في النهار لقلة ساعات نومي، وأقضي بين الأرق والغضب ساعات أقاوم فيها السقوط في نوبات هلع لا آخر لها إذ بدأت.

عند عتبة باب البيت سينتظرنا جميعنا طريقان، أولهما حياتنا السابقة، والثاني هو الموت، فالحياة لن تتغير بغيابنا عنها، والفيروس لن يختفي لمجرد قرار أخذته الحكومات لإنقاذ الاقتصاد الوطني.

سأخرج من البيت بعد ثلاثة أشهر من الحجر المنزلي الذي بدأ طوعياً ثم تحول لإجباري، مجرد فكرة الخروج للشوارع تخيفني، ككائن روتيني، هذا الانقلاب المفاجئ الذي يقترب لعودة المعاناة من الأرق الليلي مجدداً، فمنذ صدور القرار وأنا أبحلق في السقف طوال الليل، وأنفجر غضباً في النهار لقلة ساعات نومي، وأقضي بين الأرق والغضب ساعات أقاوم فيها السقوط في نوبات هلع لا آخر لها إذ بدأت

مع بداية الأسبوع الثالث للحجر المنزلي، كنت قد بدأت الاعتياد عليه، ولأنني لا أحلم بحياة فيها أكثر من عائلتي ومن أحب ومكتبتي، كان يكفيني التواجد في البيت مع الإنترنت الذي ضاعفت سرعته مع بداية الحجر، لأكون مع بداية الأسبوع الرابع ممنونة للحجر، فلقد توقفت تماماً عن الكذب، فلم أعد بحاجة لاختلاق أعذار للأصدقاء والصديقات للتغيب عن كل المناسبات التي تحتاج مني الابتسام مكرهة، هذا غير إقلاعي التام عن تعاطي الوجبات الجاهزة كل يوم، فضلاً عن الهرب من حياة كنت أعيشها ولا تشبهني، إذ ما استثنيت منها ليالي الخميس في الشام القديمة، لكل هذا كان عليّ الاعتراف: لا أريد لهذا الحجر أن ينتهي...

باتت جملتي المفضلة في الأيام الأخيرة، والأتعس لكل الصديقات اللواتي أرميها بوجوههن ليغلقن بوجهي السماعة، أو ليخرجن من المحادثة بخفة الراقصات على الرغم من ازدياد أوزاننا كلنا، وهنا يُقبل التعميم... لكنني حقاً لا أريد لهذا الحجر أن ينتهي، وأكاد أفهم الشاعر محمود درويش حين كتب قصيدته "لا أريد لهذه القصيدة أن تنتهي"، هل جربت يوماً متعة أن تعيش في قصيدة تحبّها؟ هل جربت العيش في فيلمك السينمائي المفضل؟ هل لعبت دور البطولة في حياتك من قبل؟

للمرة الأولى أكون البطلة تماماً، أنا التي اعتدت أن أعيش حياتي كما هو مناسب، ماشية بخطوات سريعة وبغنج خفي مناسب لفرض الأنوثة، فرع جامعي ضمن القطاع الطبي مناسب لشروط العائلة، فستان أسود بطول مناسب للحي، ورأي سياسي خفي ليناسب شروط الحفاظ على حياتي في هذه البلاد.

لا أريد لهذا الحجر أن ينتهي، لأنني لم أعش حياتي، كنت أقضي وقتاً فحسب، ولا أريد أن أموت الآن، فما زلت على موعد مع الحياة ولو كان مؤجلاً، فقمة السخرية أن ننجو من الحرب، من الموت تحت ركام القصف، في انفجار سيارة مفخخة، برصاصة قناص أو حتى رصاصة طائشة، لتقتلنا مصلحة الاقتصاد العالمي في النهاية، لتقتلنا اللمسة.

سينتهي الحجر وسأخرج للشارع وأنا مقتنعة تماماً أن أي لمسة من الممكن أن تكلفني حياة من أحبهم، لذلك سأتهرب من لقاء الصديقات اللواتي اعتقدن أن موافقة الحكومة على الخروج تعني السلامة، سأعود للكذب، بين المحاضرات سأبكي لأنني مشتاقة لأمي خلف عيادات طب الأسنان، حيث اعتدت أن أختبئ من زملاء الجامعة، وسأعود لأمارس الهرب الذي أتقنه.

لا أريد لهذا الحجر أن ينتهي، لأنني لم أعش حياتي، كنت أقضي وقتاً فحسب، ولا أريد أن أموت الآن، فما زلت على موعد مع الحياة ولو كان مؤجلاً، فقمة السخرية أن ننجو من الحرب، من الموت تحت ركام القصف، في انفجار سيارة مفخخة، برصاصة قناص أو حتى رصاصة طائشة، لتقتلنا مصلحة الاقتصاد العالمي في النهاية، لتقتلنا اللمسة

سترفع الروايات والكتب التي أحبها من المكتبة مرة أخرى لتحل محلها المحاضرات، المعادلات الكيميائية والمراجع العلمية. سأخبر الجميع أنني أحبّ العلم وأحقد عليه، وسأتوقف عن الكتابة لأن أهلي سيذكرونني كل يوم أن الكتابة ببلدنا "ما بتطعمي خبز، وبتجيب الآخرة"، فوالدي يخاف عليّ من لساني الطويل وأمي من الفقر، وهكذا سأتوه مجدداً لأعيش في دماغ فتاة لا تشبهني، أو لأموت بعد أول محاضرة، فلا أحد يعرف العدد الحقيقي للإصابات في دمشق، ولا أحد يدرك سرعة انتشار الفيروس.

هذه المرة الموت بلا دماء، وللسوري الحق بجثته كاملة، وللعلم هذه رفاهية كنّا قد خسرناها، لن تتطاير السيقان والأذرع، لن نخترع عدواً خارجياً، ولن نعدّ الضحايا، هكذا بلا صخب وبلا ضجيج إعلامي سنموت بهدوء.

عند عتبة الباب سينتظرنا طريقان: أولهما الحياة السابقة التي يكرهها أغلبنا ويحن إليها البعض بفعل انتزاع حريتهم لا أكثر، والطريق الثاني الموت الذي عرفناه وألفناه وتعايشنا معه، فكلنا نعرف جيداً أن الحرب لم تنته، نحن ندير لها ظهرنا فقط، وإذ كنا نجونا لليوم فهذا بمحض الصدفة، الصدفة نفسها التي سننجو بها من الموت لحياتنا السابقة لنكون فرحين بها، ليكون أكبر انتصاراتنا الواقع الذي كنّا نشتمه كل يوم، السياسات التي كنا نزدريها، كذبة الديموقراطية، والبلاد الغارقة في الفساد من أقصى جنوبها الغربي لأقصى شمالها الشرقي، ذاك المنسي المهجور.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard